أبو شامخ كتب عدلي صادق

رحم الله المناضل عمر الخطيب، الذي اسلم الروح في العاصمة الاردنية، بعد صراع طويل مع المرض. فكأنما اي مرض، لم يكن سيهزم ابا شامخ سريعا. لقد عاش الرجل، ايام شبابه الجميل، في خضم عمل دؤوب، يتابع ويوجه من خلاله، مجموعات تعمل في الاراضي المحتلة، بتدابير رصينة وبمنطق انتقائي، يتخيّر فيه ابو شامخ العناصر القادرة على تحمل مسؤولية المقاومة، والتي تتسم بالرزانة والصبر والحماسة، والايمان العميق بالقضية.

عرفت الراحل عمر نور الدين الخطيب، في منتصف العام 1968 وعملت تحت امرته مباشرة، في القطاع الذي يرأسه الشهيد القائد خليل الوزير «ابو جهاد». كان لافتا ومميزا في هيئته وفي حركته وفي سيارته «الجيب» المكشوفة صيفا، المغطاة شتاءً، وهي استثنائية لم ار مثيلا لها من قبل ومن بعد، وكانت صينية الصنع اشبه بسلحفاء البحر. شاب اشقر بعيون زرقاء، يضاهي شُبان شمالي اوروبا، ويتحرك بثقة عالية في النفس. نشأت بيني وبينه علاقة ود، ولعلي اكون اوقعت في نفسه انطباعا حسنا، عندما استفسر مني ان كنت في حاجة الى بضعة دنانير، وكان جوابي ان الامر ميسور. ضحك كثيرا عندما ابلغته بعد شهرين، بنفاد دنانيري القليلة. كنت يومها، بالنسبة له، في موضع الرهان على «دورية» جديدة، وهذا هو اسم مهمة التوغل عبر الحدود الى الاراضي المحتلة. كان ابو شامخ يباهي بالشباب الصغار الذين يعملون معه، والمفعمين شوقا للعمل، ويتعمد اطراءهم امام «ابو جهاد». وكلما كنت اهاتفه، من فندقي الصغير، الذي تلتصق شرفته بالمئذنة اليُمنى لجامع الحسين في وسط عمان؛ كان يهبط من جبل اللويبدة، بسيارته العجيبة، لكي يصطحبني معه الى مكتبه في الجبل. كان اسم الفندق وما زال «نبيل». يسألني هل انت في نبيل؟ ثم يضيف مجاملا :ايها النبيل لا اريد لك مشقة الصعود من نبيل الى اللويبدة. كان المكتب عبارة عن محل ذي سقف عالٍ، جعل له ابو شامخ طابقا ثانيا من خشب، يصعد اليه وقد وضع فيه خزانة الملفات. اما على الارض، فقد كان يستقبل ضيوفه. كان يرسل الى الاراضي المحتلة، «دوريات» منتقاة جيدا، عملتُ مع احداها بقيادة الشهيد محمد ابو عيد «ابو العز» من قرية عبسان شرقي خان يونس. في تلك الدورية، كان تدبير عمر الخطيب، ان يكلف بالقيادة مثقفا وحكيما هو «ابو العز» الذي جاءه للالتحاق بينما كان يعمل في دائرة الاحصاء السورية، وهو اصلا من عبسان، على ان يكون برفقة المثقف والحكيم، عسكري مقاتل من جيش التحرير الفلسطيني سابقا!
مرت السنوات، وتنوعت ساحات العمل، لكن العلاقة مع الرجل ظلت دائمة وحميمة، اتاحت للعبد لله، ان يتعرف على الجوانب الاخرى من شخصية رجل يحب الحياة بقدر ما يحب الثورة. لم يكن احد يستفسر من احد عن اسمه. غير انني في العام 1970 وبعد حرب ايلول المؤلمة بقليل، عرفت اسمه الثلاثي (عمر نور الدين الخطيب) لان هيئة التنظيم والادارة اصدرت بطاقات تعريف جديدة، تماشيا مع وضع مضطرب. فقد اعطاني ابو شامخ صورتين شخصيتين، وورقة فيها اسمه وتاريخ ميلاده وفصيلة دمه، وذهبت الى المرحوم ربحي موسى الذي كان يعمل في هيئة التنظيم آنذاك، واستصدرت بطاقة لي وبطاقة له!

بعد ان لفظني السجن، كان ابو شامخ قد ارتحل مع الذين ارتحلوا الى لبنان. هناك انشأ مطبعة للثورة، كانت تُطبع فيها، بخلاف ملصقات الثورة وكتيّباتها؛ مجلة «فلسطين المحتلة» التي كتبت فيها بناء على مبادرة منه. كنت ازوره في مكتبه، لا سيما ان المطبعة والمجلة والرجل، كانوا لا يزالون ضمن قطاع الاراضي المحتلة الذي بدأت تسميته بــ «القطاع الغربي». ذلك كان قبل ان يعود الى الساحة الاولى، ويشغل موقع سفير لفلسطين في الاردن!

رحم الله ابا شامخ وغفر له وتقبله فيمن عنده، من الشهداء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
adlishaban@hotmail.com

شاهد أيضاً

استغفال عقول الناس…

بقلم: اللواء شهاب محمد معلقا ومستهجنا تصريحات ابو زهري الفجة وغير اللائقة بحق العلاقة بين …

اترك رد

Translate »