محمود درويش والشباب المستدام كتب أحمد دحبور

لو كان لا يزال بيننا الى اليوم، لصار شيخا في الرابعة والسبعين لكن هذا الشاب الاخضر بوهجه الاستثنائي المتصل، آثر ان يفارقنا قبل بلوغه السبعين بثلاث سنوات، ولعلي سمعته، كما سمعه كثيرون غيري – يتمنى ان يظل في ذاكرة اصدقائه ومحبيه شابا يافعا، واذا كان للعمر والقدر اسرارهما التي لا يحاط بها فان عمر هذا الشاعر ظل عالقا بشجرة الشباب الى يومنا هذا وحتى يقوم الاشهاد.
ومن المفارق اننا لو جمعنا سنواته الحقيقية الى سنواته المتخيلة، كما يرويها الاصدقاء والمعارف والادعياء على حد سواء، لاعطيناه عمرا عابرا للزمن، ولكن جل الخالق الباقي.. اما هو، شاعر فلسطين الخالد فقد اكتفى من العمر ببضع وستين سنة..
في البداية، كانت تفصلنا عنه جغرافيا القهر والمنفى، فقد كنا اشتاتا في بلاد الله القريبة والبعيدة، حيث كان مقيما في حيفا، وكان شعره العابر للزمان والمكان يتسلل الينا حيث كنا حتى اذا فاجأ العالم بخطوته الجريئة ووصل الينا فوجئنا بحضوره الساطع ومزاجه الناري الذي كان يضيق بما يعتبره مبالغة في الحفاوة وهو ما يفسر انفجاره اللامفهوم في وجه بعضنا – كما فعل معي ذات مرة – وكان علينا ان نقبله بشروطه الصارمة، اذ لم يكن لنا يوما ولن يكون في تاريخنا الا محمود درويش واحد، وهو اكثر من رمز ثقافي شاسع، اذ سرعان ما دخل كيمياء الوجدان، حتى اصبح من معالمنا الوطنية ولن انسى حتى آخر يوم، ذلك المشهد عندما اجتمعنا الى الرئيس حافظ الاسد عام 1973، حيث ابدى الرئيس كل ترحيب واحترام بسيد القول الفلسطيني، فيما كان هذا يتململ ويستعجل الذهاب كأنه علىموعد شخصي خاص، ذلكم هو درة مشهدنا الثقافي محمود سليم حسين درويش..
وان انسى لا انسى يوم سألتني امي – وهي الامية التي لا تفك الخط – عن موعد زيارة محمود الى بيتنا في المخيم، وقد تحرجت ان ابلغه بذلك يوم جاء، فتبرعت هي بذلك مضيفة الى كلامها سؤالا عن حيفا، وهل كان حقا هناك؟ وهل وهل.. فأخذ – رحمهما الله معا – يحدثها عن وادي النسناس، ويسهب في التفاصيل الجغرافية، وكانت بلا حرج، تستزيده وتهيج ذكرياته وكان يجود بالتفاصيل فقد كان يعرف مني اننا من هناك، وقد اطنب في وصف الوادي، شهد الله، حتى تخضب زجاج نظارته بالدموع، فيما كسرت امي حاجز الحياء وهجمت عليه تعانقه مرددة: اهلا بحيفا ورائحة حيفا.. وقد ظل يذكرني بتلك الحادثة الميلودرامية لمناسبات كثيرة.
وما لا يعرفه كثيرون عن هذا الشاعر المطبوع، ان شراسته في ردود الفعل، ليست الا قناعا شفافا لرقته اللامتناهية، وكم من مرة اخرج منديله الانيق ليمسح دموعا كانت تغلبه في بعض المواقف وكأنه ليس ذلك الرجل المتنمر الذي كان «يفتك» بالغلظاء والمتطفلين على شؤونه الشخصية، ومع ان البروة هي مسقط رأسه، الا ان حيفا كانت منطقة حنينه وشجنه.. ولعلي تماديت في احدى المرات فتطرفت في الذهاب الى خصوصياته الحميمة، فقد كنا يومها في القاهرة وكان علىموعد حميم غير عادي مع امه وبعض اهله القادمين من فلسطين، وكانت ابسط تقاليد الذوق، تأمرني بالانسحاب حتى يتاح له التمتع بذلك «اللقاء التاريخي» وقد فعلت مغالبا فضولي بالتعرف على خالتي ام احمد التي لم اكن قد رأيتها بعد..
