سوق السيباط.. عبق جنين

يامن نوباني

يفصل شارع المكتبات ‘فيصل قديما’ مدينة جنين إلى قسمين، القسم القديم والقسم الجديد، على يسار الداخل من مدينة نابلس باتجاه مدينة الناصرة يقع القسم الجديد، ويشتهر بشارع أبو بكر، حيث صخب المتجولين والباعة والمركبات، شوارع واسعة وبنايات مرتفعة ومحال تجارية بديكورات عصرية، بينما على يمين شارع المكتبات، تقع البلدة القديمة، بأبنيتها التاريخية المتراصة، وأزقتها الضيقة العتيقة، في مدخل البلدة القديمة يقع سوق السيباط، وسط مدينة جنين، كحدٍ فاصل بين ماضي المدينة وحاضرها.

يتنقل صلاح السلفيتي (66 عاما) بكرسيه الخشبي أمام معرض ‘السلفيتي للتنجيد’، في سوق السيباط، يلاحق الشمس الدافئة، يقول: كانت هنا حياة، نفتقد ضجيج السيباط منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، يلتفت لشقيقه الأكبر سليمان الذي يعمل معه في التنجيد، وكان يفك صوف وسادة ببطء.

وأضاف: لو يعود الزمن للوراء أربعين عاما، لوجدت سليمان منهكا ويعمل بسرعة وجدّ، أما اليوم فإنه يتسلى ب9 وسائد منذ شهر، فمع مرور السنوات أخذ التجار في السيباط ينتقلون لشارع أبو بكر وأماكن مفتوحة أكثر، وبدأت البنايات والمحال التجارية تزحف إلى بساتين المدينة عاما وراء عام، إلى أن أغلقت عشرات المحال التجارية أبوابها وبات الكثير منها مخازن لبضائع أصحابها الذين انتقلوا من السيباط لأمكنة أخرى. هكذا مات السيباط.

يحرك صلاح مؤشر الراديو بعد أن قال المذيع: الساعة الآن تمام الحادية عشرة صباحا، موعدكم الآن من النشرة الإخبارية، ويقول: لم يعد شيء مهم، لم يعد شيء يستحق أن نسمعه. ويضيف: استأجر والدي الذي أورثنا المهنة، محله في أول الستينيات بدينارين، وما زال إلى اليوم بدينارين.

لا ينسى صلاح مواقف ونهفات نكسة 1967، ويقص قصصا لا تنتهي حين اقتحمت قوات الاحتلال مدينة جنين وأعلنت حظر التجوال على أهلها، فيقول: بعد عدة أيام من منعنا من الخروج من منازلنا، رفع حظر التجوال وانطلق الناس نحو البساتين، يلتقطوا ما شاءوا من خضرتها، حيث لم يكن يعترض أحد من أصحاب الأرض والثمر، زمن كانت فيه الطبخة تدور على كل الجيران، أوقفنا حاجز احتلالي على مفترق الشهداء (جنوب غرب جنين) وكانت معنا دابة تجر عربة خشبية خلفها، وأصابنا خوف من أن يقوموا بنثر ما فيها على الأرض أو سرقة ما جمعناه من الأرض، لكنهم فاجأونا بطلب سجائر كنا نحملها، وهي سجائر من النوع الرخيص، وكانت تنتشر في تلك الأيام أنواع دخان ‘سلوى’ و’لولو’ و’كمال السيد’ و’سبورت’ و’فريد’، وأعجبهم مذاق السجائر وسمحوا لنا بالمرور. كانت الأرض يومها تطعم صاحبها وعابري الطريق.

يتوقف سليمان عن تخييط الوسادة بالصوف، ويشعل سيجارة من تبغ محلي أو كما يطلق عليه ‘الدخان العربي’، وينفث بقوة كبيرة، وكأن العبارة التي أطلقها شقيقه صلاح حول موت السيباط أشعلت ذاكرته، وتذكر السيباط حين كان حيا ومليئا، ويقول: كانت جنين بأكملها فوق، والآن أصبحت تحت، في إشارة إلى سوق السيباط والبلدة القديمة حيث كانت عصب الحياة الجنينية بكافة نواحيها، ولم يكن على الجهة الأخرى الواقعة أسفل البلدة القديمة إلا البساتين، ثم تبدلت الأوضاع، وانقلبت الأمكنة على نفسها.

يقول سليمان عن حياة السيباط قديما، كان التجار يفترشون أرضيته للسهر والسمر، وينامون على بلاطه القديم في الصيف بسبب البرودة التي كان يتمتع بها، قبل أن يُرصف ببلاط حديث من قباطية.

يتابع سليمان: كان بطيخ جنين يشارك في معرض دمشق الدولي، وكذلك برتقالها وكان يُشهد لخضرتها وفاكهتها بالبركة. أما اليوم فحتى أهل البلد ضاعوا فيها، فقبل سنتين بعث صديق لمعرضنا ابنه البالغ (20 عاما)، ليستلم طلبيته التي أوصانا عليها، وبقي الشاب يومين يبحث عن السيباط والطلبية تنتظر على باب المعرض، إلى أن أتى بنفسه وأخبرنا أن ابنه لم يستدل على السيباط. هنا الفرق، أن تكون جنين في زمن مضى هنا بأكملها، وأن يأتي زمن لا يعرف فيه أهلها سوقها الشهير وتراثها.

