فلسطين والانضمام لمحكمة الجنايات الدولية كتب د. حسن أيوب

اذا علمنا بأن عضوية فلسطين في محكمة الجنايات الدولية ستدخل حيز النفاذ في الأول من نيسان المقبل، فما الذي دفع بالمدعي العام لهذه المحكمة أن يستبق هذا الموعد بالإعلان عن نية المحكمة البدء بتحقيق أولي للحالة في فلسطين عقب توقيع الأخيرة على ميثاق روما. جاء في هذا الإعلان أنه بموجب المادة 13(2) من نظام روما تقبل فلسطين بولاية المحكمة الزمنية على الانتهاكات التي ارتكبت على إقليم فلسطين منذ 13 حزيران 2014 وتقع ضمن نطاق الاختصاص الموضوعي للمحكمة (أي بعد ثلاثة أيام من بدء عدوان إسرائيل المسمى «الجرف الصامد» على قطاع غزة).

بالعودة إلى الوراء علينا أن نستذكر موقف الولايات المتحدة الأمريكية من الاحتمالية المماثلة التي برزت عقب تقدم وزير العدل الفلسطيني بطلب للمحكمة في أوج العدوان الاسرائيلي الأخير على قطاع غزة في حزيران الماضي. هذا الطلب الفلسطيني ما لبث أن أوقف بأمر مباشر من الرئيس الفلسطيني محمود عباس لوزير خارجيته رياض المالكي الذي توجه إلى محكمة الجنايات الدولية وقام بسحب الطلب، حسب العديد من المصادر الإعلامية والحقوقية. أظهر هذا الموقف مقدار التردد الذي يعتري السياسة الفلسطينية تجاه الانضمام إلى ميثاق روما ومحكمة الجنايات الدولية.

من الواضح بأن الرئيس عباس كان لا يزال يراهن على تدخل أمريكي فعال بعد انتهاء العدوان على غزة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني من بوابة جكومة التوافق، وعملية إعادة إعمار غزة اللتين ستضمنان عودة ولو جزئية للسلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، وهو ما كان سيفتح الباب أمام إدخال متغيرات جديدة تحسن من شروطه التفاوضية وتمنحه مزيدا من القوة. لعب التهديد الأمريكي للسلطة الفلسطينية وتحديدا من قبل الكونغرس بقطع المساعدات الأمريكية دورا حاسما في هذا المجال.

فالولايات المتحدة الأمريكية انكفأت أمام التعنت الاسرائيلي المتحالف مع الكونغرس، وحكومة التوافق لا زالت تعاني الشلل، وعملية إعادة الإعمار تتقدم بخطى السلحفاة. ما الذي تغير ليقوم الرئيس عباس بتوقيع وثيقة الانضمام إلى ميثاق روما؟ ولماذا يستبق المدعي العام للمحكمة استكمال المدة القانونية لتصبح فلسطين عضوا في المحكمة؟

يبدو أن الرئيس عباس، قد وصل إلى استنتاج متأخر بأن الرهان على تدخل الولايات المتحدة لإجراء مفاوضات ذات معنى هو رهان خاسر. هذا هو الاستنتاج الذي وصله الشارع الفلسطيني وعديد القوى السياسية الفلسطينية منذ زمن. سحب الطلب الفلسطيني من المحكمة -شأنه شأن سحب تقرير القاضي غولدستون في العام 2009- لصالح الرهان على الدور الأمريكي كان له مردود معاكس. فبالرغم من تحميل الولايات المتحدة مسؤولية فشل مساعي جون كيري بشكل رئيسي للحكومة الاسرائيلية، ورغم الحديث الأمريكي عن إمكانية عدم قدرتها على التغطية على إسرائيل في مجلس الأمن الدولي، وبخاصة بعد العدوان على غزة، وجد الرئيس عباس نفسه أمام فيتو أمريكي كان له وقع الصاعقة السياسية على مشروع إنهاء الاحتلال الذي طرح على مجلس الأمن الدولي في اليوم الأخير من العام 2014.

ربما أحس الرئيس الفلسطيني بالخديعة، فقبل أيام قليلة من هذا الفيتو أعلنت الولايات المتحدة مرارا بأنها لم تقرر بعد إن كانت ستلجأ للفيتو. ومما زاد من إحساس الفلسطينيين بالغبن وتعمد إذلالهم سياسيا هو أن امريكا استخدمت الفيتو رغم أن مشروع القرار لم يحصل على الأصوات التسعة التي تضمن نجاحه. الرسالة الأمريكية جاءت شديدة الوضوح والصلف بحيث أقدم الرئيس على خطوته على الفور.

