حكايات وأسرار من كهف الإخوان .. تواطؤ غربى وراء « أقوى تنظيم سرى عالمى »..!

مشهدان دفعانى للمشى وسط أسراب النحل داخل الكهف المظلم لأخطر تنظيم سرى فى القرنين الماضيين، المشهد الأول: من أديس أبابا على سلم الطائرة فجر الجمعة 30 يناير حين أعلن الرئيس السيسى أننا نحارب أقوى تنظيم سرى أنشئ خلال القرنين الماضيين ولم ينتظر حتى يعود إلى أرض الوطن لكى يحدد الأصابع التى ضغطت الزر فانفجرت السيارة المحملة بـ11 طنا من المتفجرات أمام بوابة الكتيبة 101 بالعريش، فرقص على أثرها المجرمون داخل أقفاص سجن طرة لوقوع هذا العدد من القتلى فى صفوف الجيش والشرطة، وفرحوا باضطرار الرئيس لقطع حضوره القمة الأفريقية فى أديس أبابا وأشاعوا أن مؤتمر شرم الشيخ والانتخابات البرلمانية وخارطة المستقبل باتت فى مهب الريح.

أما المشهد الثانى: من معرض الكتاب حين تحولت ندوة مناقشة «مستقبل القوة الأمريكية» إلى جلسة سرية لمجلس أمن قومى لمناقشة أسلوب فضح زواج المصلحة بين السياسة الأمريكية والتنظيمات الإرهابية وفى القلب منها تنظيم الإخوان المسلمين ، خاصة بعد استقبال الإدارة الأمريكية لوفد الجماعة الإرهابية فى أعقاب بيانهم الذى حرض على تفجيرات العريش وتوعد فيه الأجانب والمصريين بالحرق والتدمير فى ١١ فبراير القادم، وكان حضور الندوة خبراء فى السياسة الأمريكية وسياسيين مصريين مخضرمين، تبارى الحاضرون فى شرح مفاتيح السياسة الأمريكية إلى أن طلب الكلمة «دكتور أيمن.. » وهو أمريكى من أصل مصرى وقال: هل فريق العمل الذى يصنع القرار المصرى يعرفون كيف كان «يطبخ» القرار فى واشنطن قبل أن تمتد الأصابع لتحرك العملاء وتضغط على الأزرار فى الوقت المحدد لقلب الأوضاع فى مصر والمنطقة العربية؟

……….

وإذا كنت أقدم دلالات المشهد الثانى هدية للمجلس القومى المتخصص فى السياسة الخارجية الذى أصدر الرئيس قرارا بإنشائه الخميس الماضى، فإن إجابات المشهد الأول أقدمه استجابة لـ «لوم» العديد من الخبراء والقراء ـ وبينهم عاشق الأهرام الأستاذ أنيس ـ الذين طالبوا بالمزيد من الحقائق للإجابة على سؤال ماسر طغيان هذا التنظيم على الحكومات الغربية؟ وكيف جرت محاولة سرقة الثورة من قبل الإخوان؟ وطالبوا بنشر المزيد من الوثائق التى انفرد بها كتاب الأستاذ عاطف الغمرى الذى يحمل عنوان «اختطاف الثورة.. قراءة فى وثائق 25 يناير و30 يونيو»

فماذا يجرى فى كهف الإخوان، ولماذا يستثمرون فى صغار السن؟ وكيف أصبح مكتب الإرشاد الدولى منتدى تحركه أجهزة الاستخبارات العالمية؟ وأخيرا.. هل يستحق هذا التنظيم وصف الرئيس عبدالفتاح السيسى له بأنه أخطر تنظيم سرى فى 200 سنة؟

ان التكتيك الذى تتحرك به أسراب جماعة الإخوان فى كهوفها المظلمة وفى الشارع تشبه نظرية أسراب النحل ، ويفرد الأستاذ عاطف الغمرى فصلا كاملا عن أسرار كهف الإخوان ويحيلنا إلى كتاب صناعة أسراب الحشد الجماعى للمفكر جون ستانتون الخبير الدولى فى علم الاتصال ، ويقول: إن حشود الأسراب من الحشرات والحيوانات، أو ما يماثلها فى السلوك، بأنها تتحرك معا فى نفس الاتجاه، وتأتى سلوكياتها بطريقة منسقة. وفى الظروف التى تحيط بها تعقيدات بالغة،

وهو تكتيك عسكرى قديم، يساعد الطرف الضعيف على حشد قوة كافية فى وقت محدد، وفى مكان معلوم، يساعده على هزيمة عدو أكثر قوة.

