35 عاما على استشهاد 3500 فلسطيني ولبناني في صبرا وشاتيلا

يامن نوباني

إلى اليوم لا يعرف أحد عدد شهداء المجزرة، التي استمرت 43 ساعة متواصلة، منذ مساء الخميس 16 أيلول إلى ظهر السبت 18 أيلول 1982، في منطقة صبرا ومخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين قرب العاصمة اللبنانية بيروت، لكن أدق الأرقام هو 3500 شهيد معظمهم فلسطينيون، فيما قُدر وجود مئات اللبنانيين بينهم.

كانوا جميعا آمنين مسالمين، وجدوا أنفسهم يتعرضون لإبادة جماعية بوسائل لا يمكن أن يتخيلها عقل بشري أو يقبلها ضمير. جثث حُملت بالعشرات في الجرافات لتضاف إلى مئات الجثث التي سبقتها في حُفر قديمة وحديثة لتكون مقابر جماعية أكبرها ضمت 800 جثمان على مدخل مخيم شاتيلا، سيصعب على الأهالي وغيرهم الاستدلال على الجثامين وأسماء الشهداء، ليضيع بذلك المئات معظمهم من الفلسطينيين.

بعد اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل ليلة الثلاثاء، الرابع عشر من أيلول، في انفجار هز مقر قيادة الكتائب اللبنانية، دخلت قوات اسرائيلية بيروت الغربية، وحاصرت منطقة صبرا ومخيم شاتيلا، بعد ثلاثة أسابيع على خروج المقاتلين الفلسطينيين تطبيقا لاتفاقية فيليب حبيب، التي أتفق فيها ايضا على وجود حماية دولية وأميركية للمخيمات، لكن تلك القوات الأميركية والايطالية والفرنسية انسحبت قبل المجزرة بأيام تاركة المخيمات لظلام القتلة، لترتكب إحدى أبشع المجازر همجية في القرن العشرين.

غادر المقاتلون إلى منافٍ جديدة متعددة، يرفعون شارات النصر، والرصاص يزغرد في شوارع وسماء بيروت احتراما لقاماتهم، غادروا وهم يرتدون ثياب الميدان، بدلات الكاكي والكوفيات الفلسطينية، ترافقهم آلاف الدموع والأيادي الموضوعة بحسرة على الخد، وكأنها تدرك أن ساعات قليلة ستترجم معنى الدموع والحسرات على الخروج.

الأربعاء، وهو اليوم الذي سبق تنفيذ المجزرة، وفيه تمركزت القوات الاسرائيلية على أطراف ومداخل صبرا وشاتيلا، مع السماح بالدخول والخروج واشاعة جو من الطمأنينة بين السكان، قبل أن يتبدل المشهد الخميس، اليوم الأول للمجزرة، والذي بدأته القوات الاسرائيلية بالقصف المركز على المناطق المحيطة، لإجبار السكان على النزول إلى الملاجئ، التي تبين لاحقا انهم اول من قتلوا.

أحكمت القوات الاسرائيلية صباح الخميس، الحصار على المنطقة ومنعت أهالي صبرا وشاتيلا من الخروج، وفي ساعات الليل بدأت تلك القوات بإلقاء القنابل المضيئة بكثافة واستمرارية، فوق صبرا وشاتيلا، تمهيدا لاقتحامهما من قبل جيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد، وعدد من الميلشيات اللبنانية المتحالفة مع اسرائيل –وكانوا الأكثر عددا-، وأوقفت القصف لوقت قصير لتمكن تلك الميلشيات من الدخول.

تقول بيان نويهض الحوت في كتابها التوثيقي للمجزرة “صبرا وشاتيلا” والذي استمر العمل عليه عشرين عاما (1982-2002): الخميس 16 ايلول 1982، تختلف الشهادات بشأن ساعة البدء بالمجزرة، وهذا أمر طبيعي لأن كل شاهد يروي ما رآه في شارعه أو حيه.

بعض السكان رأى المليشيات المهاجمة وهي تتجمع وتستعد للهجوم، بينما فوجئ بها آخرون داخل بيوتهم، وهكذا تتراوح ساعة الدخول وفقا لعشرات الشهادات، ما بين الساعة الخامسة والسادسة والدقيقة ثلاثين من مساء الخميس، لكنها تتفق كلها أن الساعة الأولى الرهيبة تزامنت مع الغروب.

وتضيف الحوت في صبرا وشاتيلا: لمدة 43 ساعة متواصلة، وتحت ذريعة وجود 1500-2500 مقاتل فلسطيني تخلفوا عن اللحاق بزملائهم المقاتلين على ظهر الباخرات التي نقلتهم إلى مناف جديدة، حاصرت القوات الاسرائيلية بأوامر من ارئيل شارون ورفائيل ايتان، منطقة صبرا وشاتيلا الكبرى والفاكهاني.

