ثالوث البناء المتطرف في فكر “الاخوان” القطبيين! كتب بكر أبو بكر

في الرد على المقال الهام للأخ ماهر حسين الكاتب المبدع والوطني الصلب والمؤمن الواثق الذي كتب مستعجبا من اتهامات الزهار العنيفة والخارجة عن اللباقة، كتبت له أقول:

أشكر لك هذا المقال الهام والصادق والذي جعلني أنطلق بالرد مستعينا بالله سبحانه وتعالى وتوفيقه

أنت تعلم يا أخ ماهر أن د.محمود الزهار-ومجموعته أو تياره بالإخوان وحماس- ينهل من الثقافة الاخوانية المطلقة الأوحدية الصواب، وتلك المتشددة أو بوضوح تيار “عبدالرحمان السندي-سيد قطب-مصطفى مشهور” أو ما أطلق عليه عمر التلمساني “تنظيم العشرات” ما سأتحدث عنه في الحلقة القادمة في فضائية “عودة”.

إن مدرسة الثالوث “مدرسة العشرات-نسبة لسجنهم عشر سنوات من الاعوام 1965-1975” مدرسة القطبيين، هي مدرسة تستند الى مقومات “الايهام” للآخر المتلقي من الناس أنه هو وحده الحق=وحده الإسلام، ما يوقع الروع والخوف من مخالفته، لأنه الإسلام بعينه (نحن أهل الحق/أهل الصدق/التنظيم الرباني/هذا الأمر كله=الدعوة الاخوانية من القرآن…الفسطاطين بلسان خالد مشعل مرارا) ما عبر عنه بإخلاص شديد وايمان د.محمود الزهار، فهو لا يقول إلا ما يمثله التيار الحاكم والمسيطر بالاخوان منذ 1996 ، استكمالا لتأثير قطب فيما سبق.

عموما فكر الزهار صريح اخوانيا ووطنيا، إذ لا وطن مع فكرة الدولة الاسلامية=الخلافة=استعادة مجد الاسلام من خلال “فهم” الإخوان كما أكد عليه البنا مرارا فيما أسمى وصاياه العشرين، لاحظ “فهم” الاخوان للاسلام.

الزهار هنا “بفهم” الاخوان إذ ينزّه ذاته المكتملة (القرآن=الدعوة=البنا=الزهارأو أي منهم) يسقط أوهام فكرة حزبه على الناس كما فعل الزهار في المسجد الجمعة الفائتة من شهر ابريل 2015 في غزة، فضلل المسلمين ضلالا شديدا ، حيث استخدم الآيات الكريمة المختلفة (قاتلوهم حيث ثقفتموهم/من يتولهم فهو منهم/…) بشكل إسقاطي مختل، من رجل يظن نفسه يمثل الاسلام وحزبه حيث اجتزأ وأوهم وأسقط وعكس على ذاته المطلق والصلاح والحق والآخرين ضمن تشبيهاته للاخوان أنهم المسلمين وحدهم، ولمن يخالفه هم كفار قريش حسب تطويعه للآيات بشكل لافت، عدا عن تفسيراته للآيات ما لا يتفق فيها معه كثير من المفسرين أصلا.

الزهار وطنيا-وتياره المتشدد في حماس- وكذا الاخوان عندهم “التمكين” مرحلة ثالثة، ولا يجوز بعد أن حصلت (في غزة كما بالسودان اليوم) لا يجوز التخلي عنها مطلقا، ومن الممكن استخدام كافة الأسلحة حينها -حين التمكين- ضد المخالفين، ما قاله ونظّر له حسن البنا الذي هدد بالانقلاب على الحكومة المصرية في المؤتمر الخامس للاخوان عام 1938 (ص43 نصا: ان الاخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولا….)؟

لماذا ؟ يرد بالقول لأن (الاخوان المسلمين يسيرون في جميع _لاحظ التنزيه في جميع_ خطواتهم وأعمالهم على هدى الإسلام الحنيف كما “فهموه”…..وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمين يجعل الحكومة ركنا من أركانه ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد وقديما قال الخليفة الثالث رضي الله عنه إن الله ليزع بالسلطان ما لا بالقرآن وقد جعل الرسول الحكم عروة من عرى الإسلام والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع ….فإن القعود عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها الا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف ص 45)