بطبيعة الحال ثمة عوامل متراكمة لقرار الرئيس عباس. فهناك ضغوط داخل منظمة التحرير، وفي حركة فتح، ناهيك عن الانقسام الداخلي، وفوق كل ذلك الانسداد المطبق لمسار التفاوض. منظمة التحرير في أدنى مستويات قدرتها على اتخاذ القرارات، وسياسات إسرائيل لم تبق لحل الدولتين أي حيز ذي مغزى، والشرق الأوسط يبدو أنه في حالة من الانهيار الذي يعمق من تهميش القضة الفلسطينية. هذه العوامل تعمقت تأثيراتها إثر العدوان الأخير على قطاع غزة، ولم يعد بوسع الرئيس عبلس تأجيل اتخاذ تحرك يعطيه مساحة ولو محدودة للمناورة. الفيتو الأمريكي كان الشعرة التي قصمت ظهر البعير، ووضعت الرئيس أمام الحائط.

فعندما تحدث الرئيس في وقت سابق عن الخيارات المفتوحة، كان يعي بأن هذه الخيارات محدودة جدا. فإذا كان خيار المواجهة المباشرة (الانتفاضة) ليست مطروحة، والمفاوضات لا تفضي إلى أية نتيجة، والمقاومة الشعبية/المدنية السلمية لا تبدو خيارا فعالا، فما الذي يمكن أن يغير من معادلة العلاقة مع إسرائيل وربما مع الولايات المتحدة؟ التوجه للساحة الدولية والدبلوماسية وتحريك مفاعيلها، بما في ذلك الانضمام لمحكمة الجنايات الدولية.

والحال هذه، لا يبدو بأن الخطوة الفلسطينية هي خيار استراتيجي، بقدر ما هي عملية احتجاج صارخ لنقل رسالة قوية للولايات المتحدة وإسرائيل بأن على الجهتين البدء بإظهار الجدية والالتزام بعملية تفاوض ذات مغزى. وربما يريد التأثير على نتائج الانتخابات الاسرائيلية المقبلة. إذ إن دخول فلسطين رسميا للمحكمة لن يتم قبل انتهاء الانتخابات، الأمر الذي يمنح الرئيس عباس مساحة زمنية مريحة نسبيا لمحاولة دفع الولايات المتحدة لتبني توجه دبلوماسي أكثر جدية، أو تقديم مبادرة سلام جديدة تعفي كل الأطراف من مواجهة مكلفة لهم جميعا (هذا يشمل احتمال انهيار السلطة الفلسطينية)، وقد تجد مثل هذه الخطوة الأمريكية حكومة جديدة في إسرائيل مغايرة لحكومة نتنياهو.

ربما تكمن الإجابة عن سؤال تحرك المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية في عنصر الزمن تحديدا، وهو المهلة الزمنية حتى الأول من نيسان القادم. على افتراض أن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك بأن التحرك الفلسطيني باتجاه الجنايات الدولية هو خطوة تحريكية وليست استراتيجية فإن المطلوب هو شراء الزمن لكل الأطراف، والمراهنة على تغيير ما في السياسة الاسرائيلية بعد الانتخابات مطلع آذار المقبل. إن تصريحات الرئيس الأمريكي أوباما وبعض أركان إدارته بأن فلسطين ليست دولة مستقلة ولذلك لا يمكنها أن تتقدم بشكاوى للمحكمة الجنائية الدولية، ربما كانت الأرضية التي استندت اليها المدعية العامة من زاوية سياسية وليست قانونية لاستباق تقدم دولة فلسطين بملف دعوى رسمي. إن لاعتبارات الولايات المتحدة السياسية الدور الأكبر هنا. فعلاقة هذا البلد بالمحكمة شهدت الكثير من التجاذب والشد منذ إنشاء المحكمة.

من المعروف بأن هناك حالة من العداء في الكونغرس الأمريكي تجاه اختصاص المحكمة، وقد تعزز هذا العداء بفعل سيطرة الجمهوريين (بمن فيهم المحافظون) على الكونغرس بمجلسيه (الشيوخ والنواب) منذ شهر تشرين ثاني الماضي. لقد أقدم الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن على سحب توقيع الرئيس الأسبق بيل كلينتون على ميثاق روما، بالرغم من أن بوش لم يسقط المحكمة من حسابات أمريكا الدبلوماسية. مع ذلك فإن للجمهوريين والمحافظين موقفا شديد التشكيك. ينظر هؤلاء إلى المحكمة بعين الريبة خشية أن تصل سلطتها إلى الولايات المتحدة أو أي من حلفائها المتورطين في ممارسات يمكن أن تعتبر جرائم حرب.