أسراب النحل تطالب بالشرعية

لم يكن عصيا على الملاحظة، التقارب فى أسلوب الحشد الجمعى للأفراد بين أسراب الطيور والحيوانات والنحل وبين تحريك مجاميع الإخوان المسلمين فى الشارع، مدفوعين بسوط الإيحاء بأن هذا مطلب دينى صحيح، لكن منطلق كل منهما فى تحركه الجمعى مختلف عن الآخر. وحركة الأسراب الإخوانية، مبنية على مبدأ السمع والطاعة، الذى يخلق حركة تلقائية لدى الأفراد، بالانصياع للتعليمات الصادرة إليهم، دون أن يعملوا عقولهم فى السؤال عن السبب. وقد اعترفت قيادات إخوانية انشقت عن التنظيم، «إنك لا تعرف ما الذى تعرفه القيادة، ومكتب الإرشاد» أو حسب التعبير الدارج بينهم «إخوتكم اللى فوق عارفين كل حاجة».

والبروفسور اريك تريجر تخرج فى جامعة هارفارد وهو واحد من أبرز المتخصصين فى الشئون المصرية ، يقول فى دراسة عن أسلوب أسراب الإخوان: أنهم يضعون عيونهم على المرشح المحتمل للالتحاق بتنظيمهم، بالتركيز على أطفال تتراوح أعمارهم بين خمس وتسع سنوات،

لماذا الاستثمار فى صغار السن

وينقل تريجر عن عمرو مجدى.. الإخوانى السابق – الذى تم تجنيده أثناء دراسته بكلية الطب بجامعة القاهرة، والذى ترك الجماعة بأن المستكشف الذى يتولى التجنيد، لا يُعرِّفْ نفسه بأنه من الإخوان، بل يشعر الضحية أن هدفه تعميق تدينهما. ويشرح تريجر من خلال ما أبلغه به أعضاء بالإخوان، أسباب اهتمامهم بوضع أعينهم على الأطفال المطلوب «تجنيدهم» وهم فى سن التاسعة. وعن هذه النقطة قال له مصعب رجب (23 سنة) القيادى الناشط: فى بيتنا كان هناك تركيز على أن أتبع طريق والدى الذى كان ينصحنى فى بعض الأحيان بالجلوس مع أشخاص بعينهم. وهذا الأسلوب الذى يلتزم الدقة الفائقة فى التجنيد، هو الذى يشجع الجماعة على ضمان «الاستثمار» فى صغار السن. ويكون التجنيد هو بداية تنتهى بتحويل العضو المنشود إلى أخ إخوانى.

وهكذا يتدرج المحب إلى مؤيد ثم منتسب فمنتظم، وبعد أن يصبح عاملا يقدم للجماعة نسبة من دخله تتراوح بين خمسة إلى عشرة فى المائة.، ويستطيع أن يصوت فى الانتخابات الداخلية، ويرجع نظام التجنيد هذا إلى وقت تأسيس جماعة الإخوان عام 1928،… وحتى بعد تنحية مبارك، عندما قررت الجماعة اللحاق بثوار التحرير يوم 28 يناير وصلت الرسائل الإلزامية إلى الأعضاء بالنزول فى هذا اليوم، وتنقلت الرسائل عبر السلسلة التنظيمية. وكما يقول العضو الناشط عمرو البلتاجى، أن رئيس أسرتى اتصل بى تليفونيا فى وقت مبكر، ليبلغنى بالأمر. وهذا التنظيم الهرمى السرى القائم على مبدأ السمع والطاعة هو الذى أسهم فى ظهور جماعة الإخوان فى عام 2011، باعتبارها أكثر القوى السياسية تنظيما بالمقارنة بمعظم الأحزاب، وهو ما هيأ لهم حسب ما ذكره معظم المراقبين الأجانب، فرصة الانقضاض على الثورة، وخلال فترة تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، إدارة شئون الدولة، كان الإخوان يتعاملون مع المجلس ضمن ممثلين آخرين للأحزاب والقوى السياسية، إلى أن انتهى شهر العسل بينهم وبين المجلس العسكرى، فدفعوا عناصرهم الذين التحقوا بتجمعات المشاركين فى الثورة، لإطلاق شعار يسقط حكم العسكر