ناهيك عن الخلط الفقهي فيما قاله حسن البنا الساعاتي أن الحكومة أو الدولة أو الخلافة ركنا أو من العقائد ما هو غير صحيح البتة، بل العكس هو من أمور الاجتهاد لا من العقائد، وعدا عن خلطه أنه من الأصول وقد أخطا ثانية فهو في كتب الفقه عدا الشيعة من الفروع ضمن السياسة الشرعية، ثم أخطا ثالثا في نقل قول عثمان المتناقض مع القرآن كمطلق قول، وحتى لو صح عن عثمان رضي الله عنه فقصد به وقتها المحاربين له في فترة الفتنة عليه، والقول الأصدق عامة هو أن قوة القرآن (يزع) أشد من السلطان في نفوس المؤمنين الأتقياء والعكس يشمل فقط المؤمنين الضعاف.

إذن د.محمود الزهار ينهل من هنا فهو يريد إعادة حكم الإسلام جبرا واستبدادا بفهمه هو، وقسرا لأنه هو الإسلام أي هو ودعوته وفهمه أو فهمهم الأوحد للإسلام كما قال البنا ثم أصّله قطب ثم مصطفى مشهور الذي طالب بالتوقف للمسلمين عند فهم واحد فقط، تصور رغم تعدد اجتهادات المسلمين ما هو نعمة كما يقول الرسول.

أنظر لمنطق الجبر والاستبداد في أسلوب عبدالرحمان السندي رئيس النظام الخاص أي التنظيم السري في الاخوان منذ البنا، الذي حله المرشد الثاني حسن الهضيبي، وهذا الرجل الذي قابله عمر التلمساني “المرشد ما بعد الهضيبي”، الذي قابل السندي فترة الأول ليحاول فهم سبب العداء بينه والمرشد الهضيبي فقال له التلمساني كما يروي: أهذا رأي جماعتك؟ قال السندي: أنا لم أعتد أن آخذ رأي أحد؟؟ هكذا كان انعكاس الطغيان والاستبداد الناشيء عن مفاهيم السمع والطاعة المطلقة العمياء في داخل التنظيم السري الذي وصل لدرجة العبودية للسندي في مقابل طغيانه، ما تجده في التنظيمات السرية القتالية عامة منذ الحشاشين حتى مليشيات حماس اليوم.

إن فكر الزهار بعملية “تسويق الوهم” وتغليفه بسوليفان القداسة، على أنه حقيقة ينطلق من اكتفائه بذاته، وبما فهمه سابقا دون أن يتبحر ويتفقه وينظر مجددا بالمتغيرات بالاتجاهات الأربعة، وبأفكار البنا من أكثر من 80 عاما التي جاءت في ظرف تاريخي مختلف كليا عن الوجه الحديث الذي ليس فيه القطيعة والمفاصلة ومنطق المعسكرين والفسطاطين بين المسلمين، عدا عن التطور الكبير الحادث في فهم معنى الدولة كوسيلة تؤطر كافة القوى والأفهام والجماعات ثم معنى المدنية ثم معنى الديمقراطية…الخ وهي أفهام حاربها البنا ثم توقف عندها يتأمل ما هو فضيلة تُحترم، إلا أن التيار القطبي أصّل رفضها.

نقول إن هناك خطورة عظمى لانتشار الفهم الضيق مقابل الفهم الرحب، ولانتشار عقلية الانسحاق والإذعان دون تفكير، لأن الفهم الضيق هو فالهم القطعي الاحتكاري الحصري للإسلام (وفي أي فكرانية=أيديولوجية) هو تضييق وهو الذي أصّله الثلاثة (البنا في فترة بحثه عن الخلاص وعسكريا عبر السندي-قطب-مشهور….) وما زال يمثل فكر الإخوان الرسميين اليوم ان استثنينا نموذج تونس والمغرب وتركيا التعددي المستنير.

