في ذكرى استشهاده زوجة المبعد عبد الله دواد: ملف المبعدين سيبقى مفتوحا حتى عودتهم جميعا احياء

علي سمودي

في رحلة الصمود والتحدي في مواجهة الم وحزن استشهاد زوجها اللواء داود عبد الله عبد القادر الذي رحل في الجزائر قبل ان يتحقق حلمه بالعودة لمنزله في مخيم بلاطة لاسرته ورفاقه في مسيرة النضال ، تصر الزوجة الوفية كفاح حرب على قيادة “حملة احياء ” في نضال مستمر لضمان عودة اصدقاء ورفاق زوجها مبعدي كنيسة المهد احياء لاسرهم حتى لا تتكرر الماساة و الفاجعة التي المت بها ، فرحيل زوجي تقول ” شكل صدمة قاسية لنا ولكل المبعدين ويؤلمني بل واشعر بمرارة كبيرة ما دام هذا الملف مفتوحا بينما يعيش المبعدين في اوروبا وغزة اوضاعا ماساوية ولن تنتهي معاناتهم الا بعودتهم جميعا احياء لاسرهم وحياتهم التي حولها الاحتلال لجحيم

قائد ومناضل

وفي منزلها في مدينة نابلس ، تستقبل الناشطة والمحاضرة في جامعة القدس كفاح حرب ذكرى استشهاد زوجها الذي كان هدفا طوال حياته للاحتلال جراء مواقفه الوطنية والنضالية التي تفخر بالحديث عنها دوما لتستمد منها العزم والإرادة وتتسلح بالإيمان والامل لان ذكرى الايطال تقول ” تبقى حية وخالدة يجب ان تتعلمها الاجيال لتواصل المشوار الطويل في معركتنا الاطول مع الاحتلال كما كان يردد دوما عبد الله ، فالحرية ثمنها غالي “، وتضيف ” ولانه اختار طريق فلسطين فان عبد الله حمل راية النضال والثورة في باكورة شبابه ، فالتحق في صفوف حركة فتح وفي عام 1981 كان من مؤسسي وقادة لجان الشبيبة للعمل الاجتماعي التي شكلت راس حربه في مقاومة الاحتلال ، وفي الفترة من 1982- 1992 خلال الانتفاضة الاولى اصبح من قادة العمل العسكري لحركة( فتح )، وشارك في قيادة الانتفاضة وتاسيس حركة الشبية الطلابية ، وما بين ابعاد جامعة النجاح حيث تقلد العديد من الموقع القيادية و كنيسة المهد التحق عبد الله في جهاز المخابرات في سلفيت عام 1995 ليشارك في مرحلة بناء مؤسسات الدولة”

