حتى بعد 50 عاما، سكان القدس الشرقية لا يزالون أسرى في مدينتهم

يكتب نير حسون، في “هآرتس” ان مدير المكتب التجاري في القدس الشرقية، فايق بركات، قدم في اكتوبر 1967، شكوى الى وزير الداخلية بشأن الطابور الطويل الذي يمتد امام دائرة تسجيل السكان. لقد وصل مئات السكان العرب في حينه للحصول على الهوية، وبدأ الطابور يمتد منذ الساعة الرابعة صباحا. وكتب بركات ان “نسبة عالية من النساء والسيدات تضطررن الى التدافع بين الرجال بشكل غير لائق وغير مقبول”.
لقد تغيرت الكثير من الأمور في القدس منذ ذلك الوقت: الجمهور تضاعف اربع مرات، اقيمت احياء ضخمة، وتم شق شوارع وتقاطعات طرق، وتم فتح واغلاق سفارات – لكن الطابور امام وزارة الداخلية لم يتغير. يوم الاثنين، الخامس من حزيران، بعد 50 عاما بالتمام على اندلاع حرب الأيام الستة، رافقت المحامية هاجر شختر زبائنها الى مكتب تسجيل السكان. وكما في كل يوم وصل مئات الناس في ساعات الصابح الباكر من اجل احتجاز دور في الطابور. وقالت شختر: “في مرحلة معينة، قامت امرأة خشيت فقدان دورها في الطابور، بإرضاع طفلها داخل البوابة المستديرة”.
الطابور المهين في مكتب وزارة الداخلية في القدس الشرقية مرده دمج بين المعاملة المميزة والمستهترة من قبل السلطات الاسرائيلية، والمكانة القانونية المتضعضعة لسكان القدس الشرقية، الذين يحتاجون لخدمات مكتب تسجيل السكان، اكثر من أي مواطن عادي. الـ320 الف فلسطيني في القدس، الذين تم ضم احيائهم الى اسرائيل بعد فترة قصيرة من الحرب، يعتبرون سكان دائمين. والقانون الاسرائيلي يتعامل معهم، عمليا، كأجانب هاجروا في صباح احد أيام حزيران 67 الى اسرائيل واستوطنوا فيها.
في اول بحث من نوعه، نشر في الأسبوع الماضي، ضمن كتاب يحمل عنوان “سكان ليسوا مواطنين”، يحلل الدكتور امنون رامون، من معهد القدس لدراسة السياسات، الوضع الهجين والمميز لسكان القدس الشرقية. ويظهر كيف اسهمت السياسة المتناقضة، والمعايير الضيقة، وعدم الرغبة في اتخاذ قرارات والتنكر للمشكلة، في خلق مكانة قانونية فريدة من نوعها في العالم كله، لسكان اصليين ليسوا مواطنين في الدولة التي يعيشون في عاصمتها. هذه المكانة القانونية بلورت القدس منذ عام 1967 وحتى اليوم، ومسألة مستقبل القدس ودولة اسرائيل كلها، هي، الى احد كبير، مسألة التغييرات التي ستتم (او لا تتم) في هذه المكانة.