سأعيدك أيضا لسيد قطب -رحمه الله ورحم كل أمواتنا- الذي انبهر بالحضارة الغربية في أمريكا وساءه الفساد الخلقي وتحرر المرأة والتمييز العنصري ضد السود حينها في أواخر الأربعينات والخمسنيات عندما ذهب هناك، ومقدار الحريات الشخصية والجرأة فيها فأسقط في ذهنه أن الحل برفض هذا المجتمع وقيمه وبالتالي رفض المجتمع المماثل له المشابه كما يظن أي المجتمع العربي والمصري والإسلامي إذ اعتبره بكل سذاجة يعيش الجهالة منذ قرون؟! تصور منذ قرون؟

أنظر أيضا وتعجب (ارتدت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان ونكصت عن لا إله إلا الله وإن ظل فريق منها يردد على المآذن: لا إله إلا الله) في ظلال القرآن ص2009ط. دار الشروق الشرعية

ومازال في الجعبة الكثير اقرأ حيث يقول قطب: (إنه ليست على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي) الظلال ص 1222ط. دار الشروق،

ويرسم سيد منهجاً تكفيرياً لما يسميه حركات البعث الإسلامي بوصيته لها (أن تتبين أن وجود الإسلام قد توقف (منذ فترة طويلة)، فتسير، بذلك على صراط الله وهداه) وتحذيرها من: (أن تظن لحظة واحدة أن الإسلام قائم وأن الذين يدعون الإسلام ويتسمون بأسماء المسلمين هم فعلاً مسلمون، فتسير وراء سراب كاذب تلوح لها فيه عمائم تحرّف الكلم عن مواضعه وترفع راية الإسلام على مساجد الضرار) العدالة ص185 و216ط. دار الشروق.

أليس في هذا كل الوضوح للمنهج في التفكير حيث التنزيه والتقديس للمعسكر الايماني ضد الشيطاني الممثل بمن هم غير “الاخوان”؟ وبمنطق تفسير وفهم ضيق…بل ضيق جدا

لقد تأثر سيد حينها بما وصل يديه من فكر أبوالأعلى المودودي الذي كان يجهّل ما غير المسلمين من الهنود فأسقطه قطب على المجتمع المسلم ذاته، ما هو من انعكاس شخصيته المغلقة على المفاهيم ما حدا به لاحقا لكتابة “المعالم” بمنطق الولاء والبراء والاستعلاء على الآخر المخالف ومنطق تجهيل كل من لا يحمل فكره وضرورة الانقلاب عليه بالقوة ما مهد بقوة للتكفير، مما تعرفه في المعالم.

وكان ثالثة الأثافي مصطفى مشهور المرشد الخامس لهم واليك غيض من فيض مما يقوله أيضا وسار على دربهم د.محمود الزهار ومن والاهم من التيار، باستثناء أولئك الذين رفضوا هذه المدرسة القطعية أمثال الخرباوي والمليجي وأبوالعلا ماضي والشيخ الغزالي والشعراوي وأبوالفتوح ومحمد حبيب والباقوري…الخ

يقول مشهور في كتابه عن الجهاد-موجود على الشابكة في موقع موسوعة الاخوان المسلمين- حيث يخلط متعمدا بين الجهاد بمعنى قتال اليهود وقتال المشركين أيام الرسول (لزوم اسقاطات القداسة على الدعوة) وبالتالي أو بالتعدي على القتال في المجتمعات،… تأمل معي

“والإخوان عندما يقدمون شبابهم للجهاد في الوقت المناسب، لا يلقون بهم إلى التهلكة” هنا هو يبرر إرساله لهم الى افغانستان على عكس قرار المرشد حينها، ويضيف

“وحينما تهيأت الظروف نزل الإذن بالقتال في قوله تعالى:(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)(الحج:39).

…وعلى هذا الضوء لن يستمر موقف الإخوان من الاعتداءات المتكررة عليهم سلبيًا، ولكن لا بد من يوم يعذرون فيه إلى الله ويردون العدوان ويدافعون عن أنفسهم.

