الخطاب السياسي بين براغماتية النهج وعطب الذاكرة كتب د. محمد صالح الشنطي

مشكلة المشاكل في وعينا السياسي أننا نتعامل مع الوقائع بالقطاعي ، و لا نربط بين الأمور ؛ فاللاحق يمحق السابق وهكذا ، وليس ثمة من يريد أن يجهد نفسه في البحث في ركام الذاكرة ؛ الأمر الذي يقود إلى النسيان و التمركز حول كل واقعة على حدة ، وهذا كان موضع ترحيب من قبل أصحاب الخطاب السياسي التجزيئي الذين يشجعون النسيان و يرونه فضيلة الفضائل و لب اللباب ، وأي خطاب سياسي على هذا النحو يفتقر إلى المبادئ و المصداقية و الشفافية ، فتغيب التراكمية والرؤية الشمولية فتتشظى الرؤية وتضيع البوصلة ؛ والأهم من ذلك كله أن يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين الأشياء فيقع في حبائل التضليل المبني على القياس الزائف ؛ فضلا عن ثالثة الأثافي التي تتمثل في لغة الخطاب و ما تنطوي عليه من استغفال لعقل الجماهير حيث تغرقه في لجة العموميات والمطلقات وتصادر قدرته على التفكير بعمق فتتلبسه حالة من عقلية القطيع إن أحسن الناس أحسن وإن أساءوا أساء وكل ما يرضي العقل الجمعي يرضيه وتتجسد مقولة (عنزة و لو طارت).
المتتبع للكلمات التي ألقاها زعماء الحركة (حركة حماس) تكشف عن استخدام تعبيرات بعينها يمكن فهمها في ضوء علم تحليل الخطاب ، ثمة تركيز على معجم بعينه تقع في حقول دلالية محددة ، ولعل أبرز ما يميز هذا المعجم المصادر المطلقة الدلالة (أسماء المعاني) المجردة من الزمان والمكان ، مفردات تتكرر في كل الخطابات بعضها موسمي يقال في ظروف و مناسبات معينة ، و بعضها كملح الطعام يخالط كل مناسبة ، أصبح من الثوابت ، فمفردات الكرامة والعزة والانتصار والصمود و المقاومة والتفريط والتنسيق والاستسلام والعمالة و القمع وما إلى ذلك لوازم ثابتة في هذا الخطاب لا تتغير يضاف إليها الانتصار وتوازن الرعب والاستشهاد والاستبسال في أعقاب الحروب فضلا عن قاموس الشتائم الذي امتاز به بعض القادة العظام الذين يتربعون صباح مساء في فضائية الأقصى والقدس و الجزيرة مباشر التي أدمن بعضهم الإطلالة من خلالها و منح إقامة دائمة فيها . وبعض مفردات الشتائم تصل إلى حد الإسفاف مثل فلان (يكون قائدا أو زعيما و في الحد الأدنى إنسانا) كالحمار ينخزه فلان أو فلان يمكن إرساله إلى مستشفى المجانين (وهذه عبارات جرت بسلاسة وعذوبة وتدفق وفصاحة على لسان الدكتور البردويل نفعنا الله بفصاحته وكشف عنه ضر الغطرسة والغرور والسخرية حيث يتم تجاهل قول الله تعالى ” و لا تلمزوا أنفسكم و لا تنابزوا بالألقاب” وأشهد أنه أحد المبدعين في فن السخرية من الآخرين هدانا الله وإياه) ، وفلان غبي وفلان كذا وكذا من أقذع الشتائم وأكثرها إسفافا ، وكأن الله سبحانه وتعالى خصهم وحدهم بالفهم و الوطنية و النقاء و الشفافية ، فهم الربانيون المصطفون المجاهدون الذين اختارهم الله من خاصة خلقه .