. وبنفس الأسلوب المشتق من أسلوبهم فى تجنيد الأفراد فى مصر. اهتم الإخوان – فى إطار نشاط التنظيم الدولى – بتجنيد أفراد جدد بصفة مستمرة فى أوروبا وأمريكا، وهكذا استوطنوا أوربا والولايات المتحدة، منذ الخمسينات والستينات، وبدأوا يؤسسوا جمعيات ومنظمات فى هذه البلاد. للحصول على شرعية التواجد القانونى فى موطنهم الجديد، وصعد نفوذهم من خلال تجمعات مارست النشاط السياسى.

وارتبطت هذه التجمعات معا، فى تشكيل نوع من جماعة ضغط Lobby عرف فى أوربا باسم مختصر [FIOE]، مقره بروكسل، وتمثل فيه 26 منظمة للإخوان تنشر مقارهم فى دول أوربية مختلفة. مثل الجماعة الإسلامية فى باكستان، وحزب الرفاه فى تركيا. وكان المرشد السابق مصطفى مشهور قد اختار السورى حسن هويدى الذى كان يعيش فى الأردن مبعوثا يمثله فى الخارج.

أوروبا خلف الكواليس

حين تعقدت ملامح المشهد فى ميدان التحرير بعد 25 يناير 2011، بدت مواقف بعض دول أوربا لافتة للنظر، بسبب تأثير جماعات الضغط والواجهات من وراء الكواليس، وتوقعت الحكومات الغربية ان الإخوان سوف يلعبون دورا مهما فى النظام السياسى، الذى يوشك أن يظهر فى تونس ومصر، واستغربنا كيف بدأ الدبلوماسيون وردود الأفعال فى بعض دول أوربا يعدون لهذا الاحتمال؟

..الإجابة تتواصل من وثائق التى احتواها كتاب عاطف الغمرى وتكشف المستور عن العلاقة مع المانيا التى كانت طرفا أساسياً فى مشاهد الإسراع المبكر باتخاذ موقف محدد،

فقد أعدت وزارة الخارجية الألمانية دراسة داخلية، تتضمن إستراتيجية للشراكة الحذرة مع «الإسلاميين»وهى حصيلة جهود للعمل المشترك مع الإخوان المسلمين، هدفها إعداد الاتحاد الأوربى من جانب والرأى العام من جانب آخر لاحتمال فوزالإخوان فى انتخابات برلمانية قادمة فى مصر، والتى كان ينتظر أن تبدأ فى نوفمبر 2012، واعترفت الدراسة ان العلاقة بدأت مع الجماعة منذ وصول أول مجموعة إخوانية إلى ألمانيا فى خمسينات القرن الماضى، وكانت أجهزة المخابرات الألمانية هى المختصة أساساً بالتعامل مع الإخوان. ونتيجة لما حدث عام 2011، شعرت ألمانيا أنها ستلعب دوراً رئيسياً فى الدول التى توقعت أن تحدث بها تحولات داخلية، خاصة تونس ومصر. وهو ما يتطلب صياغة سياسة جديدة تماماً، تجاه فرق الإسلام السياسى. وبالتالى قبلت ألمانيا الدور السياسى للإخوان المسلمين، الذين بدأوا يلعبونه، أو يوشكوا على أن يلعبوه، . واتخذ الإخوان من مسجد ميوينج، الذى سيطروا على إدارته، مركزاً لنشاطهم الذى ترجع أهميته إلى الفترة من 1984 – 1987، وتختتم الدراسة معلوماتها بأن تعامل الحكومة الألمانية مع الإخوان فى شمال أفريقيا والشرق الأوسط، سيرتبط بأن يكونوا فى مركز قوة فى بعض دول المنطقة لا يمكن تجاهله، وبناء على شرط وحيد، هو ألا يكونوا معادين لإسرائيل.

