انقلاب حماس والانقلاب الجديد

بقلم: د.خليل نزّال

لا حاجة للتذكير أنَّ السنوات العشر الأخيرة من تاريخ قضية فلسطين هي فترة مظلمة أدّت إلى تراجعٍ شاملٍ في مسيرة شعبنا نحو الحرية، ورهنت المشروع الوطني برمّته وربطتهُ بإرادات دول وقوى المنطقة المتصارعة فيما بينها والمختلفة على كلِّ شيء إلّا على اعتبار قضية فلسطين “ورقة” رابحةً تضمن لمَن يضعها في جيبه وضعاً أفضل في بازارات المقايضة، وتُعطيه عوامل قوةٍ تُفيده في صراع الإرادات والمصالح الذي يعصف بالإقليم والذي ترعاه وتستفيدُ منه دولٌ عُظمى لينتهي به المطاف إلى المساس بكلِّ مقدّرات المنطقة وبكلِّ كياناتها ودولها، ولكنّه لا يمسّ من قريب أو بعيد الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني لأرض فلسطين، بل يثبّته ويضمن له مزيداً من عوامل البقاء والنمو على حساب مصالح شعبنا وحقوقه التاريخية في أرض وطنه.
لا مجال للشك أنَّ حركة حماس كانت تدرك وهي تُنفِّذ انقلابها إلى أي منحدرٍ تأخذ قضية فلسطين.
لأنَّ من يُدخِل إلى قاموس العلاقات الفلسطينية مصطلحات التخوين والتكفير، و”يبتكر” طرقاً جديدة في القتل بالرمي من أعلى أبراج غزة، أو يجترح نوعاً شيطانياً من التعذيب بإطلاق النار على “الركبة” بهدف إحداث ألمٍ لا يُحتمل وإعاقة مستديمة.. مَن يفعل كلَّ ذلك لا بدّ أنه كان يدرك أنَّه ذاهب إلى مستنقعٍ لا عودة عنه.
الطرف الآخر الذي ذهب بالخلاف إلى نقطة الصراع الدموي هم جماعة المطرود دحلان الذين عاثوا في الأرض فساداً وأوصلوا العلاقات الفلسطينية الداخلية (هم وحماس!) إلى نقطة الفتنة، وتركوا مناضلينا وشعبنا وحيدين أمام آلة القتل الحمساوي، وفرّوا هاربين إلى أبعد مكان عن ساحة وساعة الحسم.
لقد شَهِدنا خلال تلك الفترة كلَّ مظاهر التلاعب بالقضية الفلسطينية التي تناوبت على القيام بها دول ودويلات عديدة، بداية بنظام بشار الأسد قبل أن يصبح مسلوب الإرادة، مروراً بتركيا وإيران، وصولاً إلى قطر ومصر اللّتين تناوبتا لعبة “رعاية” ملف “المصالحة الفلسطينية”، ورغم كل خلافاتهما فقد عملتا على تثبيت الانقسام وترسيخه من خلال إعطاء الانقلابيين شرعية البقاء والاستمرار، وتثبيت دعائم انقلابهم تحت غطاء مسلسل لا نهاية له من “التفاهمات” و”الاتفاقيات”.
وقد أضافت مصر إلى هذا العبث بالشرعية الفلسطينية عبثاً جديداً عندما عملت مع دولة الإمارات على تسويق المطرود دحلان وإعادة تلميعه تمهيدًا لدورٍ جديد يتم إعداد هذا “النرجسي” للقيام به.
لقد أتت الأزمة الأخيرة حول قطَر لتضع القضية الفلسطينية أمام امتحان عسير، إذ ليس بإمكان أحد أن يدَّعي أنَّنا، ومن منظورٍ وطني فلسطيني، نشهد صراعاً بين محور “الخير” ومحور “الشر”، فعلى جانبي المتراس تقف كل من قطر والإمارات اللتين تخصصتا في توفير الدعم للخارجين على الشرعية الفلسطينية.
إنَّ ما يتم تداوله الآن في ظلِّ أزمة قطر وتحت سُحُب الدخان التي تنبعث منها لتحجب الصورة الكاملة لما يجري الإعداد له، وما كثر الحديث عنه حول “التفاهمات” التي تجري على قدم وساق بين الانقلابيين والمطرودين وبرعاية مصرية لن يضيف جديداً إلى العلاقات الداخلية الفلسطينية، فنحن جميعاً نُدرك أنَّ التنسيق بين هاتين القوتين ضد “فتح” وضد المشروع الوطني الفلسطيني وضد الشرعية الفلسطينية هو تنسيق دائم منذ فترة طويلة، ولن ترتعد أوصالنا خوفاً إذا رأينا المطرود دحلان عائداً إلى غزة محمولاً على ظهر حمار حمساوي، فهذا المشهد سيعني إشهار إفلاس الجانبَين.
لكن الخطورة في كل ما يجري إذا تأكَّدت صحته هو الانقلاب المصري على الشرعية الفلسطينية! وهو ما يستدعي إعادة النظر في كثير من بديهيات العمل الوطني الفلسطيني، ويفرض أولوية ترتيب بيتنا الداخلي الفتحوي والعمل على إعادة صياغة علاقاتنا العربية والدولية بما يُجنِّبنا الصدام المباشر مع مصر، وبما يحمي المشروع الوطني من الحصار والعزلة وعدم القدرة على التأثير في كلِّ ما يخص قضيّتنا ويؤثِّر عليها. لسنا هواة فتح معارك جانبية، لكننا عشّاق “فتح” وفلسطين!
لم نستسلم للانقلاب الحمساوي، ولم يهزّ المطرودون إرادتنا بالدفاع عن قرارنا الوطني المستقل والذود عن شرعية الحركة قراراً وإطاراً وقدرة على قول “لا” حيثما كان قولها واجباً وطنياً، ولن يكون الانقلاب الجديد إن تمّ أوفر حظاً بالنجاح من سابقه..
إرادة “فتح” عصيّة على الكسر والترويض!
ويا جبل ما يهزك ريح.. فالريح لا تملك إلا أن تنحني “للعاصفة”.
أمين سر حركة “فتح” – إقليم بولندا د.خليل نزّال
19-6-2017

شاهد أيضاً

رسائل الجماهير المحتشدة .. فتح ما زالت بخير

بقلم: الكاتب الباحث/ ناهض زقوت لقد اكدت الجماهير المحتشدة في ساحة السرايا والشوارع المحيطة بها …

اترك رد

Translate »