ليس الجهاد لدفع الأذى فقط…ولكن لإقامة الدولة المسلمة أيضًا” ]أنظر تجهيل المجتمع وانظر المقارنة الباطلة بين الاخوان=المسلمين، والأخر=عامة الناس في البلد=الكفار

وتحت عنوان الاستشهاد على طريق الدعوة في نفس الكتيب يقول

“وليعلم شبابنا المسلم أن المعركة بين الحق والباطل معركة شرسة وممتدة زمانًا ومكانًا لتشمل الساحة الإسلامية، وليعلموا أن الجهاد هو السبيل وأن التضحية بالنفس والمال أمر حتمي، وأن فرصة الجهاد والاستشهاد ستزداد خلال عشرات السنين القليلة القابلة كمقدمات لمرحلة الجهاد والتمكين بإذن الله كما حدث في عهد الدولة الإسلامية الأولى بعد مرحلة الإيذاء والتعذيب

كما ترى عقلية التنزيه للذات وفكرة الدولة الاسلامية الجامحة من المجتمع غير الإسلامي، تحتاج القوة في كل مكان وإن كان من فترة كمون فهي للاستعداد فقط، لأن الوثبة على الحكم هي عروة وعقيدة(؟!) (كما حصل مثلا في انقلاب غزة عام 2007، وفي انقلاب مصر بتسنم أكتاف ثوار مصر عام 2011، وكما حصل في انقلاب السودان…) وهي أصل ومن لا يفعلها مجرم فكيف الحال وحماس سيطرت على غزة وذاقت حلاوة السلطة والكرسي الوثير والاموال والهيلمان والتحكم في رقاب الناس

إن تصريحان الزهار ذات الطابع الحاد والتحريضي كما لاحظت هي نابعة من اعتقاده الجازم أنهم في مرحلة تراجع ومرحلة انهيار في ظل تفتت الاقليم، لذا وجب فتح الرشاشات ضد الجميع لإحداث المفاصلة بين الفسطاطين فلم يبق له الا الاتهامات بالتخوين والتكفير والشتم المقذع كما بدا يقوم به بقوة النواطق في حماس في محاولة لايقاف التدهور الحاصل في “الدولة” التي أقاموها، وفي الانفضاض الشعبي.

إن العجز عن تطبيق نموذج “الدولة الاسلامية” كما يفهمونها، بعد أن حصل “التمكين” لا يستطيع أصحاب الفكر القطعي المقدس المكتفي بذاته أن يفهموها وينتقدوا أنفسهم ويصوبوا مسارهم، وكيف يكون ذلك؟ فهم على مدى تاريخ الجماعة لم يعترفوا بنقيصة-ألا ما ندر- ولم يعترفوا بخطأ كبير أو هزيمة لأن الإسلام=الاخوان لذا هم فقط ينتصرون دوما، فلا يبقى من أسلحة يلطمون بها الأحداث والآخرين إلا أسلحة المؤامرة على الاستلام=عليهم، وأسلحة التآمر مع العدو ضدهم، وتفعيل منطق التبرير لأنفسهم ضمن مقولات: المحنة والابتلاء والمظلومية في كل فترة يتم القضاء عليهم أو فشل تجربتهم.

إن عقلية المراجعة والنقد –فلا ابداع بلا نقد-والحوار والاعتراف بالآخر والتعددية دون استغلال الدين واسقاطه على الناس وهما مترابطا منسجوا على مقاسهم فقط، وعدم تنزيه فهم وفكر الذات هي الباب الذي يجب أن يفتح في عقول أمثال هؤلاء ليدخلوا فضاء الرحابة ويخرجوا من الغرفة الضيقة التي حشروا فيهما أنفسهم ما نتمنى فيها لهم الهداية كما لنا.

شاهد أيضاً

ياسر عرفات.. الدولة والوحدة

بقلم: رئيس تحرير صحيفة “الحياة الجديدة” ثلاثة عشر عاما مرت على رحيله الموجع وما زال …

اترك رد

Translate »