المستفيد الرئيسى

وطوال التسعينات وبدايات الألفية الثالثة، جرت مشاركات من وراء الستار بين الإخوان وحكومات فى الغرب، من خلال طرف ثالث، مثل مؤسسات عامة ومراكز بحوث سياسية. لكن أحداث الربيع العربى، وما لحق بها من خداع فى الغرب، من أن الحركات الإسلامية ستلعب دوراً مؤثراً فى إعادة تشكيل الشرق الأوسط فى المستقبل القريب، قد دفعت صناع القرار السياسى فى مختلف الدول الغربية إلى تغيير سياساتهم تبعاً لذلك.

وحاول خمسة من الكتاب الأوربيين المتخصصين فى علاقة السياسة الخارجية لدولهم بالقوى السياسية فى الشرق الأوسط، تقصى ما جرى فى أحداث الربيع العربى، وسبراغوار العلاقة بين الغرب والإخوان.

واشتركوا معاً فى كتاب عنوانه: «الغرب والإخوان المسلمين بعد الربيع العربى» وقد وصلوا الى نتيجة مهمة : إن الحركات التى ترفع الشعارات الإسلامية، فى عدد من الدول العربية، تتأهب لكى تجعل من نفسها المستفيد الرئيسى من الربيع العربى. وظهر ذلك بصعود حزب النهضة فى تونس وحصوله على 41% من الأصوات فى أول انتخابات برلمانية بعد الثورة. وبعدها أعلنت السلطات فى مصر أن حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية للإخوان قد فاز بالأغلبية المطلقة فى الانتخابات النيابية. وأن السلفيين حصلوا على نسبة 25% من الأصوات، وهو ما يمكنهما من السيطرة على البرلمان. وفى يونيو 2012 وأصبح محمد مرسى مرشح الإخوان رئيساً لمصر.

ومع تطور الأحداث، بعد وصول الإسلاميين إلى الحكم، بدأت الدول الكبرى المؤثرة فى المنطقة، وهى الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، تدرك أنها لا تستطيع السيطرة على تطور الأحداث فى العالم العربى. واضطرت لانتهاج موقف الانتظار لترى ما الذى سيحدث. Sit And Wait، حين أدركت أنها بلا قدرة فعلية للتحكم فى مسار الأحداث، وبعد أن وعت الخديعة وأنها أخطأت فى تجاهلها للاعتبارات الداخلية بالغة القوة، التى تقود العملية السياسية.

ونفس موضوع العلاقة بين الغرب والإخوان، كان على رأس اهتمامات البروفسور لورنزو فيندو عضو مركز الدراسات الأمنية فى زيوريخ. والذى صدر له فى عام 2013 كتابان أحدهما بعنوان «الإخوان المسلمون الجدد فى الغرب»، والثانى «الإخوان المسلمون فى أمريكا».

قال: أكثر ما أثار دهشة المراقبين أن قوى الإسلام السياسى لم تلعب سوى دوراً هامشياً، هذا إذا كان لها أى دور على الإطلاق، فى التظاهرات ضد نظام مبارك، وكان غيابهم واضحا. وبينما خرجت الجماهير إلى الشوارع تهتف بمطالب اجتماعية، مثل حق الحرية والكرامة، والسكن، والتوظيف، وتنتقد الفساد، ونقص الكفاءة فى الحكم، معبرة عن التيار الغالب. فإن قوى الإسلام السياسى كانت تطلق شعارات تخالف التيار الرئيسى الذى قاد التظاهرات.

إخوان لندن مخبرون وعملاء

المفكر البريطانى مارك كيرتس، كشف تفاصيل مثيرة فى كتاب عنوانه: «مدخل إلى العلاقة السرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالى» صدر فى عام 2012، بمعلومات قاطعة وموثقة، عن الدور الذى يقوم به التنظيم الدولى للإخوان فى لندن، وتحت أعين أجهزة الأمن البريطانية.حصل كيرتس – الذى صدرت له مؤلفات عديدة عن السياسة الخارجية لبريطانيا – على معلوماته التى أوردها كتابه، من الملفات الرسمية للأرشيف الوطنى البريطانى بعد رفع الحظر عن سريتها. وهذه الأوراق، تشرح الجوانب الخفية فى علاقة الإخوان فى لندن، بأجهزة الأمن البريطانية، والدور الذى يلعبونه لحسابها.. وكان مما احتوته ملفات الأرشيف الوطنى البريطانى :