الشهيد في سطور

وتاتي الذكرى لتفتح صفحات مطوية من تاريخ حافل بالعطاء والتضحية سطره الشهيد عبر محطات حياته التي كرسها لشعبه وقضيته ، ولانها كانت الشاهد إضافة لكونها رفيقة الدرب التي لم تتخلى عن تأدية دورها كام فلسطينية ورسالتها الوطنية كمناضلة ودعم ومؤازرة زوجها حتى في اشد المواقف الصعوبة ، تقول حرب ” منذ صغره سكنه حب الوطن لانه عاش معاناة وعذابات شعبه وطفولة اللاجيء الذي فقد ارضه وحياته ، فعائلته تنحدر من قرية طيرة دندن القريبة من مدينة اللد وبعد النكبة لجات الى مخيم بلاطة وهناك ولد عبد الله لاسرة لاجئة مناضلة في 21/2/1962 ، فتفتحت عينيه على مقاعد الدراسة خلال دراسته مرحلة الابتدائي والاعدادي في المخيم على تفاصيل المعاناة واختار الطريق مع رفاق دربه في التصدي للاحتلال ، لذلك وخلال دراسته المرحلة الثانوية في مدارس قرية دير الحطب اعتقله الاحتلال خلال استعداده للامتحانات ، وعلى مدار عامين لم يتمكن من اكمال الدراسة بسبب الاعتقالات المتكررة لكنه حبه للعلم واداركه لاهمية كسلاح في مواجهة الاحتلال اصر على الدراسة حتى حصل على الثانوية العامة عام 1983 .الاعتقالات المتتالية محطات الاعتقال لم تنال من عزيمة عبد الله ، بل حرص خلال الفترة التي قضاها في السجن على الدراسة والبحث والتعمق في جذور القضية واصبح اكثر نشاطا وعطاءا ، وتقول ” انتسب لكلية الاقتصاد قسم العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية ، في المرحلة التي كانت تشهد نهوض الحركة الطلابية ونشاطخها الوطني فأسس لجان العمل الاجتماعي واطر الشبيبة وبسبب قيادته لأنشطتها تعرض للاعتقال تارة وفرضت عليه الإقامة الجبرية تارة اخرى ومنع من دخول الجامعة لمدة 6 شهور”. واضافت ” بين الاعتقال والاخر كان عبد الله يعود لمواصلة تادية دوره النضالي والوطني ، ومرة اخرى تعرض للاعتقال الاداري لمدة 6 شهور ورغم خضوعه للتحقيق القاسي فشلت قوات الاحتلال في انتزاع الاعترافات منه “. خلال ذلك ، شهدت الجامعة احداث وطنية هامة كان عبد الله في قيادة حملات التصدي للاحتلال وبناء وصقل الروح الوطنية للطلبة ، لذلك تقول “كان الاحتلال له بالمرصاد واعتقل من عام 1985 حتى عام 1988 بتهمة الانتماء لحركة (فتح) والعمل العسكري في مواجهة الاحتلال الذي كان يسعى لابعاده عن الجامعة وحرمانه من تحقيق حلمه في الحصول على الشهادة الجامعية والتخرج “.وكانت قوات الاحتلال اعتقلت شقيقه خالد 16 عاما ، وحوكم بالسجن لمدة 15 عاما و بعد قضاءها جرى إبعاده للأردن بسبب العمل السري في عام 1986 .الانتفاضة والابعاد عندما افرج عنه ، كانت الضفة الغربية تشتعل في مواجهة الاحتلال ، وتقول حرب “تجربة الايام المريرة في سجنه ورحلة العذاب القاسية لم تؤثر على عبد الله ، فلم يتردد عن تادية واجبه ودوره النضالي ، وبعد 3 شهور من الافراج عنه في شهر(ايلول) عام 1988 ، وفي شهر كانون الاول من العام نفسه تزوجنا ولكن الاحتلال كان له بالمرصاد ففي اليوم الخامس من زفافنا اعتقلته قوات الاحتلال لتنغص عليه فرحة العمل وامضي شهر في السجن ، لكن الاحتلال استمر باستهدافه بتهمة العضوية في قيادة الانتفاضة التي كانت تعيش مرحلة مقاومة باسلة وتصدي للاحتلال وسياساته ، فاعتقل زوجي 3 مرات اخرى خلال عامين من زواجنا إداريا بما معدله عام ونصف لم تنال من عزيمته ومعنوياته ، ورغم ذلك استمر في عطاءه ونضاله الطلابي والوطني كقائد للحركة الطلابية في جامعة النجاح الوطنية حتى كان الحصار الإسرائيلي الشهير للجامعة الذي انتهى بإبعاده في شهر تموز عام 1992” . وخلال إبعاده كانت كفاح حامل باول ابناءها وانجبت هبه عام 1993 وهو في تونس .

عطاء الزوج والزوجة

ومثلما كان عبد الله يجسد صور الصمود بمزيد من النضال والعطاء في المنفى ، فان الزوجة الوفية لم تتخلى عن تادية واجبها ، فهي تمتلك من التجربة النضالية والخبرة المجتمعية ما يكفي لتخلعها مساندة له في خطواته ، فقد كانت اول معتقلة في بداية الانتفاضة الاولى ، وبسبب نشاطها الطلابي والوطني في جامعة النجاح حيث شغلت منصب عضو مجلس الطلبة و دورها في اتحاد لجان المرأة للعمل الاجتماعي فرضت عليها الإقامة الجبرية لمدة عام وحرمت من دخول الجامعة ، ولكنها أصرت على الدراسة وحصلت على درجة الماجستير في التخطيط والتنمية السياسية من جامعة النجاح الوطنية ، وفي مرحلة لاحقة عملت في وزارة الشباب والرياضة .اما عبد الله ، فادى واجبه النضالي وعينيه تتطلع للعودة للوطن ، لمواصلة مشوار النضال ولاسرته خاصة لطفلته الاولى التي حرم منها حتى تحقق له حلم العوده في 17-7-1995، وتقول زوجته ” منذ اللحظات الاولى التحق بصفوف السلطة الوطنية ، والتحق بجهاز المخابرات ليكرس قدراته وإمكاناته في خدمة المشروع الوطني لبناء الدولة ، فكانت له بصمات كبيرة وواضحة خلال تادية مهامه وعمله كمدير للمخابرات في سلفيت وطولكرم وقلقيلية واخيرا بيت لحم ، وفي هذه المرحلة رزقنا بابني يوسف.