تعززت هذه النزعة بفعل إعلان المحكمة الشهر الماضي عن البدء بمهمة استكشافية لفحص احتمالية تورط القوات الأمريكية بجرائم حرب في أفغانستان. في هذه الأثناء تشن إسرائيل حملة دبلوماسية تهدف لإقناع كندا وألمانيا واستراليا -ناهيك عن الكونغرس الأمريكي- لوقف دعمها المالي للمحكمة بدعوى أن هذه الحكمة هي محكمة سياسية، وليست نزيهة، في تناغم فريد بين موقف الطرفين من المحكمة.

إن التحرك الفلسطيني سيقود إلى تصليب مواقف هذه الجهات مقابل الأطراف الأمريكية التي ترى في وجود المحكمة أحد أهم ألأدوات الدبلوماسية والقانونية في خدمة سياساتها في العديد من المناطق حول العالم مثل جمهورية إفريقيا الوسطى، السودان، دارفور، والكونغو. بهذا المعنى فإن الخطوة الفلسطينية وضعت الإدارة الأمريكية في موقف حرج: هل ستقف هذه الإدارة إلى جانب حليفتها إسرائيل وتتحدى شرعية المحكمة، وهو ما سيمس بسمعة ومصالح أمريكا، أم ستبقي الإدارة على دعمها للمحكمة بغض النظر عن حساسية إسرائيل المفرطة تجاه «الجنائية الدولية»، وهو ما سيضع الإدارة بمواجهة كونغرس يلعب فيه حلفاء إسرائيل دورا مقررا؟

الخياران أحلاهما مر، خاصة في ظل ضغط حلفاء إسرائيل لمنع المساعدات عن السلطة الفلسطينية، وهذه المرة بطلب من إسرائيل (بعكس سياسات إسرائيل السابقة)، وعدم تحرك الولايات المتحدة لثني إسرائيل عن حجز أموال الفلسطينيين، كعقاب على خطوتهم.

إن المحصلة النهائية لهذه التعقيدات هي إحالة المحكمة إلى رهينة للاعتبارات السياسية مما سيقوضها كجهة ذات مصداقية. أغلب الظن بأن المدعية العامة للمحكمة لا تريد أن تضيف إلى إخفاقات هذه المحكمة إخفاقا جديدا. فقد

تم إجبار المحكمة على إسقاط تهم خطيرة تم توجيهها للرئيس الكيني أوهورو كينياتا في العام 2007، كما أوقفت ملاحقة الرئيس السوداني حسن البشير بتهم الإبادة الجماعية. فإذا تحكمت الحسابات السياسية مرة أخرى، وأًجبِرت المحكمة على الامتناع عن قبول الشكوى الفلسطينية، فما الحل؟

يوفر قرار المدعية العامة للمحكمة أساسا يمنح الولايات المتحدة والفلسطينيين، والاسرائيليين مساحة زمنية رغم ضيقها لتجنيب المحكمة هذا الوضع الخطير على المستويات الحقوقية والأخلاقية. الخطوة أيضا ربما تجنب المحكمة اتخاذ قرارات بقبول دعاوى من الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، وتنأى بالمحكمة عن الصراعات السياسية الأمريكية الداخلية التي ربما تكلف المحكمة مصداقيتها، إلى جانب تمويلها.

بهذا المعنى، فإن علينا ألا نتعجل في التفاؤل من هذه الخطوة التي قد تقطع الطريق على الدعوى الرسمية الفلسطينية المنتظرة بعد الأول من نيسان القادم. فقد تنتهي – مثلما انتهت مهمة فحص المحكمة للحالة الأمريكية في أفغانستان التي أشرنا إليها أعلاه – إلى الاستنتاج بأنه “لا يوجد أساس كاف يوفر أرضية معقولة لتوجيه تهم بارتكاب عمليات قتل ضد المدنيين”.

شاهد أيضاً

معارضة خرم الابرة

بقلم: محمد اللحام “خرم الابرة” هو مثل يضرب على ضيق الافق والنظرة المحدودة والضيقة التي …

اترك رد