تداعيات على شفير الهذيان كتب أحمد دحبور

عندما طرح سارتر سؤاله الخطير: ما الادب؟ لم يكن يتأمل الاجناس الأدبية ولا حتى رسالة الادب، بل كان يتمعن في هذا السر الابداعي الذي يعيد صياغة الوجود صورا وكلمات، وانه لامر ذو دلالة ان يخصص كتابا لاستقراء معنى الكلمات بحد ذاتها..
والطريف ان الفيلسوف الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، قد افتتح كتابه بشذرة تقول ان شابا سخيفا قد تساءل ذات يوم: اذا اردت ان تلتزم فماذا تنتظر لتكون شيوعيا؟
ولقد كان امرا ذا دلالة ان يصف صاحب هذا الكلام بأنه شاب سخيف، فالشاب – حسب هذا السياق تحديدا – يعني انه محدود التجربة، وهذا لا يعني بأي حال ان الفيلسوف الوجودي يستخف بالشباب، بل انه برز بعد الحرب العالمية الثانية مع مجموعة من المفكرين الوجوديين كردة فعل شابة على شيخوخة الفكر في احد جوانب اوروبا التي يصفها بعض المؤرخين بالقارة العجوز..
والارض هي الارض، لا تشيخ ولا تهرم، بل البشر هم الذين تمشي عليهم سنّة الحياة، وبهذا المعنى فإن ذلك «الشاب السخيف» ليس الا عجوزا من حيث اعادة انتاج القديم واستهلاك الافكار المكررة، فالعمر – كما قال شاعر عربي – لا يقاس بالسنوات، بل بالفكر الذي اما ان يواكب الحياة فيظل شابا على مرور السنوات الطوال، واما يتمسك بالقديم المهترئ فيشيخ حتى لو كان في شرخ الشباب من حيث السن، الا ان هذا موضوع آخر..
حتى اذا عدنا الى الموضوع الاصلي، وهو سؤال: ما الادب؟ لفتتنا اللغة العربية الى جوهر معنى الثقافة التي اشتقها العربي من معنى التجريب والتعديل، فان تثقف العود، يعني ان تهذبه وتجري عليه التعديلات الكافية لتجعله صالحا للاستخدام..!
ولأننا لسنا في معرض التنظير والتفكير في رسالة الثقافة والادب، فدعونا لا نبارح موضوعنا الاول، وهو الاجابة عن سؤال سارتر وكلَّ سارتر: ما الادب؟ والجواب في تجربتي المتواضعة هو ان الادب اعادة انتاج للواقع المعيش، ولكن بالكلمات والمجاز والمقاربة، والتأثير في المتلقي شرط لنجاح هذا الادب او استحقاقه هذه الصفة، او كما قال الشاعر:
اذا الشعر لم يهززك عند سماعه
فليس جديرا ان يقال له شعر
واسحب الشعر على مختلف اجناس التعبير الادبي مع الاخذ بالاعتبار ان الاهتزاز نشوة بالادب، ليس الا المقدمة المطلوبة لتأثير الادب وفاعليته في الفرد والمجتمع..
وهكذا نجد ان هذا السؤال البريء عن ماهية الادب، يضعنا وجها لوجه امام سؤال الالتزام، فان تهتز نشوة او سعادة بالنص هو امر ضروري ولكن لذة النص – وهو تعبير من صلب علم الجمال الادبي – ليست الا المقدمة لحيوية الابداع ودوره في بناء المجتمع، ولا تتحقق لذة النص الا بالتناغم الانيق بين الفكرة واداة توصيلها، بل ان منح الاثر الفني صفة اللذة، هو بحد ذاته تقريب لعمل الحواس بعضها من بعض وتأكيد لمعنى مجازي يدخل بالادب الى منطقة المتعة، وهو ما اصطلح عليه بعض المنظرين بالفرح الفني، وانها لمفارقة حقا ان تدرج هذا الاصطلاح الساحر – اي الفرح الفني – في سياق تكريس نص ادبي حتى لو كان هذا النص في موضوع الرثاء والحزن!
