وعد بلفور بين عصبة الامم وصك الانتداب الجزء الثاني الاخير

الجزء الثاني من دراسة صك الانتداب الصادرة عن حركة فتح بقلم الباحث أحمد غنيم
وتحت عنوان
وعد بلفور بين عصبة الامم وصك الانتداب

إن فكرة الانتداب نفسها خضعت لجدل فقهي قانوني باعتبارها فكرة غربية عن العلاقات والمعاهدات الدولية، وكان الجدل حول أهلية عصبة الأمم نفسها في اختلاق فكرة الانتداب ومنح نفسها السلطة على أقاليم ليس لها أي أهلية بالسلطة عليها، حيث أن تأسيس عصبة الأمم جاء على صيغة تعاقدية بين دول محددة أربع دول اساسية ، ثم توسعت 58 دولة ، لم يكن عدد كبير من الدول الكبرى ومنه الولايات وغيرها من الدول التي اعتبرت العصبة تجمع لدول فرضت إرادتها على مؤتمر فرساي خدمة لمصالحها وضد مصالح الدول والشعوب الأخرى، وبعيدا عن أي نقاشات لا جدوى منها حول فكرة الإنتداب بشكل عام ومكانة صك الانتداب على فلسطين بشكل خاص، يمكننا القول بما لا يدعوا للشك أن صك الانتداب على فلسطين هو جزء من ميثاق عصبة الأمم ويستمد قيمته القانونية من ذلك الميثاق ، الذي هو معاهدة بالمعنى القانوني وفقاً للقانون الدولي ، إن الصيغة التعاقدية للدول الموقعة على عضوية عصبة الامم جعلتها هيهئة ممثلة لأعضائها ولم تمنحها صلاحيات لدى الدول غير الأعضاء، وأهم الأدلة على ذلك عدم انضمام ولا التزام عدد كبير من دول العالم بعصبة الأمم وعدم اعترافهم بميثاقها، ومن ضمن تلك الدول الولايات المتحدة وروسيا ، والمانيا ثم خروج اليابان من عضوية العصبةسنة 1933 ، علماً أنها كانت عضو دائم في المجلس، بعد أن عبَّرت عصبة الأمم عن رفضها للغزو الياباني لأراضي منشوريا الصينية، كما أن إيطاليا العضو الدائم في العصبة انسحبت منها في سنة 1937. كذلك ألمانيا التي انضمت لاحقا للعصبة في سنة 1926 ثم انسحبت بعد وصول أدولف هتلر إلى الحكم سنة 1933 .
يعتبر العديد من فقهاء القانون الدولي أن عهد عصبة الأمم ليس جزء من القانون الدولي، إلا بصفته صيغة تعاقدية بين الدول الموقعة عليه، وبالتالي فإن أي مس بحقوق طرف غير موقع على ذلك العهد ليس ملزماً له، وهو غير مُلزم بالتأكيد لأي طرف دولي أو جهة دولية ” دولة ، إتحاد، منظمة دولية ، ” أعلنت رفضها له، وهذا يشمل العرب بشكل عام والفلسطينين بشكل خاص، خاصة أنه مس حقوقهم الاساسية.
بناء على ما تقدم ، فإن مسألة الانتداب التي استخدمت كشكل جديد من أشكل الاستعمار، ظلت محل شك فقهي ضمن القانون الدولي، بما يشمل ميثاق عصبة الأمم نفسها، الذي خرج عن معاهدة وستفاليا 1648 التي يمكن اعتبارها أول صيغة دولية أكدت على مبدأ حق الشعوب بتقرير المصير ومبدأ سيادة الدول .
إن الغموض الذي احتوته فكرة الإنتداب جعلته لا يصلح مكون أو مرجع قانوني يهتدى به، سواء من حيث جهة التفويض أو المدى والصلاحيات وطبيعة العلاقة بين دولة الانتداب والاقاليم المنتدب عليه، كما في مسألة السيادة ومعايير ومستوى التطور والنمو والزمن الذي تحتاجه الشعوب للإقرار ببلوغها قدرة الاعتماد على نفسها. فقد اعتبرت بعض النظريات أن كل ذلك متعلق بقرار دولة الانتداب، التي يمكنها أن تجعل الانتداب حالة مستمرة . بما يعني ديمومة صفة الانتداب وتبعية الاقليم تحت الانتداب للدولة المستعمرة، وذهب البعض إلى أن الجملة الأخيرة في الفقرة الثالثة من المادة 22 ، أن دولة الانتداب تنوب عن عصبة الأمم، ما يعني أن السيادة عن تلك الاقاليم نقلت لعصبة الأمم نفسها ومنها للدولة المنتدبة .
كل ذلك الجدل أفقد موضوعة الإنتداب القيمة المانعة الجامعة للنص القانوني، وظلت الموضوعة بأكملها موضوعة جدل ونقاش قانوني وفقهي ودولي، إلى أن حسم النفاش من قبل عصبة الأمم نفسها ومن الأمم المتحدة، التي حلت مكان عصبة الأمم ووضعت نظام مختلف سمي نظام الوصاية الدولية، مع أسس ومعايير أكثر دقة ووضوح، ومع أن الأمم المتحدة قد ورثت عصبة الأمم، إلا أنها لم ترث التزاماتها، ومع ذلك بقي نظام الوصاية والأمم المتحدة نفسها ليسا بمعزل لغاية اليوم عن الجدل القانوني حول الأهلية والصلاحيات في العديد من المجالات المتعلقة بالعلاقات الدولية .

