المشهد الغامض، وتجمع الأضداد

بقلم د.مازن صافي

في واقع اليوم، وفي المشهد السياسي والمجتمعي العام، هناك أمور يمكن للمواطن البسيط تلمسها نتيجة تأثره بها، أو إهتمام الاعلام بها، وبالتالي يمكنه ممارسة عملية تقدير واستنتاجات واستنباطات وربما توقعات، لكنها في الحقيقة لا تبتعد عن محيط دائرة رسم نصف قطرها بعناية فائقة، فيدخل القاريء داخل الاطار رغبة منه، ويكتشف بعد فترة أن ما عرفه وما توقعه مجرد “تخمينات” لا ترقى أن تكون معلومات مسلمة بها، وهذا أمر طبيعي ومتوقع لأن هناك أمور وتفاصيل أخرى غائبة لا تخضع للسبق الصحفي أو الخبر الممول او المزيف او البيان الملون وفق رغبة كاتبه دون أدنى مصداقية او معلومات سليمة.

المواطن البسيط يتابع اليوم أدق التفاصيل، حتى أصبح كل شخص في صفحته على الشبكة العنكبوتية يمثل صحفي متجول او محلل سياسي عميق أو مُنظر لفكرة مختلطة أو ناقل لكلام مجرد كلام او محاولات لآخرين ليتصدروا واجهة المشهد، فيقع الناقل في مصيدة المسؤولية.

لا يخفى على أحد أن المنطقة كاملة تمر بأخطر مراحل أزماتها وتغيراتها، وأن النسيج الذي كان قائما لم يعد موجودا، وان حالات الصراع تخفي أكثر مما تظهر وتضمر أكثر بكثير مما تفصح.

هناك أشياء ظاهرة يمكن للقارئ في المشهد السياسي تلمسها وتقدير أبعادها، وهناك أمور وتفاصيل أخرى غائبة، لا يملك المتابع ان يطلع عليها فهي محروسة بأستار من الكتمان. وهنا عليه ان يستعين بالتاريخ وقراءة مراكز القوى وطبيعة الصراع وأن يمضي إلى عوالم الاسئلة حتى لو لم تكن هناك ضفاف كافية لإجاباتها.

وحتى يكون التناول موضوعيا وكاشفا علينا اليوم ان نطرح الاسئلة حتى نصل إلى مستوى تقويم تطورات الأحداث خلال الأيام الماضية.. والتي جعلت من منطقة الخليج العربي تمر بأخطر أزماتها، وقد تترتب عليها اضرار كبرى تُنهك ما بقي من نسيج عربي يكاد يتهاوى، وسط حالة صراع تخفي أكثر مما تظهر وتضمر أكثر بكثير مما تفصح.

وبعيدا عن واقعنا الفلسطيني والعربي والاقليمي، فإن الصراع الدولي لم يعد مكشوفا أو سهل القراءة، فإن كانت الحلول المطروحة في غالبها او قاعدتها اقتصادية، فإن أحلاف اقتصادية تتشكل وبقوة، ستؤثر على الأحلاف السياسية، بحيث تعيق تقدم أي حلول دون أن يكون لها حصة ودور وملعقة سياسية تحرك بها كيفما تشاء وبإستخدام أدوات إعلامية سهلة الاستخدام قوية وسريعة التأثير ورخيصة في التمويل والدعم والانتشار، أو استخدام أدوات اعلامية عملاقة تغزو الرأي العام الدولي وتضع نفسها فوق الطاولة كلاعب متمرد تارة ومشارك تارة أخرى، ولا يمكن تجاوزه.

الصراع الدولي لم يعد مكشوفاً وسهل القراءة.. إنه يخفي الكثير، وتعمل بالوكالة له أطراف متعددة، تمارس الضرب تحت الحزام بخفة وسرعة وعلى طريقة تحريك أدوات متقدمة في الإعلام والسياسة والدعم والتمويل..

السؤال المطروح اليوم في اللعبة السياسية، ليس في فلسطين فحسب بل حتى في الأزمة الخليجية الناشئة، كيف تتجمع الأضداد معا في لعبة السياسة..؟! وفي نفس الوقت لماذا لا يظهر العرَّاب مكشوف الوجه واضح المعالم واللغة والجغرافيا والتاريخ، ومن الذي يقوم بتوزيع الأدوار واللاعبين والمشاهد، فهناك نفوذ انجليي بريطاني واضح في الخليج حتى لو ظهر ان اللاعب البارز هو الولايات المتحدة الأمريكية، وفي قضيتنا الفلسطينية يبدو ان اللاعب البارز هو الولايات المتحدة ولكن هل يغيب الدور الانجليزي والروسي، هذه هي الأسئلة الأهم والتي تشكل مسارات الطرق وتقاطعات المصالح وتلاقي الأضداد او تصادم الأحلاف، ولا يمكن قراءة تفاصيل جغرافيا صغيرة دون النظر الى المنطقة الأكبر، فحين نقرأ مستقبل قطاع غزة، يجب أن نفهم ونعي ما الذي يحيط به، وهنا علينا استحضار التاريخ وقراءة محطاته، لكي نتمكن من وضع النقاط على الحروف، وكذلك الضفة الغربية، وهنا يظهر السؤال الأكبر هل بالفعل نحن على مقربة من قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، ام أن الحلول المراد تقديمها او فرضها او اللعب بها تتجاوز الدولة وتتمسك بالبقع الجغرافيا الغير متصلة، وتستند الى حالة الإغراق السياسي الموجود.

وفي النهاية علينا أن نتفق أن الاختلاف في الرؤية الإدارية واسلوب التعاطي مع ما يتم تسهيل تناوله واندماجه ومزجه والترويج له، هو إختلاف تغلفه مصالح الدول الكبرى التي تسخر كل طاقاتها الامنية والاقتصادية والسياسية وتوظف لاعبين محترفين، لكي يتحول السؤال المبهم الى جواب زئبقي، ويدخل العائل والمعيل والوسيط في معادلة واحدة وان اختلفت التصنيفات والمطامع والتوجهات .

 

شاهد أيضاً

رسائل الجماهير المحتشدة .. فتح ما زالت بخير

بقلم: الكاتب الباحث/ ناهض زقوت لقد اكدت الجماهير المحتشدة في ساحة السرايا والشوارع المحيطة بها …

اترك رد

Translate »