وقد برزت تعبيرات جديدة في أعقاب صدور بعض الأحكام القضائية ضدهم ، وهذه الأحكام بالمناسبة لا تجد ترحيبا من أحد، فحماس في نهاية المطاف حركة وطنية لا بسرنا أن توصف بالإرهاب ؛ ولكن الخطابات التي أعقبتها بلغت ذروة الاستعلاء والتمجيد والتنزيه ؛ فعلى لسان السيد مشير المصري ترددت عبارات حماس الطائفة المنصورة ، نحن الذين ينبغي أن يصلى علينا وأن تأتي الأطراف كلها لتبريء ساحتها أمامنا ، نحن شرف الأمة ، ونحن الذين أنقذنا العالم العربي من سوريا إلى العراق إلى … إلى ،وكأن الذين يتحدث عن إنقاذ حماس لهم يعيشون في ثبات ونبات ولا يعانون الأمرين ، وكأن حال الأمة على ما يرام بسببهم ، فلهم الفضل من قبل و من بعد، وهذا بلا مبالغة، ويمكن مراجعة خطاباتهم على اليوتيوب ؛ فليس ثمة ما يدفعنا إلى مهاجمة حماس أو التقليل من شأنها ؛ و لكنها رؤية موضوعية تتعامل مع واقع حقيقي ؛ فليس ثمة ما يدفعنا إلى معاداتها أو التنكر لها ولكن من أجل تصحيح المسار ،و ما أشير إليه موثق ونحن في عصر ثورة الاتصالات وكل شيء متاح فلا مجال للافتراء ،ولو اتسع المجال لأتيت بنماذج مكتوبة . وأعرف أن الذين يعتنقون منطق (عنزة ولو طارت) لا يعجبهم ما أقول ؛ ولكنني أتمثل الآية الكريمة “فبأي آلاء ربكما تكذبان”
هذا الخطاب السياسي يرفده خطاب إعلامي تحمله أكثر من عشرين فضائية منها فضائيات شهيرة لها أجندتها المشبوهة ، وشخصياتها التي تسعفها في المناسبات بما يناسبها ، وكأنهم في أدراج مكاتبهم يخرجونهم متى يشاؤون ، زمرة إعلامية بعضهم يتحدث بحسن نية و هم قلة و بعضهم بسوء نية ؛ و والله لأحس بالخجل حين تذكر أسماؤهم ، وبعضهم للأسف من فتح لهم شخصياتهم القيادية المهمة ، و لم نكن لنشك لحظة في إخلاصهم ، كنت أستغرب كيف يتم استمالتهم ، ولكن الهوى غلّاب والدفاع عن المصالح يجعلهم ينزلقون في منزلقات غير متوقعة في تلك الفضائيات التي تخدم الخطاب السياسي الخصم ، ولن أنسى موقف قائد في فتح حين خرج على فضائية الجزيرة أيام أزمة(جلاد ستون) الشهيرة وتماهى مع الموقف المضاد لحركته وهو الذي كان ينتقد الجزيرة صباح مساء ، وكان متنفذا إعلاميا ، ولكنه آثر أن يتخذ موقفه هذا حين لم يحالفه الحظ في انتخابات اللجنة المركزية ، و موقفه من الرئيس الراحل أبو عمار بعد خروجه من المقاطعة في أعقاب فك الحصار الأول عنه حيث كان ينتظره مدير مكتب الجزيرة في فناء المقاطعة فامتشق لسانه لينتقد الشهيد ياسر عرفات ، وليس هذا محرما ؛ بل لم يكن الظرف مناسبا لذلك خصوصا بعد أن قضى الرئيس فترة حصار مريرة ، تعرض فيها لأبشع هجمة إعلامية من العدو الذي أراد أن يقضي عليه ، و من الذين كانوا يسخرون به من المقربين من حماس ممن حرّفوا مقولته الشهيرة (يريدونني طريدا أو أسيرا أو شهيدا ) فيقولون في سخرية حقيرة تفتقد أدنى مستويات اللياقة الأخلاقية (يريدونني مشويا أو مقليا … إلى آخر هذه المسخرة ) وهم الذين تباكوا عليه فيما بعد وركبوا موجة الحزن على القائد الشهيد.
