مخيم اليرموك ضحية نيران اكلت بعضها كتب محمد جميل

في الأسبوع الاخير عاد مخيم اليرموك ليحتل واجهة الاحداث في سوريا بفعل التطورات الامنية و العسكرية التي انتجتها تبدلات خريطة التحالفات التي حكمت علاقة الاطراف من داخل و خارج المخيم ببعضها البعض. المخيم الذي و منذ بداية فصول الحرب الاهلية السورية تباينت مواقف مكوناته الفلسطينية في كيفية تحديد تموضعه السياسي من الأزمة السورية و تراوحت ما بين دعوات الانحياز لصالح طرف من طرفي النزاع, او مواقف فصائل م ت ف الرئيسية المنادي بتحييد المخيم و النأي به عن دائرة النار السورية. الا ان الموقف المتوازن الذي عبرت عنه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية و ان كان قد نجح في بداية الازمة بلجم الحماسة الزائدة لدى الفصائل المحسوبة على النظام السوري, اُبطلت مفاعيله على الأرض و لم يصمد في مواجهة دخول حركة حماس على خط المواجهة في سوريا وتجاوز انخراطها الأبعاد السياسية ليشتمل على اشكال مشاركة اخرى انطوت على قدر كبير من الاشتباه و الالتباس. حركة حماس التي هي فصيل مستجد على المخيم بدأت بتدشين حضورها فيه مع نهاية التسعينات عقب انتقال قيادتها من منفاها القطري الذي كان قد استضافها بشكل مؤقت بُعيد ابعادها من الاردن, و قد راكمت خلال سنوات الود بينها و بين النظام السوري و بفعل الوفرة المادية التي تنعمت بها بالقياس الى الفصائل الاخرى نفوذا استثنائيا في سوريا و في المخيم على وجه التحديد عبر تأسيسها لشبكات انتفاع مصلحي و استثمارات كبيرة استقطبت قطاعا اجتماعيا معتبرا من سكان المخيم تم استيعابه في الاجهزة الوظيفية للحركة هناك سواء في جمعياتها و مكاتبها التنظيمية او في طواقم الأمن و الحراسة التي ضمت المئات من الشبان هناك. كما ان الحركة استطاعت توسيع قاعدتها الشعبية بين الاهالي و مساحات التواصل بينها و بينهم عبر تمويلها للعديد من الأنشطة الخيرية و الاجتماعية (حركة حماس كانت تتكفل بمصاريف اي بيت عزاء في المخيم) و الفعاليات الاعلامية و الجماهيرية مستفيدة من مناخ شعبي ثقافي عام منجذب للخطاب الاسلامي المحافظ و تثير فكرة المقاومة و شعاراتها و فصائلها لا سيما الاسلامية منها حماسته. هذه القاعدة التنظيمية الصلبة التي دشنتها حماس في المخيم و بتشجيع و رعاية تامة من قبل النظام السوري, شكلت بيئتها الحاضنة على امتداد سنوات تواجد قياداتها فوق الأراضي السورية, و هي نفس القاعدة التي اقتحمت بها خريطة الأزمة السورية. عقب اندلاع الثورة السورية, سعت جهات فلسطينية و سورية عديدة في مقدمتها حركة حماس الى جعل مخيم اليرموك بمثابة “منطقة آمنة” خارجة عن السيطرة الأمنية للنظام لصالح نشطاء المعارضة السورية, مستفيدين من الخصوصية الرمزية للمخيم و التي ستحد من ردود فعل النظام السوري على تحركات المعارضة فيه, و هو ما حقق للمخيم “تحريرا” مبكرا من سيطرة النظام السوري مقارنة بباقي ضواحي دمشق, و بدأت خلايا المسلحين بمختلف تشكيلاتها تظهر تباعا في المخيم لتضم في صفوفها عناصر فلسطينية اسلامية بالدرجة الاولى و سورية قيل انها تلقت تدريبها و تسليحها على يد عناصر محسوبة على حركة حماس, ليتحول المخيم بعدها الى قاعدة اسناد و ارتكاز عسكري لميليشيات المعارضة السورية تفصل بينها و بين قلب العاصمة كيلومترات قليلة. الجيش الحر الذي كان اول المجموعات التي سيطرت على المخيم بقوام تردد في حينه ان عناصر فلسطينية مرتبطة بشكل او باخر بالحالة التنظيمية لحماس في المخيم تشكل قسما معتبرا من عديده, سرعان ما تم كنسه من مواقعه في المخيم بواسطة جبهة النصرة التي لم تتورع عن اعلان عدائها للوجود الفلسطيني في