إن إسهام بريطانيا فى صعود التهديد الإرهابى، يتجاوز ما هو معروف عن تأثير الحرب فى أفغانستان والعراق، فى صعوده. فالحكومات فى لندن – محافظة أو عمالية – فى انتهاجها سياسة مـا يعرف بالمصالح الوطنيـة فى الخـارج قد تواطأت سراً مع قوى الإسلام الراديكالية، بما فيها منظمات إرهابية، وأقنعتها بالعمل معاً جنباً إلى جنب، ووفرت لها التمويل والتدريب، لخدمة أهداف بريطانية محددة. وقد تعاونت بريطانيا بصورة منتظمة مع الولايات المتحدة ذات التاريخ فى التواطؤ مع هذه التنظيمات.

وكشفت المعلومات عن العلاقة بين أجهزة الأمن البريطانية وجماعات إسلامية فى لندن، بعض أفرادها يعملون عملاء أو مخبرين، قد تسربت هذه المعلومات إلى أجهزة الإعلام البريطانية بعد العمليات الإرهابية فى لندن عام 2005، وتبين أن منهم متورطون فى أعمال إرهابية خارج بريطانيا، وبعضهم يتمتع بحماية الأمن البريطاني، بينما تطالب بلادهم بتسليمهم.

والخلاصة التى تضعها أمامنا هذه المعلومات، أن ازدواجية التواطؤ مع هذه الجماعات، ففى الوقت الذى تنص فيه إستراتيجية الأمن القومى الجديدة، على وصف الإرهاب بأكبر تهد يد للبلاد، يفسر التناقض الذى ظهر واضحاً فى مواقف حكومات الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة، من إدانة لفظية للإرهاب بشكل عام ـ وتخص تنظيم داعش بالإسم ـ ثم غض الطرف عن ممارسات الإخوان الإرهابية، وأنصارهم من تنظيم القاعدة وأنصاربيت المقدس فى مصر، دون أن يصدر منها نداء للإخوان، لوقف أعمال العنف والإرهاب فى شوارع مصرضد مواطنين آمنين. فالسياسة الخارجية لهذه البلاد ـ مثل جماعة الإخوان الإرهابية ـ لها وجهان ، الوجه الرسمى الذى تتعامل به دولياً، والوجه الآخر المسمى بالباب الخلفى للسياسة الخارجية، والذى يباح فيه أى شئ، خدمة لمصالح هذه التنظيم أو هذه الدول، حتى ولو تعارضت مع مصالح شعوب المنطقة واستقرارها ومستقبله.

وكان السؤال: هل تتجه بريطانيا ـ بعد أمريكا ـ لاتخاذ موقف من الإخوان بناء على معلومات تثبت أنهم جماعة إرهابية، أم أنها لجأت إلى هذا التصرف ـ المتعدد الوجوه ـ لتخفيف الضغط عليها من جانب السعودية والإمارات، حرصاً على مصالحها الاقتصادية معهما؟ .. وهل ستتفادى الحكومة البريطانية اتخاذ أى جزاء ضد التنظيم الدولى والنشاط الإخوانى، حتى وإن ثبت اشتراكهم فى أعمال إرهابية فى مصر أو غيرها؟. على أساس أن القانون البريطانى لا يجرم الأفعال الإرهابية، التى تقع خارج بريطانيا.

فى أمريكا تناقضات مخجلة

من أهم الدراسات التى تناولت أسباب التلاقى بين أمريكا والإخوان فى التخطيط التآمرى لإجهاض الثورة فى مصر ، كتاب «القوة الخطرة» من تأليف نعوم شومسكى، وجيلبرت أشقر. الأول أستاذ أمريكى صاحب كتاب «الدول الفاشلة» أما الثانى فهو فرنسى من أصل لبنانى، ومن مؤلفاته «صراع البرابرة وحرب الـ33 يوماً».