لم يعد هناك مجال للمجاملة ؛ بل لعليأقول بضمير مرتاح كيف وقفت بعض الأطراف المحسوبة على فتح قبل الانتخابات مخدوعة أو منتقمة تنتقد سياسة الحركة التي تنتمي إليها و تثني على حماس ، وأنا أرى أن تصريحاتهم على الفضائيات كانت سببا في خذلان حركتهم ، وقد تكرر خذلان بعض الأطراف القيادية في فتح إبان الحركة الانفصالية في غزة ، وهذا ما كشفه التقرير المطول التي تمخض عنه التحقيق ، ولعل حماس كانت تعقد الاتفاقات الجانبية ، وتخترق الحركة من داخلها في لعبة سياسية لا تمت إلى القيم الإسلامية بأي صلة .(سأعرج على هذا بشيء من التفصيل جين أعرض للخطاب السياسي والإعلامي لفتح في مرحلة لاحقة)
كان للخطاب السياسي لحماس منابرها الإعلامية وخططها وتقنياتها ، فقد قبلت التعامل مع شياطين الجن والإنس من أجل خدمة أغراضها السياسية ، وليس هذا من قبيل المجاز ؛ وإلا ما معنى أن تمد يدها لتيار انفصالي في فتح سبق أن أشهر زعيمه سيف العداء في وجهها ، لقد تنكروا لمقولة الهضيبي ” نحن دعاة لا قضاة ” فأصبحوا قضاة بل مدّعين عامين يوجهون التهم ، ويستغلون سذاجة بعض الجماهير ودغدغة عواطفهم بعلو الصوت وجهارة الخطاب ؛ بل إن فريقا كبيرا من الأكاديميين والمثقفين و قادة الرأي للأسف خدعهم الخطاب السياسي والإعلامي لحماس ، وهنا ينبغي أن أوضح أنني لا أهاجم حماس من موقف سياسي منحاز لجهة ضد أخرى بل من باب قول كلمة الحق و عدم السكوت على الباطل ، كنا نعول على أصحاب الدين والخلق ، ولكنهم خذلونا خذلانا مبينا ، فتحولوا إلى براغماتيين يؤثرون مصالحهم الدنيوية ، ولم نجد من ينتقد منهم موقفا من مواقف الحركة وكأنهم لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم و لا من خلفهم ، الكل يدافع ، والكل من غزية إن غوت غووا و إن ترشد يرشدون ، في حين نرى من ينتقد فتح من داخلها و يتمرد عليها بل و يخذلها ، ثمة خطايا تقترف ؛ وليس أخطاء ، ولكل يصفق ويرقص ، وهم الذين يسخرون من (هز الكتف بحنية ) وهم لم يتركوا جارحة من جوارحهم لم يهزّوها في رقصاتهم في أعقاب الانتصارات المبينة الثلاث التي خاضوها فأكلت الأخضر واليابس و تحول شعبنا إلى متسولين ينتظرون عطايا الدول المانحة .
لقد قادهم الخطاب السياسي إلى التناقض في علاقاتهم الخارجية ؛ فهم يوزعون أوسمة البطولة في مرحلة من المراحل على من ثبت أنهم قتلة ومجرمون ، وكلنا يعرف ويتذكر ، و لا أخالهم ينسون الإشادة بالبطل الدمشقي الذي آواهم ونصرهموانحازوا إليه بوصفه زعيما لمعسكر المقاومة والممانعة ، ونسبوا إليه شتى الفضائل ، وهم يعرفون أنه نكّل بإخوانهم في مشهد رهيب في عام 1982 في سجن تدمر فلم يبق ولم يذر ولم يبق شاعر و لا أديب ولا قاص و لا مؤرخ إلا ذكر تلك الحوادث ، وما زال التاريخ يذكر كيف سقط الآلاف في حماة