اللباقة هي أمر عظيم
مسألة المكانة القانونية للستين الف عربي الذين عاشوا في المناطق التي اصبحت تسمى القدس الشرقية، طرحت فور انتهاء الحرب. خلال جلسة الحكومة في 11 حزيران، بعد يوم من انتهاء الحرب، قال وزير الاسكان مردخاي بنطوف (مبام): “اريد تذكير انصار هذا القانون الفوري بأمر واحد، نحن دولة ديموقراطية، واذا تم سن قانون يحدد بأن القدس ستمتد على كل المنطقة الجديدة، فان المواطنين العرب في القسم الثاني من القدس سيصبحون مواطني اسرائيل”. وقاطعة الوزير بدون حقيبة مناحيم بيغن: “ليس بشكل فوري”.
لقد بلورت ملاحظة بيغن تلك السياسة الإسرائيلية في تلك الفترة. وافترض الوزراء انه كما حدث في 1948، حين حصل قسم كبير من العرب في اسرائيل على المواطنة الفورية، فان سكان القدس سيطلبون مع مرور الوقت المواطنة الاسرائيلية ويندمجون في المجتمع الاسرائيلي. ولم يأخذ الوزراء في الاعتبار الارتباط القوي لسكان القدس الشرقية بسكان الضفة الغربية والاردن، وعدم رغبة المجتمع الاسرائيلي باستيعاب جمهور فلسطيني كبير.
وهكذا بقي سكان القدس الشرقية بمكانة مواطنين اردنيين حتى سنة 1988.وفي حينه، خلال الانتفاضة الأولى، قرر الملك حسين قطع الاتصال مع الضفة والقدس (لكن الأردن واصل تزويدهم بالوثائق التي سمحت لهم بالسفر في العالم).
وبعد اتفاقيات اوسلو في 1993، اعترفت اسرائيل بارتباط سكان القدس الشرقية بالضفة الغربية وسمحت لهم بالتصويت للبرلمان الفلسطيني في رام الله. وهكذا وصل سكان القدس الشرقية الى مكانة قانونية معقدة لا مثيل لها في العالم: فهم سكان دائمين في اسرائيل، ويحملون بطاقات سفر اردنية، واصحاب حق تصويت في السلطة الفلسطينية.
وانعكس هذا الوضع القانوني الشاذ في كل مراحل حياتهم: فور ولادة اولادهم لا يقوم غالبية السكان بتسجيلهم في دائرة السكان الاسرائيلية، وانما في مكتب اردني يعمل في القدس الشرقية. وعندما يبلغ الطفل سيتعلم في مدرسة تمولها دولة اسرائيل، لكنه يدرس المنهاج الفلسطيني (الى ما قبل اوسلو كانوا يدرسون المنهاج الأردني). وفيما بعد سيسجل زواجه في وزارة الداخلية الاسرائيلية وفي المحكمة الشرعية. واذا سعى الى شراء منزل والحصول على قرض اسكان، سيكتشف ان مكانته لا تسمح له برهن العقار. واذا طلب الدراسة في الخارج، سيضطر الى المخاطرة بمكانته القانونية في مدينته، لأنه يمكن لإسرائيل ان تسحب منه مكانة الاقامة اذا ثبت بأنه نقل “مركز حياته” الى خارج اراضيها. واذا تقدم مهنيا في الحياة العامة، سيتضح له بأن اصحاب المواطنة الكاملة فقط يمكنهم العمل في وظائف رفيعة.
في السنوات الأولى، يقول رامون، جرت محاولات من قبل مسؤولين وسياسيين لمواجهة هذه المشكلة والتعامل بحساسية مع مكانة سكان القدس الشرقية. وعلى سبيل المثال، خلال احتفالات يوم القدس في 1968، عارض رئيس الحكومة، ليفي اشكول، مسيرة المشاعل حول البلدة القديمة: “في نهاية الأمر، يوجد هنا 60-70 الف شخص ‘يرقد موتاهم امامهم’ وهنا صخب واحتفالات لا تنتهي. انا اعرف واؤمن ان هذا حقنا – لكن اللباقة هي امر عظيم”.
ونجد تعبيرا آخر للفترة المستنيرة لسلطة اسرائيل في شرق المدينة، في القانون الذي صودق عليه نهائيا في 1973، والذي يهدف الى تمكين الفلسطينيين في المدينة من الحصول على تعويضات عن الاملاك التي هجروها في القدس الغربية في 48، على غرار حق اليهود باستعادة الاملاك التي هجروها في شرقي المدينة في تلك الحرب.
في نهاية الأمر كان التعويض عن املاك الفلسطينيين تافها، ولم يصل غالبية الفلسطينيين للحصول عليه. ولكنه برز خلال مناقشة القانون جهد اسرائيلي لتصحيح الغبن. ويقول رامون: “انت ترى كم تغيرت اسرائيل منذ ذلك الوقت. كل اعضاء الكنيست، حتى اليمينيين المتشددين، قالوا انه لا يمكن وجود وضع يحصل فيه اليهود على املاكهم بينما لا يحصلوا هم (الفلسطينيون) على املاكهم”.
وحسب اقواله فان ثلاث شخصيات تمثل تلك الفترة الليبرالية، نسبيا، ازاء القدس الشرقية: رئيس البلدية في حينه تيدي كولك، نائبة ميرون بنبيشتي ووزير القضاء يعقوب شمشمون شبيرا، “انطوت اعمالهم على شيء اخلاقي، محاولة تصحيح جزء على الاقل من غياب العدالة في القدس الشرقية، ما يشبه الاستعمار المستنير”، حسب رامون. لكن الاستعداد الاسرائيلي لذلك انتهى بشكل قاطع في اعقاب حرب يوم الغفران. وكتب رامون ان “المفهوم الاخلاقي، الرغبة بتصحيح غياب العدالة انخفض في سلم الأولويات ابتداء من 73، وبشكل اكبر مع وصول بيغن الى السلطة”. خلال السنوات التالية تركز الانشغال الاسرائيلي في القدس الشرقية على مصادرة الاراضي الفلسطينية وبناء احياء جديدة لليهود. وواصل الفلسطينيون العيش داخل المأزق القانوني للإقامة.