المؤلفان يكشفان تناقضات السياسة الخارجية الأمريكية فى تناولهما نموذجين محددين. أولهما قضية الإرهاب.إذ يرى شومسكى إن الولايات المتحدة، تعتبر دولة داعمة للإرهاب. لكن هذا الرأى لا تتقبله أى إدارة أمريكية، رغم أن معيار الإرهاب عندهم هو «ما الذى يفعله الإرهابيون بنا، واستبعاد ما الذى نفعله نحن بهم» فما نفعله نحن هو تدخل إنسانى، حتى ولو تم عن طريق برميل البارود، مثلما فعلنا فى العراق، وأفغانستان، وفى مشاركتنا مع إسرائيل تصرفاتها فى فلسطين.

والنموذج الثانى يطرح فكره تغيير الأنظمة فى المنطقة، وفقاً للمصالح الإستراتيجية الأمريكية. وهو التغيير الذى إنطلق فى عام 2011 وكان قد بدأ فى عام 1991. ففى ذلك العام، وما جرى عبر فترة التسعينات، وخاصة بعد مارس 2003، وهو يوم غزو العراق، نفذت الولايات المتحدة حملة الأرض المحروقة لتدمير المجتمع العراقى،

ـ فى يونيو 2009، أقدم أوباما على تصرف لم يسبقه إليه أى رئيس أمريكى، حين طلب من الرئيس مبارك دعوة أعضاء من الإخوان، لحضور خطابه بجامعة القاهرة، والذى أعلن فيه أن أمريكا تحترم حق أصحاب الأصوات السلمية والملتزمة بالقانون فى العالم فى الاستماع إليهم حتى ولو كنا نختلف معهم.!

ونبه الصحفى الأمريكى ديفيد إجناتيوس فى تعليقه بصحيفة واشنطن بوست إلى أن هذه العبارات تمت صياغتها، للإشارة إلى الإخوان بالتحديد.

الحرية والعدالة فكرة امريكية

ـ وبينما كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد بدأ فى – وضع جدول زمنى للانتخابات، فإن الولايات المتحدة، تراجعت إلى خلفية المشهد، وواصلت التعامل مباشرة مع الإخوان، من أجل إيجاد مبادرات لقيام منظمات مجتمع مدنى، بالدعوة لتأسيس أحزاب سياسية، وللتأهيل السياسى لها، بحيث يكون من بينها حزب الحرية والعدالة. ودائما كانت إسرائيل الضلع الثالث فى العلاقة الخفية فى الشرق الأوسط، والتى جمعت أجهزة المخابرات الأمريكية، والوكلاء من الجماعات الكارهة للوطن ومعناه. وتوضيحاً لهذه الحلقة الثلاثية، كتب دكتور كريستوفر ليهمان المتخصص فى تحليل ومتابعة التطورات الجيوبوليتيكية فى الشرق الأوسط دراسة بعنوان «الانقلابات فيما بعد الحداثة» يصف فيها ما أعتبره أجندة “صهيونية – حلف أطلنطيه” لتغيير النظام فى دول المنطقة، يشير فيها إلى عمليات سرية تجمع الطرفين، للقيام بتدخل عسكرى معلن، وباستخدام تكتيكات القوة الناعمة, وتقول الدراسة: إن شبكة من مراكز البحوث ممولة من الخارج وقفت وراء خطة زعزعة استقرار دول ذات سيادة.

ـ وليس سراً أن الهدف النهائى من سياسة تغيير الأنظمة فى الشرق الأوسط، هو استبدال الحكومة القائمة بنظام عميل Client. وهو ما حدث عندما رحل ثلاثة رؤساء من أصدقاء الولايات المتحدة فى مصر، وتونس، واليمن. فكان أن استبدلتهم بثلاثة رؤساء آخرين جدد تعاملوا مع الولايات المتحدة وحلفائها، بالصورة التى تحقق أهدافها من تغيير النظام كما ساندوها فى الإطاحة بنظام حكم القذافى. وكان الهدف غير المعلن للولايات المتحدة من خطط «تغيير النظام»، تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير.