وبالعودة الى السؤال الخالد الذي طرحه سارتر: ما الادب؟ نرى ان الابداع بشكل عام هو مزيج كيميائي من الدهشة والاكتشاف والابتكار، او بتعبير آخر، هو الكلام الذي لا يستسلم للتعريف مما يذكرنا بقول مفكر معاصر: الادب ضرورة، ولكن آه لو اعرف لماذا..
في هذا الزحام الاخاذ من الاصطلاحات الغامضة والواضحة، يبقى ان العمل الابداعي وسيلة لتجميل الحياة، او – حسب الحد الادنى – هو ما يجعل الحياة معقولة وجديرة بأن تعاش، والا فهل يمكن ان نتخيل انكلترا من غير شكسبير، وروسيا من غير دوستويفسكي، والعرب من غير المتنبي؟.. على ان الاسماء لا تكفي، فالقارئ النهم محكوم بأن يستزيد النص عطاء، لكأن النص الادبي اشبه بحبيبة ابي نواس المعشوقة المستحيلة التي قال فيها:
يزيد وجهها حسناً
اذا ما زدته نظرا
ولعلي اذكر، في فجر عمري، دهشتي البريئة من بيت شعر يؤدي هذا المعنى، قاله ايليا ابو ماضي:
لا اكتفي واخاف اني اكتفي
فكأنما في الاكتفاء حمامي
والا تكتفي من استيعاب قول جميل، يعني ان تصاب بعطش روحي لا سبيل الى اروائه، وهو ما ينسحب على الحواس جميعا لمساً وذوقا وسمعا ورؤية واستنشاقا، حتى ان النساء العربيات كن يدعين على العاشق الظالم بالحرمان الابدي فلا يشبع ولا يكتفي ولا يشعر بالوصول الى غايته مهما تكن له من فتوحات في باب العشق والفرح والتواصل.. على ان الطريف – وكل مرغوب هو طريف على نحو ما – هو ان هذا الحرمان بقدر ما هو مؤلم يظل مطلوبا مستساغا لمن يبتلى به، ولعلنا نذكر ما فعل قيس بن الملوح حين اخذه اهله الى عرافة اليمامة لتشفيه من الحب، فأمسك بردائها وهو ينشج: اللهم زدني حبا بليلى، وزدها شغفا بي..! لو لم يستجب الله لدعائه الصادق لما عرف ادبنا الجميل ذلك الفصل الفاتن من العشق.
قد يسأل سائل متبرم: ألهذا دعوتنا؟ ام انه ليس لديك ما تشغلنا به ففتحت سيرة العشق؟
والحق اني الى هذا دعوت، لا لأني اخوض في موضوع من لا موضوع له، بل لان الحب – بالمعنى المطلق للكلمة – هو اساس التواصل الانساني – ورحم الله أبا ماضي الذي تستعيده الذاكرة ثانية وثالثة والفا، وهو يقول:
انا بالحب قد وصلت الى نفسي
وبالحب قد عرفت الله
وهكذا ينقلني التداعي من سارتر في اول هذه الخاطرة، الى ابي ماضي الذي كان شاعري المفضل في صباي ولا تزال بصمته الثقافية عميقة في روحي الى يوم الناس هذا، ولا خوف من ان يكون الاستطراد قد اخذني بعيدا عما بدأت به، فالجبلة الانسانية مترابطة وعناصرها يستدعي بعضها بعضا، لهذا اجيب عن السؤال الاول بالجواب اللازم: ما الادب؟ انه ان تحب الحياة وتكون جديرا بالانتماء اليها، هل هي دعوة الى الحياة؟ لم لا؟ واهلا وسهلا..!

شاهد أيضاً

حزين لأسود المنارة

بقلم: باسم برهوم في ساحة المنارة في رام الله، الأسود الحجرية الاربعة الموجودة في وسطها …

اترك رد

Translate »