وحمص وحلب وغيرها وتم التعتيم على ذلك كله في حينه في أكبر عملية تواطؤ إعلامي في التاريخ العربي المعاصر ، وقبل ذلك رأينا أياديه البيضاء في تل الزعتر الذي تعرض إلى ما يقرب من سبعين هجوما على المخيم المذكور في عام سقط فيه ألف من سكانه الفقراء1976 في أبشع عملية تصفية في تلك الحرب الدامية الضروس ، وكيف تم الاستيلاء على أكبر مؤسسة اقتصادية (صامد) ؛ ثم كانت مذبحة العصر صبرا وشاتيلا ومعروف من هم الذين قاموا بها، ومن هم الذين تستروا عليها، ومنهم الضالعون في التآمر لتنفيذها ، ومن الذين جعلوا من مجرميها وزراء، ثم يأني من يشيد بسدنتها في تجاهل تام للتاريخ وغسل لأيدي مناقترفوها ، ثم تقول لي هكذا اقتضت المرحلة ، أين المبادئ إذن ؟ وهذه حركة تقوم على أساس مبادئ الدين الإسلامي الحنيف الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ، ثمة من دفعوا أرواحهم ثمنا للدفاع عن مبادئهم ، ولكنهم للأسف اطّرحوا تلك المباديء وراعهم ظهريا ، مثلهم كمثل بعض من ينتمون إلى اليسار في الساحة الفلسطينية ، ومنهم عزمي بشارة المفكر العربي الذي تم تنتصيبه فيلسوفا و محللا لا يأتيه الباطل ، ونحن لا نشكك فيه و لا في عقليته القادرة عل التحليل ؛ ولكن نتساءل عن التزامه بالمباديء التي يدافع عنها ،كان يزور دمشق مقدما الولاء والطاعة والانتماء، وحينما علقت على تغريدة له على تويتر متسائلا عن تغير موقفه بزاوية 180 درجة أجاب بأنه حينما كان هذا النظام مع فلسطين كنت معه ، فعقبت على قوله بأن المفكر الحق ليس سياسيا يغير الموقف الخاص به طبقا للحالة المستجدة ؛ بل هو صاحب رؤية استراتيجية يبني خطابه على هذه الرؤية ، وهذا الأمر ينطبق على حماس ذات العقيدة ؛ فالمفترض أن تبني موقفها على خطاب له مقوماته الراسخة ؛ ولا تسبح مع التيار في براغماتية مكشوفة عارية عن منظومتها القيمية .
وحين اضطرت للخروج من دمشق تحت ضغط الوقائع التي حاصرتها و لم تترك لها منفذا كان مأزق الموقف من إيران فكان لا بد من الطلاق ، ولكنه طلاق رجعي غير بائن خصوصا وأن بعض الأركان القيادة في حماس لم يكونوا مع هذا الطلاق وحافظوا على خط الرجعة ؛ ولكن المدد المالي انقطع فوقعت الحركة في مأزق الأمر الذي حدا بها إلى الاتجاه نحو المصالحة ، فهي توفر لهم غطاء بعد أن انكشف ظهرهم ماديا و لم يستطيعوا تغطية رواتب جيش الموظفين الذين عينوهم ؛ فكانت المصالحة اللافتة التي انضوت تحتها لتتخلص من إحراج المطالبين برواتبهم ولما كان هذا الأمر ليس بالبساطة التي تصورها الساسة فالسلطة لا تملك المال الكافي ، ثم كانت الحرب وكانت الفرصة ساذجة لتجريم حكومة الوفاق التي كان مطلوبا منها أن تقوم بمعجزة حتى تسلم من نقد الساسة المحترفين ، فالدمار شامل ، والكهرباء معطلة ، والناس هائمون على وجوههم في الشوارع و المدارس فأين الحكومة؟ وكما استقبلت الحكومة بأزمة المستوطنين الثلاثة الذين قتلوا و دفع ثمن قتلهم أهالي الضفة الغربية ، وإزاء حجم التنكيل الذي أوقعته إسرائيل على الفلسطينيين في الضفة تنصّلت حماس من العملية إلى أن تبنّى صالح العاروري في إحدى خطبه التي جسدت الخطاب السياسي الدعائي التقليدي فغابت كياسة السياسي لتجرفه حماسة الخطيب ، وكان ما كان من تردّ في مواجهة غير متكافئة إلى نهاية القصة الحزينة التى روتها عنتريات الناطقين الأشاوس على النحو الذي تريد متناقضين مع الخطاب السياسي الذي أنكر القيام بهذه العملية الذي تراجع ليعترف بعد أن ورطه الخطاب الإعلامي ، وكانت فرصة للتقارب مع إيران بعد أن خرج أبو عبيدة (حفظه الله وأثابه) ليثني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليجري المال بعدها في أيدي الساسة ، فاستقووا و حالوا دون الحكومة العتيدة و مهماتها ، فقد استقبلت بخطاب إعلامي شتائمي لم تشهده حكومة قط ، خصوصا وهم الذين توافقوا على اختيار أعضائها مع الذين تصالحوا معهم ، وعقدت الندوات واللقاءات والبرامج وأجريت الحوارات وأدلى الناطقون بدلوهم و قطعوا فروة هذه الحكومة وتداعى المنظرون الأشاوس لعقد اجتماع مع الفصائل لسحب صلاحيات الحكومة وتشكيل إدارة مشتركة للقطاع ، وبشّر الدكتور الزهار بما سيتمخض عن هذه الاجتماعات ؛ ولكن حسابات السوق اختلفت عن حسابات البيدر فرفضت الفصائل المشروع الانفصالي الذي تقدمت به القيادة في غزة ، غير أنهم كانوا قد أفعموا خوبيهم، فلما امتلأت جيبوهم راحوا ينعتون هؤلاء بأجمل النعوت على لسان بطلهم المغوار أبي عبيدة الذين قالوا عنه : إذا تكلم أبو عبيدة فليصمت الجميع ، وكأن أبا عبيدة حررها من البحر إلى النهر ، وهو الذي أمر سكان المستوطنات بالاختباء في جحورهم ، وهو الذي أمر الطيارات بعدم الهبوط في مطار بن غوريون ، وهو الذي دعا الإعلام الدولي لمشاهدة لحظات ضرب تل أبيب بالصواريخ في أكبر عملية نصب إعلامي في التاريخ المعاصر ؛ يحدد الساعة والمكان وكأنه يمتلك أساطيل حاملات الطائرات ، و لا أدري كيف اغتصبت عقول الناس أمام أبيخ مشهد في التاريخ ؛ لكنها العقول المغيبة التي تم اغتصابها طواعية .
ولكن من أهم سقطات الخطاب الإعلامي لحماس تبنيها المطلق للمعارضة في مصر واستماتتها في الدفاع عن حركة الإخوان المسلمين و نقل التظاهرات المعادية نقلا حيا مباشرا ، و سواء كانت المعارضة في مصر على حق أو على باطل فإنه من غير الحصافة الزج بالقضية في مضائق الشؤون الداخلية للدول العربية ؛ ولما كان الخطاب الإعلامي ترجمة للخطاب السياسي ، فإن ثمة تناقضات واضحة انطوى عليها ؛ منها نفي أي شبهة للتدخل في شؤون الآخرين في التصريحات السياسية ثم نقض ذلك في الخطاب الإعلامي .