بعد نحو شهر سأحظى بجلسة حميمة نادرة مع شاعر فلسطين الاكبر، وسوف ارى بعيني – شهد الله – دموعه تغلبه حتى تنتهي الى نشيج جهوري، وكان مما اسرّه لي يومها ان امه طلبت من اخته سهام ان تمضي الى بعض شأنها، فأدهشه ذلك، لأن الفتاة لم تكن تعرف احدا في القاهرة، فإلى اي شأن تمضي؟ لكن الام الذكية سارعت الى احتضان ابنها قائلة:
يا حبيبي، اختك حامل وبطنها الى حلقها، وانا اريد ان اضمك الى قلبي واخشى عليها وعلى جنينها من التأثر، وعندما وصل الى ذلك الحد من الحديث، لم يستطع ان يقاوم فانفجر ببكاء قد لا يصدق حدوثه من يعرفون شخصية محمود المتماسكة..
والآن، بعد هذه السنوات الاليمة من غيابه الاليم، هل يمكن ان نستحضر صورته الا وهو في عز الشباب؟.. لكن حذار، فما كان حتى لاكثرنا قربا منه ان يحزر متى يمد جسور التواصل ومتى ينفجر في وجه محدثه، لم يكن متطيرا او حذرا من سوء الفهم، لكن فراسته النفاذة كانت تهتك اسرار المتربصين او الصيادين في الماء العكر، والى ذلك كان متسامحا قادرا على نسيان الاساءة، ولا يسمح لنفسه بأن يساء فهمه.. اذكر ان التباسا عابرا وقع بينه وبين الكاتب المصري جمال الغيطاني، وبدا من حيث اللحظة السطحية انه المسيء، فظل يعتذر لجمال الذي كان يشمأنط ويزداد نفورا كلما زاده محمود اعتذارا، فقد كان رحمه الله، يعمل بوصية امه رحمها الله: لا تنم وانت ظالم، لان الظالم هو المغلوب..!
ولكنه قبل كل شيء وبعد كل شيء، كان حريصا على صيانة الشاعر فيه، لا بمعنى حراسة الموهبة فقط بل بمحاسبة الذات على كل هفوة، وكان لديه شجاعة الاعتذار لو ظن انه اخطأ.. غير مرة واحدة، صارحني فيها انه اساء لشخص يعزه ويقدره ولم يتمكن من تقديم الاعتذار الواجب..
لقد عاش رحمه الله، نحوا من سبع وستين سنة، اما شبابه الدائم فلا يقاس بالسنوات يشهد على ذلك شعره الكستنائي الذي لم تتسلل اليه الا بعض الخيوط البيضاء، مما زاده ألقاً وشباباً وحيوية.. واذا جاز لي ان اخرج على المألوف فلأعترف لصديقنا زياد عبدالفتاح بأنه كان الاقرب اليه بين الاصدقاء ولعل الغرفة التي كانت مخصصة له في بيت زياد لا تزال تشهد على هذه الحقيقة.
والى ذلك لم يكن قبوله الكريم لدعوة هذا او ذاك من اصدقائه، يعني انه رفع الكلفة تماما مع الآخرين فقد كنت لا تعرف متى ينحني عليك بأسراره واخباره، ومتى يوقفك عند حدك، وقد تجلى اداؤه المحير هذا في العلاقة مع زعيم الشعب الفلسطيني ياسر عرفات، وقد لا يعرف الا المقربون حجم الصداقة النوعية القائمة بين الرجلين، حتى ان شاعرا بذيئا معروفا قد وصفه ذات يوم بشاعر البلاط، مع ان الماء يكذب الغطاس، واعمال محمود الكاملة في كل مكان واتحدى ان يكون فيها اثر من مجاملة او تزلف لابي عمار، ومن جهة ثانية كان قائد الشعب الفلسطيني يشير الى اثنين من المقربين اليه قائلا: دول اولادي، وكان الاثنان هما محمود بطبيعة الحال، والشهيد علي حسن سلامة.