وبينت الحوت، أنه في حدود الثالثة من بعد ظهر الخميس 16 أيلول، اجتمع اربعين من وجهاء شاتيلا وقرروا ارسال وفد منهم الى مقر القيادة الاسرائيلية لإبلاغهم ان لا مقاتلين في المخيم والمنطقة بأكملها، وكان الوفد يضم أربعة شخصيات، فقدت آثارها قرب السفارة الكويتية، قبل أن يتم العثور عليها أشلاء مقطعة بعد المجزرة، دون أن يتضح ان كانوا قتلوا بأيدي الاسرائيليين، أم بأيدي المليشيات اللبنانية.

بعد وفد السلام، اتجهت مسيرة نسائية ضمت نحو خمسين امرأة من بينهن أطفال ورجلين فلسطيني ولبناني، من مستشفى عكا الى مستديرة المطار حيث توجد نقطة اسرائيلية، لكن الاسرائيليين طردوهم وطالبوهم بالتوجه الى مستديرة السفارة الكويتية، حيث توجد هناك ايضا نقطة اسرائيلية، وعند وصولهن محيط السفارة فوجئن بوجود العشرات من المسلحين التابعين للمليشيات اللبنانية، الذين اعترضوا طريقهن وحملوهن بشاحنة كبيرة، وبعضهن تمكن من الهرب قبل أن تلحق المليشيات بهن فتقتل وتخطف وتغتصب.

في صباح الجمعة 17 أيلول، بدأت معالم المجزرة تضح لمعظم سكان المنطقة، بعد أن شاهدوا الجثث والجرافات وهي تهدم المنازل فوق رؤوس أصحابها، وتدفنهم أمواتا وأحياء، فبدأت حالات فرار فردية وجماعية توجه معظمها الى مستشفيات عكا وغزة ومأوى العجزة، واستطاع عدد الخروج إلى خارج المنطقة متسللا من حرش ثابت، فيما بقيت عائلات وبيوت لا تعرف ما الذي يجري، وكان مصير بعضها القتل وهي مجتمعة حول مائدة الطعام، ذلك أن القتل كان يتم بصمت وسرعة.

في يوم الجمعة، بدأت حكايات حفر الموت، وازداد عدد المهاجمين، رغم أن الشهادات والوقائع تؤكد أن العدد الأكبر من الشهداء سقطوا في الليلة الأولى للمجرزة، ليلة الخميس، لكن أساليب القتل تطورت وأضيف اليها القنابل الفوسفورية التي ألقيت في الملاجئ. كما اقتحم مستشفى عكا وقتل ممرضون وأطباء فلسطينيون واختطف مرضى ومصابون وهاربون من المجزرة من داخل المستشفى.

وتميز اليوم الثاني بالقتل في داخل البيوت بشكل أكبر، وفي بعض الأزقة وعلى مقربة من السفارة الكويتية والمدينة الرياضية، حيث كانت هناك حُفر جاهزة بفعل الصواريخ الاسرائيلية التي سقطت على المدينة الرياضية أثناء اجتياح بيروت في حزيران 1982، وبفعل وجود بعض الألغام وانفجارها تمكن بعض المخطوفين والمنساقين للموت من الهروب في ظل فوضى الأعداد الهائلة من المحتشدين وينتظرون دورهم في الاصابة بالرصاص أو حتى الدفن أحياء، من تمكن منهم من الهرب روى تفاصيل قاهرة لطريقة التعامل مع الأهالي وطرق قتلهم التي تفنن فيها القاتل وهو يضحك ويشتم ويرتوي من المشروبات الروحية.

وفي اليوم الثالث، السبت 18 أيلول، استمرت عمليات القتل والذبح والخطف، رغم أن التعليمات كما قالت مصادر اسرائيلية صدرت للمهاجمين بالانسحاب في العاشرة صباحا، لكن عشرات الشهادات للسكان أكدت استمرار للمجزرة لحدود الساعة الواحد بعد الظهر، وتميز بعمليات الموت الجماعية العلنية، وبدأ التحقيق مع أهالي المنطقة في المدينة الرياضية من قبل القوات اللبنانية والاسرائيلية، وجرى اعتقال واختطاف العشرات، معظمهم لم يعد ولم يُعرف مصيره.

اضافة الى الفلسطينيين واللبنانييين، قتل وخطف عدد من الجنسيات الاخرى في المجزرة، أبرزها كان من الجنسية السورية والمصرية، اضافة إلى واحد أو اثنان من بنغلادش وتركيا وايران والاردن والسودان والجزائر وتونس وبريطانيا.

الطبيبة الجراحة البارزة والمؤلفة لكتاب من بيروت إلى القدس، السنغفاورية آنغ سوي تشانغ، والتي كانت شاهدت عيان تقول: في صباح يوم السبت، في الوقت الذي خرجت فيه الكتائب اللبنانية من المخيم وسيطر عليه الاسرائيليون، والذي كان من المفترض أن المجزرة انتهت، اعتقلوني مع 22 شخصا واقتادونا عبر طريق رئيسي تمر من صبرا، رأيت أطفال ونساء اعتقلهم الاحتلال وكان الرعب يدب في عيونهم، كنت أدرك أنهم سيقتلون، إحدى النساء أعطتني طفلها، لم يكن مسموحا لي أخذه، لذا اعدته إلى أمه، ثم بعد المجزرة عدت للمخيم بحثا عن الأم وطفلها، لكن قيل لي أن الجميع قد قتل.