ومن تلك التناقضات لجوء حماس إلى الرئيس محمود عباس في حرب العصف المأكول للتوسط مع مصر واتهامه بالخيانة والتواطؤ مع العدو إلى درجة مستفزة ، فكيف توسطون من لا تثقون به وتشكلون وفدا موحدا برئاسة عضو في حركته وترمونه بالموبقات المهلكات ، وقد كانت شتيمة الرئيس على كل لسان ،بل كلمة السر التي تعتبر جواز المرور إلى هوية المؤيدين لحماس ؛ وقد نجحت حماس في تجييش المناصرين عبر هاشتاق كراهية الرئيس وسبه بأقذع الألفاظ ؛ فهو الشماعة التي علقت فشلها عليه في كل المناسبات ، ونجحت في ذلك أيما نجاح بحيث صار اتهام الرئيس من المسلمات في حين فشل إعلام فتح المحصور في فضائية فلسطين اليتيمة التي أصبحت هدفا للرماة بتقليديتها المستفزة وحرص المشرفين عليها على أن تكون فضائية رسمية تخاطب جمهورا ضيقا و تحرص على إذاعة المسلسلات دون استراتيجية إعلامية واضحة المعالم في حين جمدت الفضائيات الفلسطينية الأخرى على جملة من البرامج التراثية والفنون الشعبية و بدت خارج إطار القضية الإعلامية ، وبدت فضائية معا التي حرصت على الحياد الذي تخشّب عند مفهوم تقليدي للحياد في حين كشفت بعض برامجه عن التقليدية ذاتها التي ميزت فضائية فلسطين ( ولنا وقفة أخرى عند هذا الإعلام )
ومن التناقضات الواضحة الحديث عن حتمية سقوط نتنياهو الذي فشل في هجومه ، وإذا به ينجح نجاحا ساحقا فماذا هم قائلون ؟ ومن هذه التناقضات اتهام الرئيس بالتنازل وإذا بأولمرت يخرج في لقاء مطول مع صحيفة إسرائيلية ذات شأن ، وهي – إن لم تخنّي الذاكرة – يدعوتأحرونوت ليقول إن عباس أخبث مفاوض عرفناه منذ تاريخنا ، ظل يفاوضنا ويخوض في كل الموضوعات ويسحب منا كل تفاصيل موقفنا دون أن يقدم جوابا واحدا أو يلتزم بشيء على الإطلاق ، وما قاله ليبرمان عن أنه يمارس الإرهاب الدبلوماسي ، في حين ظلت منابر حماس الإعلامية تتهمه بالتنازل صباح مساء ، وتحرض عليه عقول المغيّبين من الشعب الفلسطيني و العربي ، وهم كثر يتدثرون بعباءة الإسلام ويتناقلون المطولات من الأدعية والقصص الإسلامية ويلبسون عمامات الشيوخ على الواتس أب والفيس بك بينما في حياتهم وسلوكهم يمارسون كل ما يناقض هذا السلوك ، ويعتبرون تأييد حماس شهادة براءة لهم وانتساب إلى نادي التقاة الورعين .
يخرج علينا الساخرون في برامجهم الساخرة في القنوات المذكورة ليقول مقدم أحد البرامج و هو من الشباب الذين لم تحل تمائمهم بعد ساخرا السيد الدكتور محمود عباس ، وهو يعلم أن هذا الرجل قبل أن يخلق هذا المذيع وربما قبل أن يولد أبوه كان مناضلا و كانت رسالته في الدكتوراه عن تواطؤ الألمان النازيين مع عتاة الصهاينة متواطئين في القيام بالهولوكوست لإجبار يهود ألمانيا على الهجرة إلى فلسطين الأمر الذي حشد ضده كل الصهاينة بعد أن نشر كتابه (قنطرة الشر ) و (الهجرة المعاكسة) وعشرات الكتب التي تفوق وزن هذا الإعلامي الشاب رعاه الله الذي تربى في محضن الإعلام الساخر لحركة حماس ، وهذا لا يعني بتاتا أن أبا مازن فوق النقد ؛ بل ثمة ما يمكن أن يؤاخذ فيه و يؤخذ عليه ، ولكن بجدية وأدب .
ومازلنا في تناقض الخطاب الإعلامي مع السياسي عند حماس ، ففي حين تنسب سياسيا كل التنازلات عن الحقوق الوطنية للرئيس عباس وتؤكد على مبدأ تحرير فلسطين من البحر إلى النهر وتؤكد على عدم اعترافها بإسرائيل لا تمانع في إجراء محادثات (غير مباشرة بالتأكيد عينا بيانا ، والدليل على ذلك اتفاقات التهدئة والاشتراك في الوفد الموحد) ومباشرة (وفق تسريبات لا نستطيع شخصيا الجزم بها) وتعلن عن استعدادها لعقد هدنة عشر سنوات مع اليهود اقتداء بما فعله رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبة متجاهلة السياق التاريخي والزمان و المكان و طبيعة العدو و موازين القوى ، ومستنكرين في ذات الوقت إجراء محادثات مع العدو والرسول العظيم عليه الصلاة والسلام كان يفاوض عدوه في صلح الحديبة .