على ان قرب محمود درويش مكانا ومكانة من ياسر عرفات لم يكن يعني انه يأخذ الحياة الفلسطينية باستهانة ومجانية، فقد كان طوال عمله رحمه الله، سواء في مركز الابحاث عندما كان مديره العام، ام في مجلة الكرمل التي اسسها وجعلها المجلة العربية الثقافية الاولى، مثالا للمبدع الجاد المتابع الذي لا يضيع صغيرة او كبيرة.
اذكر اننا كنا معا في براغ وقد سألتنا صحفية تشيكية عن جدارة فلسطين بجمهورية الشعر، ومع ان الجلسة كانت خفيفة قائمة علىالحفاوة والمجاملة، الا ان محمودا عدل نظارته واشار الى الشاب الفلسطيني الذي كان يتولى مهمة الترجمة، ان ينقل كلامه حرفيا، وراح يشرح بدقة وتفصيل طبيعة المشروع الثقافي الفلسطيني ومهامه والدور المنوط به مؤكدا ان هذا المشروع هو امتداد عضوي لفكرة الادب المقاوم في العالم الحديث، لا بالمعنى الخطابي السياسي المباشر بل بما هو سؤال وجودي حضاري لا يكف عن طرح الاسئلة المؤرقة.
وكانت رنا قباني، قرينة محمود درويش في تلك الايام، جالسة معنا فقالت لمحدثتنا التشيكية، وكأنها تكمل حوارا سابقا معها: لهذا السبب احب هذا الرجل، وقد حملت اسمه وقضيته التي هي من اعدل قضايا هذا العصر..
وقد تولى محمود درويش رئاسة مركز الابحاث الفلسطيني، خلفا للمؤسس العلامة الكبير د. انيس صايغ، ونجح بشكل ملحوظ في الابقاء على مستوى المركز الذي بات يحظى بشهرة عالمية، وكان يقول دائما: لا معنى لمن يعمل في وظيفة شاعر، فالشاعر هنا وكان يشير الى موقع القلب منه، فضلا عن ايمانه بالاختلاف والمغايرة، فما من احد يشكل نسخة كربون عن الآخر، بل التعددية هي سمة الحياة والوجود..
على انه في ادائه المتعدد رحمه الله، شاعرا، وصحفيا، وكاتبا وسياسيا، كان محتفظا بتلك الحرارة والدفء الانساني والتفهم، على ما كانت تعتريه من نوبات غضب مفاجئ ونفور من النفاق والكذب..
لقد كان هذا الشاعر الاستثنائي انسانا استثنائيا في ادائه واخلاقه وسلوكه اليومي وهذا ما يفسر شبابه المستدام منذ يوم 13/3/1942 تاريخ ولادته، حتى يوم اغمض عينيه وابيت ان احتفظ بتاريخ غيابه، فمثل هذا المبدع الكبير عصي على الموت الا بمعناه الفيزيائي الذي يظل كأسا دائرة على الناس جميعا..
وما ليس شائعا عن محمود درويش انه من اسرة ادباء فهذا الشاعر الاستثنائي الفريد، هو شقيق احمد درويش الناقد الادبي الرزين، وزكي درويش احد اهم كتاب القصة القصيرة في الداخل وقبل ذلك وبعده يظل ملهما لطوفان الدارسين الذين يستحيل احصاء عددهم وعدد الكتب والدراسات والمراجعات التي اجروها حول نتاجه الكبير.

شاهد أيضاً

«القراب والصالحون» وخلاصنا القادم إن أردنا

بقلم: تحسين يقين العودة، العودة، تحيلنا دوماً إلى الزمن كمعيار ما، أو طلب رضا مرجعية …

اترك رد

Translate »