كانت مسألة العثور على الضحايا ودفنها نعمة لا تتوفر لكل الضحايا، تكتب الحوت وهي تسرد تفاصيل قتل عائلة المقداد اللبنانية بالحرب والسكاكين، وقد فاقوا الـ30 شهيدا.

سرقت أموال وذهب الضحايا، وراح بعض المجرمون يقطعون بطريقة وحشية القلائد من النساء وهن أحياء، حتى وصلت بهم الحالة إلى ملاحقة الحلق الذي تضعه طفلات صغار في آذانهن، وايذائهن أثناء سرقة الحلق.

روايات عديدة كتبتها الحوت نقلا عن أصحابها وخاصة النساء، عن ملاحقة الميلشيات لفتياتهن الصغار لخطفهن واغتصابهن، وقد تم توثيق العديد من حالات الاغتصاب للنساء ثم قتلهن.

دفن الأحياء في حفر أحداثها الاجتياح والقصف الاسرائيلي لبيروت، اخلاء مستشفى غزة، واقتحام مستشفى عكا وقتل أطباء وممرضات ومرضى فلسطينيين قنابل يدوية أخفيت في أجساد الضحايا، لن تحتاج فيه القنبلة لأكثر من تحريك الجثة أو سحبها لتنفجر. سحب الجنين من بطن أمه ورميه قربها، جثث محروقة ومشوهة.

أمر الاسرائيليون المليشيات بوقف المجزرة صباح السبت 18 أيلول، وبالتحديد عند العاشرة صباحا، لكن الميلشيات تابعت التعذيب والقتل والخطف والاغتصاب والسرقة، حتى الساعة الواحدة من بعد الظهر.

شهود وناجون تحدثوا عن عيون خضر وبشرات شقراء وشعر طويل لفتية وفتيات ضحايا كان لهم ضحكاتهم وأمنياتهم قبل المجزرة، أهالي فقدوا أبنائهم الجميلين وانطفأت بهم الحياة.

طوال المجزرة كان الاحتلال يطلق القنابل المضيئة على صبرا وشاتيلا لينير أمام جنود الكتائب وقوات سعد حداد لتنفيذ مجزرتهم، الذين كان من كل هذه الدورة الدموية هو القضاء على العائلات.

بعد 35 عاما على الإبادة الجماعية لأهالي منطقة صبرا ومخيم شاتيلا، فإن الجرح هو الجرح، لكن عمره طال، دون أن يقوَّى أحد على محاكمة القاتل، دون أن يقتله أحد أو حتى يُقلق نومه وترف حياته بعد أن استراح من ضحيته، التي كانت على الأغلب امرأة مسنة أو كهل، شابة في مقتبل العمر، طفل رضيع، ووصلت إلى حد الجنين.

ضحايا لم يكن لهم أسماء أو شواهد قبور، دفنوا في المقبرة الجماعية. وجود قبر تقرأ عليه الفاتحة وتبكي صاحبك أو نفسك كان نعمة من الله، لم تتوفر لمئات الضحايا وآلاف الأقارب الذين حرموا حتى من التعرف على أقاربهم وإلقاء النظرة الأخيرة على أجسادهم.

وفي خلفية البحث عن تاريخ المخيمات في لبنان، نجد سنة 1982، وهي سنة الاجتياح الاسرائيلي والمجزرة، كان هناك اثنا عشر مخيماً فلسطينياً على الأراضي اللبنانية، هي: الرشيدية والبص وبرج الشمالي في منطقة صور، عين الحلوة والمية مية في منطقة صيدا، ويفل في بعلبك، شاتيلا ومار الياس وبرج البراجنة وضبية في منطقة بيروت، نهار البارد والبداوي في منطقة طرابلس، ويعتبر مخيما عين الحلوة ونهر البارد من أكبر المخيمات مساحة، أما مخيم شاتيلا فمن أصغرها.

بالإضافة الى هذه المخيمات، كان هناك مخيم النبطية الذي دمر تدميراً كاملا بفعل القصف الاسرائيلي في 16/4/1974.

أما مخيمات صور وصيدا فقد دمرت تدميراً جزئياً عدة مرات. وبسبب الحروب الأهلية المتعددة على أرض لبنان دمر في سنة 1976 تدميراً كلياً كل من مخيم جسر الباشا ومخيم تل الزعتر، وهو المخيم الذي عانى جراء حصار طويل، كما تم تدمير مخيم ضبية تدميراً جزئياً.

شاهد أيضاً

كيف تابعت مصر والأردن والسعودية خطاب الرئيس الفلسطيني بالأمم المتحدة؟

يبدو أن الاهتمام بكلمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يكن …

اترك رد

Translate »