حق الشعب في السيادة على أرضه وحقه في تقرير المصير
السيادة صفة ملازمة للدولة لا تستمدَها من غير ذاتها ولا يشاركها فيها غيرها، وشرعية الدولة أنشأتها إرادة الشعب، الذي هو مصدر كل السلطات، وبهذا فإن السيادة تعبر عن مبدأ وليس بالضرورة عن واقع سياسي فقط ، وهي بالضرورة كامنه في الشعب، وبمعزل عن النقاش التاريخي حول ظهور مفهوم السيادة من جان بودان Jean Bodin 1530-1596وتوماس هوبز Thomas Hobes1588-1679 وتطوره، بعد معاهدة وستفاليا، التي ساد بعدها مبدأ سيادة الدول وحرية كل شعب وكل أمة في تقرير مصيرها، ومنذ معاهدة مونتفيديو عام 1933 وقوانين ومواثيق الأمم المتحدة، التي تأثرت بالمبادئ التي أرستها معاهدة وستفاليا، صاغت مونتفيديو أساسيات تنظيم العلاقات بين الدول بعضها البعض وبعد أن كانت السيادة، تعبير عن الصلاحيات المطلقة للامبراطور، التي لا حد لها لأنها مستمدة من الله ، مروراً بتوثيق ارتباط السيادة بمفهوم الدولة وصلاحياتها المطلقة على أقليمها،
إلى الثورة الفرنسية التي نقلت السيادة إلى فكرة سيادة الأمة بما لها من صفة الإطلاق والسمو والأصلة ، وباعتبارها السلطة العليا التي لا تنافس، ثم إلى تطورتالدولة الوطنية في أوربا وظهور المنظمات الدولية، التي لعبت دوراً هاماً في تقنين مبدأ السيادة خاصة عصبة الأمم والأمم المتحدة ، حيث أصبحت السيادة أحد مبادئ القانون الدولي ” المادة الثانية من الفقرة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة” وقد اخذ مفهوم السيادة أهمية مزدوجة سياسية وقانونية، مما جعل منه موضوع خلاف ونقاش حادين ولكن رغم ذلك فقد صمد المبدأ وشكل قاعدة إلزامية من قواعد القانون الدولي.
مفهوم السيادة الذي أشرنا إليه، فيما يتعلق بالشعب الفلسطيني جاء واضحاً وثابت في ميثاق عصبة الأمم بغض النظر عن الموقف من أهلية العصبة في اعتماد صك الانتداب، فوفقاً للفقره الرابعة من المادة 22 للميثاق، ووفقاً لقرارات مؤتمر الصلح في باريس 1919، صنفت فلسطين ضمن الأمم في الفئة ” أ ” الجاهزة للإستقلال على أن تأخذ بمشورة دولة انتداب لفترة محددة، لكن قامت بريطانيا على تحميل اليهود على البند ” أ ” في المادة 22 علماً أنهم كانوا أقلية صغيرة، واستمرت بشرعنة هذا الفهم من خلال صك الانتداب الذي تضمن في بنده الثاني الإشارة إلى تنفيذ وعد بلفور، ليصبح الشعب المقصود بالجاهزية للاستقلال من الفئة ” أ ” في المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم هو اليهود ، الذين كانت تنتفي عنهم علة الوجود كشعب في حينه .
إن هذا التزيف للواقع السياسي والاجتماعي والديمغرافي في فلسطين لم يغير من الواقع القانوني شيئا ، لأن عدد اليهود في فلسطين كان كان أقل من 8% بينما كان الفلسطينيون 92% ، ورغم التناقضات التي احتواها ميثاق عصبة الأمم، إلا أنه أقر مبدأ سيادة الدولة على أقاليمها وعدم جواز ضم الدول المنتصره في الحرب للاقاليم التي احتلتها، ونص وعلى حق الشعوب في تقرير مصيرها ، إن مصادقة الحكومة البريطانية على هذه المبادئ يتنافى مع اطلاقها لوعد بلفور ومع مكونات وبنود صك الانتداب.
واستناداً للحقائق الديمغرافية والواقع السياسي فإن التصنيف الذي أُشير إليه من الفئة ” أ ” في ميثاق عصبة الأمم ينطبق حصراً على الشعب الفلسطيني ، وتأكيد على ذلك نورد الحقائق التالية :
– أن مؤتمر فرساي قد أقر أن فلسطين من الأمم المصنفة ” أ ” والتي وصلت إلى حد من التطور يؤهلها للاستقلال .
– الغالبية العظمى من سكان فلسطين 92% كانت من العرب الفلسطينين عشية المؤتمر المذكور