المطاردة والحصار

وجنبا لجنب حرص عبد الله وزوجته كفاح على بناء أسرة سعيدة تعيش حياة أمنة على ارض الوطن رغم الظروف الصعبة التي بدأت تلقي بظلالها على كل الشعب الفلسطيني في ظل إجراءات الاحتلال بعد الانتفاضة الثانية،حيث فوجيء الجميع بزج اسمه في احد العمليات ليصبح مطاردا ، وتقول ام يوسف ” واصل عبد الله تأدية مهامه على راس عمله كمدير لجهاز المخابرات في بيت لحم ، وفي احد الأيام سمعت في برنامج تبثه محطة محلية لترجمات الأخبار الإسرائيلية ، خبر عن وقوع عملية في القدس وسمعت ان إسرائيل حملت المسؤولية الكاملة لزوجي عبد الله ، وفور سماعي ذلك أبلغته بالخبر وطلبت منه اتخاذ الوقاية والحذر لحماية حياته لان الاحتلال سيلاحقه ويقتحم منزلنا”.وما حذرت منه الزوج تحقق ، وأصبح اسم عبد الله ضمن قائمة المطلوبين للاحتلال ، وتقول ” واجهنا العديد من الصعوبات في ظل استهداف الاحتلال له والتهديد بتصفيته ، وخلال مطاردة شهرين تعرض للتهديدات عدة مرات حتى وقع الهجوم على بيت لحم الذي بدأت خلالة رحلة الحصار داخل كنيسة المهد ، فحوصر عبد الله مع 250 شخص ورغم ذلك بقي يمارس عمله ودوره ، فكان حريص على الحفاظ على امن الكنيسة و المحاصرين ومنع ارتكاب المجزرة التي توعدت فيها إسرائيل التي منيت بخيبة كبيرة وعجزت عن اقتحام الكنيسة ، وتضيف ” خلال الحصار تعرض منزل عائلة عبد الله لقصف جزئي بينما حرص على نفي وجوده في الكنيسة لتضليل الاحتلال والحيلولة دون كشف قوائم المطلوبين والمقاومين المحاصرين معه لأنه كان حريص على عدم إخضاعهم او النيل منهم ، حتى تم إبرام صفقة الاتفاق على الإبعاد ، فكان عبد الله اول من خرج من الكنيسة للتأكد من عدم استهداف الاحتلال لرفاقه او المساس بهم ، والجميع يشهد بدوره البطولي كونه كان قائد معركة الصمود وإفشال مخطط الاحتلال من الحصار وتصفية المقاومين “.

معاناة مستمرة

ككل المبعدين وذويهم لم تتمكن كفاح من وداع زوجها لدى مغادرتهم الكنيسة في 10-5-2002، لكنهم كانوا على موعد مع وقائع اكثر قساوة ، فطريق عبد الله للمنفى كانت اكثر صعوبة ومأساوية من مخاطر وقلق الحصار وحتى فترات اعتقاله وتجربة مطاردته ، وتقول حرب ” لم نكد نتنفس الصعداء لنجاة عبد الله ورفاقه رغم حزننا بسبب الإبعاد حتى توالت الصدمات فبعد وصوله لقبرص رفضت الدول الأوروبية استقباله كباقي المبعدين بحجة انه “ارهابي” ، بقي في الفندق لمدة 7 شهور ورفض ان نقوم بزيارته حتى تتم حل مشكلته ، وبعد جهود ومعاناة طويلة وافقت دولة موريتانيا على استقباله ، وبعد 20 يوم لحقنا به واستقرينا معه ، وتلك الفترة كانت بمثابة اعتقال وسجن كبير لنا بسبب ظروف الحياة والإقامة والتنقل بين أسرتنا في الوطن وعبد الله ، وتضيف ” كل لحظة كانت مأساة تفوق السجن والمعاناة المعنوية اكبر من المادية “.