أما التناقضات الأخرى فتتمثل في سلسلة من المواقف البيّنة التي لا تعتمد على التصيّد و رصد الأخطاء ؛ بل هو الحق الذي ينبلج كفلق الصبح ، وليس على طريقة ما جاء في حديث الرسول ” من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته حتى يفضحه و لو في عقر داره” وليس هذا تتبعا لعورات فرد من أجل التشهير به أو فضحه ؛ ولكن هذه قضية عامة تتصل بمصير شعب ؛ من هنا كانت المسألة ضرورة في دراسة الخطاب السياسي الفلسطيني:
التناقض بين في الحديث عن داعش ؛ ففي الخطاب الإعلامي يشار إلى أن الذي قام بتفجيرات منازل قادة فتح التي سببت أزمة في العلاقات وأدت إلى إلغاء الاحتفالات داعش ، ثم نسبت جملة من البيانات التي هددت ما يقرب من عشرين من الأدباء والأديبات بالقصاص اتهمتهم بالردّة ، وفي الخطاب السياسي يزعمون أن غزة خالية من داعش كما في بياناتهم السياسية الأخيرة ،إذ توظف ورقة داعش على هواهم ؛ وثمة مزاج شعبي عام تشكّل في جو الشحن الإعلامي القوي تحت لافتة المقاومة ، وهو مناخ ساد العالم العربي والإسلامي إلى الدرجة التي أدت إلى النفور من أي نقد يوجه إلى حماس المتوضئة الطاهرة الذيل المقاومة ؛ و لا يفهم حقيقة الخطاب السياسي لحماس إلا أهل غزة ، وكنا نتمنى أن يتسق خطاب حماس السياسي مع شعاراتها الإسلامية ، خصوصا و أن محاضنها الأولى كما حددتها رسائل حسن البنا تربوية دعوية ؛ ولكن الذي يتابع جلسات بعض الإخوة القادة في حماس في الأقصى و الجزيرة مباشر وقناة القدس يشعر بالقهر للمعجم الشتائمي الذي يستخدمونه و الكمائن الإعلامية التي ينصبونها ؛ فقناة القدس تستضيف بعض القادة من الحركة الوطنية ويبدو أن هؤلاء القادة يضطرون إلى مجاملة القناة المضيفة فتكون لهجتهم تصالحية في الغالب الأمر الذي يستغل فإذا ور\ت كلمة مجاملة على لسان أحدهم سارعوا إلى كتابتها بالخط العريض على الشاشة ، وكذلك إذا وجهوا نقدا ذاتيا موضوعيا استثمروه للتشهير ولعلنا نذكر كيف استثمر موضوع التنسيق الأمني حين هددت السلطة بوقفه و راحوا يفسرونه على هواهم ، وحينما استضافت قناة القدس الأخ عباس زكي وكان الرجل تصالحيا مجاملا نصبوا له كمينا إعلاميا تمثل فيما أذكر في الأخ أبو زهري الذي كان مقدم اللقاء كلما قال شيئا لا يعجبه أعطى الميكرفون لأبي زهري الذي كان ينتظر على الطرف الآخر و يظهر فجأة في الوقت المطلوب لينقض ما قاله زكي وينقضّ عليه بطريقة مستفزة متحفزة ، وهكذا فالخطاب الإعلامي خطاب براجماتي لا شأن له بالمصداقية أو الموضوعية ؛ ولكننا نصطدم بالمزاج العام الذي تشكل متأثرا بخطاب سياسي وإعلامي ظلت منابر حماس تردده و تكرسه حتى صار حقائق مسلمة يصدقه الأكاديميون والعلماء و يتساوى فيه المثقف مع الجاهل المثقف والباحث مع غير المعني بالبحث .
(يتبع)

شاهد أيضاً

ياسر عرفات.. الدولة والوحدة

بقلم: رئيس تحرير صحيفة “الحياة الجديدة” ثلاثة عشر عاما مرت على رحيله الموجع وما زال …

اترك رد

Translate »