– أن الولاية عند صدور وعد بلفور كانت للدولة العثمانية
– أن نسبة اليهود في فلسطين عشية مؤتمر باريس لم تتجاوز 8% يعتبر معظمهم مقيمين غير شرعيين في فلسطين لأنهم دخلوا إليها بطريقة غير شرعية، خاصة وأن القانون العثماني منع هجرة اليهود إلى فلسطين
– أن السيادة بقيت كامنة في الشعب الفلسطيني الذي كان جزء من الشعب العربي الذي خضعت أقاليمه للدولة العثمانية من تاريخ 1516 إلى تاريخ 1917 ،
– أن الدولة العثمانية رفضت الاعتراف بأي حق لليهود في فلسطين، فقد كان رد السلطان عبد الحميد على طلب إعطاء حق لليهود بفلسطين ” إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا فلن أقبل، إن أرض فلسطين ليست ملكي إنما هي ملك الأمة الإسلامية ”
– جاءت معاهدة لوزان استكمال يحمل صفة التعديل لمعاهدات سابقة من سان ريمو إلى سيفر ، وأكدت رفض الاتراك التخلي عن سيادتهم على أقاليمهم العربية السابقة، وعدم التوقيع على المعاهدة ما لم يتم تعديل معاهدة سيفر وابطال البنود التي اجحفت بحق تركيا، بما فيها التي فرضت الإعتراف بالوطن القومي لليهود في فلسطين، وبذلك حذف البند المتعلق بالوطن القومي لليهود في فلسطين من معاهدة لوزان وهو المادة (92)، وأُسقطت بذلك نوايا الموقعين على مقررات مؤتمر باريس التي حاولت إضفاء صفة شعب على مكون تنتفي عنه علة الوجود، كما وأسقطت الشرعية عن النص الذي أشار إلى المادة 22 من ميثاق الأمم والذي منح الدولة المنتدبة تنفيذ وعد بلفور “يوافق الأطراف الساميون المتعاقدون تطبيقاً لنص المادة (22) على منح إدارة فلسطين ضمن الحدود التي تقرها الدول الحليفة الرئيسة إلى دولة منتدبة تنتخبها الدول المذكورة، وتكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن تنفيذ وعد بلفور، الذي قبلته الدول الحليفة الأخرى بشأن تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن يضير الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، والحقوق والوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر”، هذه المادة استبدلت كما اشرنا بالمادة رقم (16) في معاهدة لوزان والتي احتفظ الأتراك من خلالها بحق السيادة على فلسطين للشعب الفلسطيني حصرأ ، الأمر الذي يعني إبطال القيمة القانونية لما ورد في ميثاق عصبة الأمم ومقررات مؤتمر فرساي ومعاهدة سان ريمو سيفر بوعد بلفور وصك الانتداب .
إن ما تقدم يضع بريطانيا تحت طائلة المسؤولية الدولية، وفقا للقاعدة القانونية من مبادئ القانون الدولي العامة المعرفه بالمسئولية التقصيرية التي تلزم كل من تسبب بفعله في إحداث ضرر للغير ملزم بإصلاح هذا الضرر، بما يعني مسؤولية بريطانيا وفقاً للقانون الدولي في العمل على تجسيد الدولة الفلسطينية والاعتراف بها، والعمل الحثيث على تحقيق حق العودة للشعب الفلسطيني إلى أرضه التي هُجر منها نتاج لوعد بلفور وما انتجه من حروب ومآسي على الشعب الفلسطيني، تلك المسؤولية التي تشمل تعويض الشعب الفلسطيني عن كل ضرر سببه وعد بلفور وما نتج عنه .

انتهى

• أحمد غنيم من قيادات العمل الوطني الفلسطيني، وقيادي في حركة فتح، ومفكر وكاتب وباحث له العديد من المؤلفات والدراسات والكتب.

للاطلاع على وعد بلفور بين عصبة الامم وصك الانتداب (1) اضغط هنا

شاهد أيضاً

دور مواقع التواصل الاجتماعي في نشر الفكر المتطرف

إعداد : الدكتور ايمن حسان المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات لقد قدم التطور الحادث …

اترك رد

Translate »