من يهدم الدولة ؟ كتب مهند عبد الحميد

مشهد أول: «اقتحمت عناصر من ميليشيات طائفية مطار بغداد وخطفت جثمان طارق عزيز وزير الخارجية العراقي السابق، ونقلته الى مكان مجهول تحت سمع وبصر قوى الامن الرسمية». وتم الافراج عن الاجثمان بعد تدخل أعلى المرجعيات الدينية.
مشهد ثاني: أعلنت عشيرة «آل فتلة» أن عشيرة «أبو كلل» تدفع فصلا عشائرياً بمبلغ 100 مليون دينار للحشد الشعبي»، وان مجلس شورى قبيلة آل فتلة يهدر دم عشيرة أبو كلل» ليكون عبرة لغيره من المستهترين الذين يرمون المحصنات المؤمنات»
مشهد ثالث : أنَّ الذين شاركوا في مذبحة «عشيرة البونمر» في نهاية العام الماضي 2014، التي قُتل فيها نحو ثلاثمائة رجل من أبناء هذه العشيرة بطريقة وحشية، لم يكونوا فقط من مقاتلي «داعش»، بل كانوا أيضًا من أبناء عشائر أخرى.
ومشاهد أخرى من سبي النساء ودفع الجزية وقطع الرؤوس، وتدمير معالم المدنية والحضارة، التي تقدمها يوميا وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي والتي تؤكد على انتقال سلطة الدولة الى إمارات إسلامية، ومشيخات، ومرجعيات دينية وطائفية، تعتمد مليشيات مسلحة. الانتقال من الدولة الى العشيرة والطائفة ادى إلى سيادة قيم العصبيات القبيلة والطائفية والمحلية على حساب القيم والاعراف المدنية والقانون والنظام العام، وحلول الولاء للقبيلة والطائفة مكان الولاء للدولة والوطن، وانتصار الهويات الفرعية على الهوية الوطنية.
تحولات نشهدها في العراق وسورية واليمن وليبيا ولبنان بشكل صريح، ونشهدها بمستوى أقل في العديد من البلدان العربية ومنها فلسطين تحت الاحتلال. لماذا حدث الانتقال من الدولة الى القبيلة والطائفة؟انه السؤال المركزي في هذه اللحظة التاريخية. يطيب للبعض تحميل مسؤولية التحول العميق داخل المجتمعات العربية لقوى التدخل الخارجي التي حاكت مؤامرات هدفها تفكيك المجتمعات العربية وتجزئة الدولة الواحدة الى دول بهدف إعادة انتاج الهيمنة والنهب. إجابة فيها شيء من الصحة، فلا يمكن إنكار العامل الخارجي في دعم التحولات الرجعية وفي حفز التفكك. وإذا ما أردنا تعريف تنظيم «داعش» و»القاعدة» و»النصرة» ومن على شاكلتها فيمكن القول : إن هذه التنظيمات هي أداة تفكيك وإعادة السيطرة وتعميق التبعية لدول الهيمنة. وان مليشيات العصبيات الطائفية المسلحة « الحشد الشعبي» و»الحوثيين» و»حزب الله « هي أداة انقسام وإعادة بناء نظام مستبد طائفي لا مكان له خارج علاقات التبعية لدول الهيمنة. العامل الخارجي له دور في دعم الانتقال من الدولة الى ما قبل الدولة وإلى علاقات ما قبل رأسمالية.
غير أن العامل الداخلي كان له قصب السبق في إضعاف الدولة وتحويل وظائفها. كتحويل الدولة الى سلطة مطلقة وحكم مستبد يدمج السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية في سلطة واحدة، تعتمد على أجهزة أمن قمع كلية الصلاحيات. المترافق مع تهميش دور المجتمع المدني بما هو مجتمع مواطنين يضم ( الاحزاب السياسية والنقابات والاتحادات الشعبية والجمعيات المهنية والثقافية ووسائل إعلام وجماعات ضغط ولوبيات وحركات اجتماعية .. الخ . إن كبح السلطة للمجتمع المدني ومنعه من القيام بوظيفته الاساسية وهي حماية افراد المجتمع من تعسف الدولة، ومنعه من الرقابة على الدولة ومؤسساتها وفرض تعديلات على سياساتها، كالفصل بين السلطات وتقديم الخدمات والرعاية الاجتماعية، وصيانة الحريات العامة وممارسة الديمقراطية.