سيادة فارغة
يجري الحديث كثيرا خلال السنوات الأخيرة عن “أسرلة” المجتمع في القدس الشرقية، والذي انعكس في سوق العمل وكذلك في ازدياد الطلب على الدراسة وفقا للمنهاج الاسرائيلي، وطلبات الحصول على المواطنة الكاملة. وترتبط هذه الظاهرة الى حد كبير ببناء الجدار الفاصل الذي شطر القدس الشرقية عن الضفة الغربية. لكن رامون يسعى الى تبريد تحمس السياسيين من اليمين، الذين يؤمنون ان هذه العملية ستجعل الفلسطينيين يسلمون باحتلال المدينة. ويقول: “طالما لا يعتبر المجتمع الدولي القدس الشرقية كالجليل ووادي عارة – وهذا لا يحدث حتى في عهد ترامب – فانه لن يحدث التغيير. سكان القدس الشرقية لا يمكنهم رؤية انفسهم جزء من المجتمع الاسرائيلي”.
لكن الحقيقة هي ان هذا السؤال ليس مطروحا امامهم. فالمجتمع الاسرائيلي لا يسارع الى تقبلهم، والدليل على ذلك هي المصاعب الكبيرة التي تواجه كل من يطلب ترقية مكانته من مقيم الى مواطن. الى ما قبل عقد زمني توجه قلة طالبين الحصول على المواطنة – ولم يكن الأمر مقبولا من ناحية اجتماعية وايضا ليس مطلوبا بسبب الدمج بين الاقامة الاسرائيلية والهوية الأردنية. لكن الجدار والقرب من إسرائيل غير ذلك، والطلب على المواطنة الاسرائيلية ازداد بشكل دراماتيكي. ومع ذلك، فان عدد الذين يحصلون على المواطنة يتقلص. فحتى اليوم نجح عدد قليل جدا من سكان القدس الشرقية بامتلاك المواطنة في الدولة.
حسب رأي رامون فان مكانة الاقامة للفلسطينيين في المدينة تسهم في عدم الاستقرار والعنف، وكذلك في عدم نيل اسرائيل للشرعية الدولية في القدس. ويكتب رامون ان “السيادة الاسرائيلية هي الى حد كبير فارغة، لأنها تتعامل مع اقليم القدس الشرقية، وليس مع سكانها العرب”. ويحلل رامون ايضا، امكانية منح السكان مواطنة كاملة. ويكتب ان معني هذه الخطوة بعيد، سواء من ناحية فرص التوصل الى اتفاق سلام، او من ناحية ديموغرافية وانتخابية. لا شك ان مثل هذا القرار سيكون بمثابة قطع خطوة كبيرة جدا نحو الدولة ثنائية القومية.
من بين المؤثرات البالغة الأهمية لمكانة السكان، التمسك الفلسطيني بالمدينة. في سنوات التسعينيات، في اعقاب قرار مدوي اتخذه القاضي اهران براك في المحكمة العليا، بدأت وزارة الداخلية بإجراءات سحب الاقامة من الفلسطينيين الذين تركوا المدينة. ولهذا الغرض كان يمكن اعتبار من انتقل للسكن في الجانب الثاني من الشارع بمثابة ترك المدينة، لأن الجانب الثاني يقع في المناطق. لقد فقد حوالي 14 الف فلسطيني مكانتهم القانونية في القدس بسبب ذلك. وبسبب الخوف من فقدان الاقامة اضطر الفلسطينيون الى البقاء في القدس، وهكذا تزايد الضغط للبناء غير القانوني (في غياب امكانية البناء القانوني – وهو جانب آخر لتجاهل اسرائيل لاحتياجات السكان)، وازداد الاكتظاظ والفقر في المدينة. لقد خاف السكان من السفر للدراسة او الانتقال الى مسكن آخر، خشية فقدان حقوقهم.
قبل ثلاثة اشهر فقط، بدأت المحكمة العليا بالاستئناف على قرار القاضي براك، بعد ان حدد ثلاثة قضاة بأنه يجب اخذ ارتباط الفلسطينيين بالمدينة في الاعتبار، والاعتراف بهم كسكان اصليين، وليس كمهاجرين، ولا يمكن سحب الاقامة منهم بكل سهولة.
ويقترح رامون تعزيز هذا التوجه، والعمل، على الأقل، طالما لم يتم التوصل الى اتفاق سياسي، على خلق “اقامة محمية” تحدد حقوق المقدسيين الشرقيين، حتى وان تركوا المدينة لفترة طويلة. الاقدام على هذه الخطوة سيلقى الترحيب من قبل الجميع، بما في ذلك المجتمع الدولي والسكان انفسهم. ويقول رامون ان “هذا سيسمح بتطبيع حياتهم، وسيزيل خطر سحب الاقامة. فهذا التهديد، الى جانب موضوع البناء والتعليم هو الذي يولد اكبر ضائقة والشعور بأن كل ما تريده اسرائيل هو تصعيب حياتهم لكي يهاجروا من هنا. انهم يقولون ‘حولتمونا الى اسرى في مدينتنا’. لكن المسألة هي ليست المسألة الرسمية فقط، وانما الفهم بأنهم جزء حقيقي من المدينة، وانه يوجد لهم مكان”.

شاهد أيضاً

استجواب المبعوث الخاص لنتنياهو في قضية فساد متعلقة بالغواصات

أكدت الشرطة الاسرائيلية اليوم الثلاثاء، أن المبعوث الدبلوماسي لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومستشاره المقرب …

اترك رد

Translate »