السيباط في ذاكرة المغتربين

فدوى حمدان (60 عاما) من مدينة جنين، وتعيش في الأردن، تفيض ذاكرتها بالسيباط، فتقول: في 1964 كنت طفلة في الصف الرابع، كنت أدخل السيباط رفقة بنات صفي في طريق عودتنا من المدرسة، عشت طفولتي فيه، وكنا نرى أصحاب الدكاكين يعلقون أباريق الوضوء وليف الحمام على الأبواب، دكان أبو محمود الحثناوي وأبو فريد المعاني وفريز النصرة وأبناء مروح السلفيتي، وغيرهم الكثير.. يجلسون على كراس من قش، كنت أشعر أن لي جذور عميقة في الأرض، وأن الاحتلال لن يتمكن من تزوير تاريخ البنايات والحجارة والمهن وذاكرة الناس، أرسلتني والدتي مرة إلى المبيض ‘ملمع النحاس’، حيث كانت تلميع طنجرة النحاس في ذلك الوقت يدل على وضع اقتصادي جيد لمن يقومون بتلميع أوانيهم في العام مرتين أو ثلاث، وكانت النساء تُباهي بأنهن طبخن في طنجرة نحاس، وكان التلميع بـ3 و4 قروش، بينما العائلات المستورة تستخدم أواني طبخ مصنوعة من الألمنيوم.

تتابع: كان السوق يجمع كل شيء نريده، من يريد لبن نعاج، صيصان بلدية، زغاليل، بهارات، الحبوب والزعتر البلدي، والجبن والألبان بمشتقاتها، والعطارة، كان اللبن يوضع في مغاطس من الفخار بشكل جميل، يأتي باعته من قرى جنين، وكانت وقشدة اللبن على وجه المغطاس تشعرك أن البلاد بلاد خير، وكل ما تحتاجه كان متوفرا في السيباط، وكان مشهد الفلاحات وهن جالسات وأمامهن الطيور بمختلف أنواعها.

تنهي فدوى حديثها: الأشياء التي لا تجدها في السيباط لن تجدها في مكان آخر.

مُريد المبيض لم يرثه أحد

‘مبيض النحاس’ مُريد، ولقبه أبو خالد، مهنة انتهت من سوق السيباط بموت صاحبها، يسردها يوسف الحثناوي، الذي يجلس في محل والده، أبو بشار الحثناوي، الذي افتتح دكانا صغيرا في العام 1950، وأصبح اليوم شركة تجارة عامة.

يقول يوسف: دخل شاب مصري فلسطين عن طريق ميناء حيفا، واستقر في سوق السيباط، وعمل في تبييض النحاس، وحين احتلت إسرائيل الضفة الغربية عام 1967 أحصاه اليهود وأعطوه هوية، في أول مرة دخل فيها جنين كان ولدا تائها لا أحد يعرف عنه شيئا، وعمل عشرات السنوات في مهنته، دون أن يتزوج، فمات وأخذ معه مهنته.

السيباط يأمل بالحياة

يستعد سوق السيباط في الحادي عشر من نيسان الجاري، لاستقبال مهرجان السيباط الأول والذي يستمر ثلاثة أيام. يقول إياد استيتي من القائمين على المهرجان: المهرجان تراثي ثقافي سياحي يعيدنا لعبق التاريخ والحضارة المتأصلة في ثنايا وأزقة المعالم التاريخية العثمانية في مدينة جنين، ليضفي صبغة الماضي على الحاضر، من خلال تنشيط وإحياء السياحة والتراث والثقافة والفن في المحافظة، وتنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية في مدينة ومحافظة جنين والمحافظات الأخرى ومدن الداخل الفلسطيني.

كما قام الفنان محمد شريف (42 عاما) من بلدة عرابة في جنين، ومعه مجموعة من شباب وصبايا المدينة وقراها، برسم جداريات تستعيد قيمة ورونق السيباط وبساطته وحيويته في أزمان ولت، وقال شريف: إن مشاركة الفنانين تهدف لتسليط الضوء على القيمة التراثية للمكان والحفاظ على الموروث الثقافي والهوية الفلسطينية، وتوثيق حضارتنا من عدة جوانب كفن العمارة، وإحياء صورة الصناعات التقليدية، وبيان مكانة الفن في تفعيل مكانة السيباط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وسوق السيباط أثري وتم بناؤه أثناء الحقبة العثمانية في فلسطين، والسيباط كلمة عربية معناها بناء كبير مسقوف له طريقان للدخول وللخروج، ويقع سوق السيباط في مدينة جنين بين حارتي البلدة القديمة في جنين، وله خمسة منافذ، ويقع مدخله الرئيسي تحت مقر مكتبة بلدية جنين التي كانت في السابق مقراً للبلدية.

انتشرت في السوق في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في سوق السيباط مهن وحرف عديدة منها: السرّاج، والخياط العربي، وصانع الأحذية ( الكندرجي)، والمبيَض (النحّاس)، والحلاق وكان يقوم بدور الطبيب في معالجة الأسنان وحساسية الجلد وختان الذكور، والحداد، والسمكري، ونجار المحاريث، والمنجًد، والعطار (كان يقوم مقام الصيدلاني)، والسمَان، والحلواني، والبيطار، والفرَان، والعشّي ( صاحب المطعم)، البناء وعمال الخدمات كالسًقاء والعربجي والخانجي والبغًال والمكاري (مؤجر الدواب). واشتهر ببيع المواد التراثية الفلسطينية مثل الأدوات الزراعية القديمة والمصنوعات الفخارية والنحاسية والملابس والمطرزات الفلسطينية.

شاهد أيضاً

61 عاما على مجزرة خان يونس “الفريدة”

سـامي أبـو سـالم طرق جنود الاحتلال الإسرائيلي باب منزل الفتى تكريم البطة (10 سنوات) وسط …

اترك رد

Translate »