الدولة بما هي بناء سياسي يحتكر استخدام القوة استخداما شرعيا للحفاظ على القانون والنظام والتعايش، ويتدخل في المجالات التربوية والصحية والاقتصادية، وينظم تعاملات الافراد من خلال القوانين. هذه الدولة التي تأسست منذ ما يقارب 80- 100 عام ونجحت جزئيا في أن تكون دولة لكل مواطنيها، وفي دمج مكونات المجتمع في مؤسساتها، بدأت تتحول الى سلطة شمولية متضخمة الاجهزة، وكبحت مؤسسات المجتمع المدني وفرضت سيطرة محكمة عليها، وغيبت الديمقراطية والحريات، واعتمدت سياسة الريع الاقتصادية (الاعتماد على واردات النفط )، أو المساعدات والاقتصاد النيوليبرالي ، كل ذلك أدى الى تحويل المجتمع الى رعية، وإلى شطب العقد الاجتماعي، وشطب الهوية الوطنية واستبدالها بهويات فرعية.
إن المجتمع الذي فقد مؤسساته المدنية على يد سلطة مستبدة، المجتمع الذي أضعفت طبقاته الاجتماعية، وبخاصة الطبقة الوسطى التي تعرضت لقمع او استقطاب افقدها دورها. عاد ليحتمي بالقبيلة والعشيرة والعائلة والطائفة، عاد الى الهويات الفرعية، التي بدأت تتصدر المشهد، وتعيد طرح قيمها وتقاليدها التعصبية وقوانينها البائدة كالقانون العشائري، لتشكل ثقافة المجتمع الجديدة.
السلطة المستبدة تحالفت بدورها مع العشائر والقبائل والطوائف كعنوان بديل للمجتمع المدني ومؤسساته. وبفعل التوجه المزدوج للعشائر والطوائف والقبائل من تحت (ابناء المجتمع)، ومن فوق (السلطة المستبدة) وصل التحول الرجعي الى مداه. وكانت الخسارة مزدوجة، خسارة الدولة من جهة، وخسارة المجتمع المدني من الجهة الاخرى. اصبح الوضع برمته هشا ويفقد تدريجيا ديناميات التطور والخروج من الازمة المتفاقمة في خط صاعد.
جاء التحدي الأكبر ممثلا بثورة الشعوب السلمية التي حاولت تصويب الاختلال الناجم عن ذلك التحول الرجعي الكبير. غير أن السلطة المستبدة أغلقت كل الابواب أمام المطالب المشروعة والعادلة (خبز وحرية وكرامة وعدالة وديمقراطية). بذلت السلطة قصارى جهدها لقمع الشعب ووأد ثورته بلا رحمة. كانت الثورة مدنية عفوية تملك كل عناصر التطور التي استحضرت من انجازات سابقه، أيام تشكل الدولة، أيام الهوية الوطنية الجامعة، أيام معارك الاستقلال الوطني، ايام مجابهة العدوان الاسرائيلي. لم تقدم السلطة المستبدة إلا حلا واحدا هو القمع والمزيد من القمع للطابع المدني والسلمي للثورة.
الثورة الشعبية من جهة والقمع الدموي السلطوي من جهة أخرى، فتح المجال أمام تحول اكثر خطورة، هو دخول الثورة المضادة الممثلة بتنظيمات الارهاب داعش والنصرة والقاعدة وغيرها التي تستند الى قوى رجعية محلية وخارجية وتحظى بدعم دول الهيمنة. صعود قوى الارهاب ما هو إلا نتيجة منطقية لتحول الدولة الى سلطة مستبدة شمولية ولكبح المجتمع المدني، واستبداله بالعشائر والقبائل والطوائف.
السلطة المستبدة، ومنظمات الارهاب، والتدخل الخارجي، ساهموا كلا من موقعه ومصالحه الانانية لهدم الدولة، وتفكيك المجتمعات، توطئة لإعادة السيطرة، بإعادة انتاج نظام مستبد، ضامن لعلاقات التبعية لدول الهيمنة. ويوجد من داخل هذه العملية إتجاه آخر يسعى لبناء نظام مستبد جديد(العراق واليمن) او يقاتل للحفاظ على النظام المستبد القديم (سورية) في إطار علاقات التبعية، وباستخدام ادوات طائفية تعصبية بملامح فاشية. هذا الاتجاه جزء من الازمة وجزء من عملية تحويل الدولة الى سلطة مستبدة.
Mohanned_t@yahoo.com

شاهد أيضاً

من السنوار ” الى ” الغانم

احمد دغلس يحيى السنوار الذي استدار بحركة حماس إستدارة تاريخية ” تصحيحية ” إن تماثلت …

اترك رد

Translate »