المخيم حيث احتفت بسيطرتها عليه بتنزيل العلم الفلسطيني من فوق عدد من المباني الاعتبارية في المخيم و الدوس عليه بالاقدام متذرعين بان العلم الفلسطيني مدعاة شقاق و فتنة بين المسلمين! دخول جبهة النصرة الى اليرموك فتح شهية “داعش” للالتحاق بركب غزاة المخيم و اقتحامه, و عند هذه النقطة اعتبر النظام السوري انه قد اصبح في حلٍّ من اي التزامات معنوية تحول بينه و بين اطلاق عملية عسكرية واسعة ضد الحالة الجهادية الناشئة في المخيم ترتب عليها تفاقم ازمة المخيم و انتقال الواقع الكارثي فيه الى مستويات مروعة افضت الى الخروج الكبير لمعظم سكانه منه ليواجهوا مآس التشتت بعد اكثر من ست عقود على شتاتهم الاول مخلفين ورائهم مئات الضحايا و الاف الاسر التي فضلت البقاء في المخيم على النزوح منه. في الاسابيع الاخيرة توافقت الاطراف المختلفة بشكل غير مباشر على تفاهمات هشة بهدف التخفيف من حدة التوتر المهيمن على المخيم, تقضي بانسحاب مسلحي الجماعات الاسلامية المتشددة منه و امتناع النظام و حلفاءه عن الاقدام على اي نشاط عسكري يتصل به, و الصيغة التي تم التوافق عليها احتكاما لحيثيات و عوامل موضوعية احالت مسؤولية الاشراف الامني و العسكري على المخيم لما يعرف ب”اكناف بيت المقدس” التي تردد اسمها كثيرا خلال الاسبوع الاخير و هو التنظيم المسلح التابع لحركة حماس في سوريا و الذي كان عديده يتجاوز ال1500 مقاتل حتى اشهر قليلة خلت قبل ان يتقلص هذا العدد لبضع مئات فقط ينحصر وجودهم في المخيم بعد ان كانوا قد انتشروا سابقا الى جانب وجودهم الرئيسي في اليرموك في مختلف ضواحي ريف دمشق و حتى في اماكن بعيدة كريف حلب, حيث لعب عناصره دورا فعالا خلال الحرب السورية في مجالات التدريب والتسليح لكثير من عناصر الجماعات الجهادية و بعضهم من النصرة و وداعش نفسها, و نقلوا اليهم تقنيات العسكرية كحفر الأنفاق التي استخدمت في معارك الغوطة و المطار, و تصنيع الصواريخ و العبوات الناسفة. و لكن الاكناف التي كانت قد تورطت بتصفية عناصر الفصائل الفلسطينية في المخيم و في التصدي لاي تسوية سياسية تنتزع المخيم من براثن الغرق في دوامة النار السورية, فوجئت قبل اسبوع بتسلل ما يزيد عن ال400 مسلح من عناصر داعش التي تسيطر على منطقة الحجر الأسود الملاصقة من جهة الجنوب للمخيم و بتواطؤ تام من جبهة النصرة التي يفترض انها حليف للاكناف, و مهاجمتها لمواقع و عناصر اكناف بيت المقدس. ساعات تلت الهجوم كانت بعدها داعش تسيطر على 80% من المخيم و يقوم مقاتليها بتعليق رؤوس عناصر الاكناف الذين اعدموهم على ابواب مساجد اليرموك, وينسحب من تبقى من عناصر الاكناف الى خارج المخيم و من ضمنهم قائد الأكناف الذي كان مرافقا سابقا لرئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل و يشرعوا بتسليم انفسهم للجيش السوري بوساطة الجبهة الشعبية-القيادة العامة. قصة مخيم اليرموك لا زالت تتفاعل حتى الآن و من الصعب التنبؤ بالمنحى الذي سيتخده مسار الأزمة المشتعلة هناك, ولكن الثابت فيها ان المخيم الذي مثل عاصمة للشتات الفلسطيني في العقود الثلاثة الماضية لن يعود مخيما فلسطينيا, فاهله الذين هُجروا في نكبتهم الثانية منه سيذوبوا في بقاع شتاتهم الجديدة في اقاصي الأرض و مغاربها, و سيكون لديهم للاجيال القادمة قصتين عن نكبتين, الاولى عن وطن ضائع سلبته منهم العصابات الصهيونية, و اخرى عن مخيم احترق امام اعينهم حين اكلت النار بعضها فيه…

شاهد أيضاً

رسائل الجماهير المحتشدة .. فتح ما زالت بخير

بقلم: الكاتب الباحث/ ناهض زقوت لقد اكدت الجماهير المحتشدة في ساحة السرايا والشوارع المحيطة بها …

اترك رد

Translate »