علاقة تفضيلية

ـ وراء كواليس العلاقة بين الولايات المتحدة وتنظيم الإخوان، جرت ممارسات غير معلنة، يشوبها تحيز استثنائى فى معاملة الإخوان، لم يحظ به الأمريكيون أنفسهم. أحد نماذجه العديدة ما كشفته وثائق حكومية تسربت إلى وسائل الإعلام فى يناير 2014 عن صدور تعليمات رسمية من وزارة الخارجية بإعفاء أعضاء تنظيم الإخوان، من إجراءات الكشف الأمنى بمطار كيندى الدولى فى نيويورك، ومعاملتهم باعتبارهم من كبار الشخصيات، رغم ثورة الشعب المصرى ضدهم ، وهوما يفسر الاستقبال الحار الذى قوبل به الوفد الأخوانى الذى زار أمريكا 26 يناير الماضى فى أعقاب العملية الارهابية فى العريش والتى اعترف بها تنظيم بيت المقدس المتحالف مع الجماعة الارهابية، وادعاء المتحدثة الأمريكية أن الاستقبال تم بصفتهم أعضاء فى حزب الحرية والعدالة وهى تعلم أن هذا الحزب تم حله بحكم القضاء المصرى بصفته الذراع السياسى للتنظيم الإرهابى فى مصر، ثم التصريح المتأخر الذى صدر الجمعة الماضى عن الخارجية الأمريكية الذى أدان فيه بيان جماعة الإخوان الذى حرض على تفجيرات العريش قبل وقوعها بيومين) ـ وفى دراسة للباحث الأمريكى دريل مكين عنوانها «صعود وسقوط الإخوان المسلمون» ، لخص أحد المتظاهرين فى ثورة 30 يونيو تجربة الإخوان فى الحكم قائلا: «لقد كنا تحت احتلال من جانب الإخوان، أسوأ من الاحتلال البريطانى». ووهو نفس المعنى والانقسام الذى أكدته صحيفة واشنطن بوست فى 9 أكتوبر 2013 علقت على الأغنية التى انتشرت فى مصر، للفنان على الحجار وتقول كلماتها «نحن شعب وأنتم شعب»: بأن الإخوان هم الذين فرضوا هذا المعنى، والسبب أن كل أفكارهم كانت تعبر عن تنظيم، وليس عن وطن

………….

بعد هذه الجولة ملفات وكتب ووثائق كتاب “اختطاف الثورة” التى حاولت إيجازها تاركا التفاصيل المثيرة الأخرى التى تهم الباحثين عن الحقيقة لقارئ الكتاب الذى يصدر من مركز الأهرام للنشر سألت المؤلف والباحث وخبير العلاقات الأمريكية الأستاذ عاطف الغمرى، ما سبق أن سأله المواطن الأمريكى «أيمن» الذى تجرى فى عروقه الدماء المصرية: هل المسؤلين عن صناعة القرار السياسى يعرفون هذه الحقائق؟

أجابنى المؤلف بحوار له مع روبرت بللتراو مساعد وزير الخارجية الأمريكى منذ سنوات طويلة: أن المسؤلين فى الدول العربية عندما يتفاوضون مع حكومة واشنطن يمشون فى الطريق الخطأ، حين يتصورون أن الرئيس عندهم ـ مثل الرئيس عندناـ بيده كل السلطة، والحقيقة أن الرئيس الأمريكى مجرد واحد من سبع جهات يجب النفاذ اليها فى «بلد الضغوط».. وهى الكونجرس ومراكز البحوث وقوى الضغط اليهودية وجماعات المصالح والإعلام والرأى العام، وأضاف عاطف الغمرى: أن لدى اطمئنان شامل بأن صناع القرار على علم بذلك خاصة فى وجود الدكتورة فايزه أبو النجا، مستشارة الرئيس للأمن القومى خبيرة العلاقات الخارجية ومساعد الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق الدكتور بطرس بطرس غالى لسنوات وذلك لخبرتهما الكبيرة بمحددات الأمن القومى المصرى،وأثق فى قدرتها على تشكيل مجلس العلاقات الخارجية الذى أمر به الرئيس بالمواصفات العلمية والدولية،ليكون قادرا على صياغة استراتيجية أمن قومى تعكس مصالح الدولة الوطنية الجديدة وتكسب احترام كل دول العالم.

عرض وتحليل : أنور عبد اللطيف

شاهد أيضاً

عشرات القتلى في هجومين انتحاريين على مسجدين بأفغانستان

كابول – أ.ف.ب – قتل العشرات في هجومين انتحاريين استهدفا مسجدين في افغانستان أمس. وفي …

اترك رد

Translate »