الشهيد زهير الناطور كتب عيسى عبد الحفيظ

قلم من ركام النكبة ومن عذابات الذين فقدوا ديارهم وحقولهم وذكرياتهم المفعمة برائحة الزعتر البري، واريج الزهور في بداية الربيع، وانحناءات سنابل القمح في البيادر، وتغريدات البلابل في الفجر، وذكريات ؟؟؟ تمتد الى مئات السنين، انطلقت صرخة الطفل زهير الناطور في بيت ريفي في قرية العباسية تعلن ميلاد طفل فلسطيني.
كانت صرخة الحياة عنادا ورفضا لما كان يجري من تهجير وقتل وتدمير واقتلاع شعب بأكمله من وطن كان طافحا بالسمن والعسل، وآلاف السنوات من التجذر في الارض السمراء التي لم تبخل على اصحابها في العطاء صيفا وشتاء كرد للجميل لحبات العرق المتساقطة من جباه الفلاحين البسطاء الذين كانت الارض بالنسبة لهم كل شيء في هذا العالم.
كان زهير الطفل الباكي على صدر والدته يتنقل معها من قرية الى اخرى حتى وصلت به الى مخيم عقبة جبر في اريحا ليستقروا هناك اسوة بالآلاف من ابناء وطنهم فلسطين لاجئين في مخيم يفتقر الى ابسط شروط الحياة الانسانية.
بدأ حياته البسيطة من المخيم لينهي دراسته الثانوية في اريحا، ثم ليلتحق بجامعة بلغراد عام النكسة، وكأن القدر كان له بالمرصاد من نكبة يوم مولده الى نكسة عام تخرجه من المدرسة الثانوية.
لذا، لم يكن غريبا ابدا ان يلتحق بحركة فتح في السنة التالية مباشرة وليسجل اول حضور ثوري في ديار الغربة.
بدأ من العضوية وقسم الاخلاص ليرتقي الى منصب امين سر الاقليم هناك عمل بجهد ملحوظ لترتيب اوضاع الاقليم التنظيمية في وقت كانت ساحة يوغسلافيا تشهد معتركا من الخلافات والتناقضات خاصة بعد تواجد تنظيم صبري البنا بقوة في الساحة اليوغسلافية، وظهور ما اصطلح على تسميته (بالدكاكين) التي حاولت استقطاب شباب التنظيم على شكل مجموعات تابعة لاشخاص او لاجهزة، مما دفع الشهيد زهير والاخوة في لجنة الاقليم اذكر منهم الصديق ابراهيم خريشة سفير دولة فلسطين في سويسرا، والاخ بدر عقل القائم بأعمال سفارة فلسطين في بلغراد والاخ ثابت للتصدي والمجابهة لمثل تلك الظواهر المرضية والتي كانت تسعى جاهدة للشرذمة وتفتيت الجهد الجماعي وتعكس صورة سلبية امام الطلبة الجدد وامام الرأي العام الرسمي والشعبي في يوغسلافيا البلد الصديق والداعم للقضية الفلسطينية.
لم يسجل حضوره التنظيمي كمسؤول عن الاقليم اي معنى معنويا اذا لم يقترن القول بالفعل، فما ان بدأت المؤامرة على الثورة في لبنان حتى هب الشهيد زهير ورفاقه من الاقليم امثال الشهيد حليم، والشهيد ابراهيم اسد، والشهيد انطوان ابو عيطة، والشهيد حازم رضوان، والصديق ابراهيم خريشة الى ترك مقاعد الدراسة والالتحاق بصفوف المقاتلين في (القماطية) اين تقابلنا هناك.
عاد الى ساحة النضال ليخوض انتخابات تنظيمية وينجح في الحصول على عضوية المؤتمرين الرابع والخامس لحركة فتح ممثلا عن اقليم يوغسلافيا في دورة المجلس الوطني الفلسطيني العشرين والتي انعقدت بالجزائر عام 1990 هاتفني الشهيد زهير من بلغراد يستفسر اذا كان بإمكانه الحضور حيث كانت التعليمات المشددة ان لا يسمح لاحد بالحضور اذا لم يكن مدرجا على قوائم المشاركين، تم اضافة اسمه على السجلات وحضر الدورة وكانت آخر مرة اشاهده فيها حيا.
دارت الايام وتم تعيينه سفيرا لفلسطين في بلغراد بعد هذا الجهد المتميز في كل المجالات الوطنية، وكان ذلك عام 1995 بعد ان تزوج ورزق بثلاث بنات.
كنت مع الصديق ابراهيم خريشة في مقر الاتحاد العام لطلبة فلسطين في رام الله صباح احد الايام واذا بالهاتف يرن من بلغراد حاملا النبأ المشؤوم، استشهد زهير في حادث سيارة عند عودته مع اسرته من المجر في طريقه الى بلغراد؟ فقد ابراهيم خريشة اعصابه وبدأ بالصراخ على بدر عقل الذي نقل اليه النبأ المشؤوم وبلغ به الحد ان قال صارخا: كيف يحدث هذا وماذا تفعلون انتم يا…؟ حاولت تهدئته كمؤمنين بالقضاء والقدر وكان هو من القى كلمة التأبين في مقبرة عقبة جبر بحضور كثيف لرفاق الشهيد وهم كثر. وهكذا وبتاريخ 17/10/1998 غاب زهير الناطور عن الدنيا ليرقد تحت تراب اريحا بانتظار نقل جثمانه الى مسقط رأسه في العباسية. ترى، هل يحظى زهير بمساحة لحد في المكان الذي انطلقت منه صرخة الحياة الاولى؟

شاهد أيضاً

رسائل الجماهير المحتشدة .. فتح ما زالت بخير

بقلم: الكاتب الباحث/ ناهض زقوت لقد اكدت الجماهير المحتشدة في ساحة السرايا والشوارع المحيطة بها …

اترك رد

Translate »