جزائر الأحرار
محطة الوداع لمسيرة قائد.

على مدار خمس سنوات في موريتانيا ، فشلت خلالها كل الجهود في تحقيق امله ورفاقه في العودة بينما نال منه المرض ، وتقول زوجته ” كان يعاني عبد الله من الم شديد في ظهره وعندما تدهورت حالته الصحية تمكن من التنسيق مع احد أصدقاءه في الجزائر للانتقال لمواصلة العلاج ، وواجهنا صعوبات كبيرة من قبل الجهات المعنية في الاتحاد الأوروبي حتى وصل للجزائر في شهر ايار عام 2005 ، وبعد العلاج تحسن وضعه وأصبح يعمل كمستشار في سفارة دولة فلسطين في الجزائر” .

المؤتمر والشهادة بعد المعاناة

تجدد الامل لدى عبد الله بالعودة للوطن مع بدء التحضيرات لعقد المؤتمر الحركي السادس “لفتح” كونه احد أعضاء المؤتمر في إقليم بيت لحم ، وتقول ” أجرى زوجي اتصالات مع كافة الجهات لاستغلال الفرصة لكسر قرار إسرائيل بمنع عودة المبعدين ، وتوجه للأردن لينطلق مع الوفود نحو وطنه عام 2009 ، ولكن لم تسمح له قوات الاحتلال ، مما شكل صدمة قاسية له بعدما ضاع الأمل مرة اخرى ، والذي تضاعف مع وفاة شقيقاه حسن واحمد وشقيقته حسنية خلال إبعاده
عاد عبد الله للجزائر بعدما أقام في الأردن لثلاثة شهور وشعر بمشاكل صحية ، وفي يوم الجمعة 19/3/2010،أجريت له في المستشفى العسكري في الجزائر عملية قلب مفتوح،وتقول كفاح ” تكللت العملية بالنجاح وفي 21-3 وصلت الى الجزائر وزرته بالمستشفى وكان وضعه الصحي صعب جدا لان العملية كانت صعبة جدا،وبعد يومين دخل في غيبوبة واستشهد نتيجة انفجار” الابهر” في القلب وجسمه لم يتقبل كمية الدم في 24-3-2010 توفى الشهيد عبدالله وهو يوصي بدفن جثمانه في الوطن الذي حرم من العودة اليه حيا ”

طريق العودة

وبين الصدمة والالم ، اصرت الزوجة على تحقيق حلم راحلها الكبير و عودة جثمان عبد الله لفلسطين والذي تحقق في 28-10-201 ، ليدفن في مقبرة الشهداء في مخيم بلاطة ، وتقول زوجته ” كانت صدمتنا كبيرة خاصة لأبنائي فقد تحولت حياتنا لجحيم ومأساة ولكن ما يصبرنا اننا نعيش في ظلال الذكريات العظيمة التي سطرها بتضحياته وما شكله من قيم ومبادئ ونضالات وأحلام سنبقى ندافع عنها ونتمسك بها وفي مقدمتها النضال لعودة رفاقه المبعدين احياء” ، وأضافت لذلك أطلقت الحملة الوطنية لعودة مبعدي كنيسة المهد أحياء خوفا من عودتهم كما عاد الشهيد عبد الله ، ونحن نعمل على تفعيل واحياء هذا الملف من خلال تكاتف الجهود الرسمية والشعبية لعودة المبعدين إحياء.وقالت كفاح:” في ذكرى رحيل زوجي ، نتوجه بنداء للجميع لتأدية دورهم وواجباتهم تجاه هذه القضية الوطنية الملحة ، و نؤكد ان الوفاء لذكراه وكل الشهداء يتمثل في وضع قضية المبعدين على رأس سلم الأولويات في ظل ما تمارسه إسرائيل من سياسات تسعى لتكريس إبعادهم للابد ، ومثلما صمد ولا زال المبعدين يناضلون ومتمسكون بتأدية واجباتهم الوطنية فعلى الجميع التجند معهم في هذه المعركة ، لان الملف سيبقى مفتوحا حتى عودة اخر مبعد “.

شاهد أيضاً

القدوة: غزة العمق الاستراتيجي للدولة الفلسطينية

إعتبر عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح”، مفوض الإعلام والثقافة والتعبئة الفكرية د. ناصر القدوة، أن …

اترك رد

Translate »