خطة روسيا لتسليح الشرق الأوسط

فى منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، اجتمع وزير الدفاع الروسى سيرجي شويجو مع وزير دفاع إحدى دول الشرق الأوسط لبحث الحرب فى سوريا و«التعاون العسكري التكنولوجي».
وذكرت وسائل الإعلام الروسية التي تديرها الدولة، أن شويجو أصدر إعلانًا دأبت وسائل الإعلام الروسية على ترديده، مشيرًا إلى أن الحملة العسكرية الروسية فى سوريا «على وشك الانتهاء». ولم تكن هذه هي المرة الأولى التى تزعم فيها روسيا أنها على وشك الانتهاء من أهدافها العسكرية في سوريا. في العام الماضي، أعلن الرئيس فلاديمير بوتين انسحابًا جزئيًا من البلاد.

تقرير نشره موقع «Defense News» ذكر أن موسكو قد أنجزت الكثير منذ تدخلها المفاجئ في سبتمبر (أيلول) 2015، في الصراع السوري. وفي حين تدخلت روسيا عسكريًا لدعم الرئيس السوري بشار الأسد الذي كان محاصرًا آنذاك، فقد غيرت الطائرات الروسية وقوات العمليات الخاصة والمرتزقة، مسار النزاع لصالح الأسد بشكل حاسم. وبذلك، أنقذت موسكو حليفها من مصير غير مؤكد وحصلت على قواعد إقليمية.

لكن التقرير أشار أيضًا إلى أن العملية السورية قد خلفت نتيجة أخرى غير متوقعة: ساهمت العملية في التسويق العلني والحيوي لمجموعة واسعة من أنظمة الأسلحة الروسية. على الرغم من أن الأنظمة الروسية، وخاصة الطائرات، حازت سمعة بوصفها أنظمة رخيصة وبديلة للأنظمة الغربية الأكثر تكلفة، إلا أن الحملة أظهرت أنه يمكن استخدام هذه الأنظمة لتغيير مسار الصراعات عالية المخاطر.

ونقل التقرير عن يوري بارمين، الخبير في شؤون الشرق الأوسط لدى مجلس الشؤون الدولية الروسي، قوله: «كانت سوريا بالفعل أرضًا تجريبية للأسلحة الروسية، وهو ما سمح لها بتسويق أسلحتها على الصعيد العالمي. لكن هذا ما لم تكتشفه روسيا إلا بعد أن ذهبت للقتال في سوريا. ولم يكن هذا بالتأكيد هو ما دفعها إلى التدخل في الصراع. أنا لا أسميها انتهازية، ولكن ليس هناك استراتيجية متماسكة أيضًا».

نهج روسي انتهازي

سلمت روسيا في 2016 أكثر من 1.5 مليار دولار من الأسلحة إلى الجزائر، و37 مليون دولار لمصر، و374 مليون دولار لإيران، و300 مليون دولار إلى العراق. وتطالب روسيا الجنرال خليفة حفتر بإعادة تنشيط صفقة تبلغ قيمتها مليار دولار.
وفي اجتماع للجنة العسكرية الروسية في أبريل (نيسان) الماضي، زعم بوتين أن عقود تصدير الأسلحة الروسية تتزايد وأن هذا «كان إلى حد كبير نتيجة الاستخدام الأكثر فعالية لأسلحتنا فى ظروف قتالية حقيقية»، وفقًا لما نقلته وكالة أنباء تاس الروسية. وقال: «إن هذه الفرصة لاكتساب موطئ قدم أكثر قوة في سوق الأسلحة العالمي لا يجب تفويتها».

ومع انتشار صادرات الأسلحة في الوقت الذي يسعى فيه الزبائن التقليديون مثل الهند والصين إلى زيادة الإنتاج المحلي، فإن روسيا تسعى بنشاط إلى الاستفادة من كل الفرص التي يمكن أن تجدها في الشرق الأوسط.

وبطرق عديدة، يتصف نهج روسيا إزاء سوق الأسلحة في الشرق الأوسط بالانتهازية. ففي حين توترت العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر، على سبيل المثال، في عام 2014، عقدت روسيا صفقة أسلحة مع القاهرة بقيمة 3.5 مليار دولار لملء الفراغ. ومنذ ذلك الحين، تعمل روسيا على توسيع أو استعادة مبيعات الأسلحة مع الشركاء الإقليميين في عهد الحقبة السوفيتية مثل العراق وإيران وليبيا والجزائر.

ووفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، فإن حجم تجارة الأسلحة الروسية قد نما بشكل عام في الشرق الأوسط العام الماضي. وعلى الرغم من أن موسكو كانت بعيدة عن مشتريها الرئيسيين، فقد عقدت صفقات جيدة مع الشركاء الإقليميين القدامى. وسلمت أكثر من 1.5 مليار دولار من الأسلحة إلى الجزائر، و37 مليون دولار لمصر، و374 مليون دولار لإيران، و300 مليون دولار إلى العراق. وتطالب روسيا الجنرال خليفة حفتر بإعادة تنشيط صفقة تبلغ قيمتها مليار دولار.

شركاء جدد في الخليج

ولكن التقرير أشار إلى أن الجهود الأكثر جدارة في روسيا كانت في السعي إلى التوصل إلى صفقات مع شركاء جدد، وبعضهم عملاء موثوق بهم لصناعة الدفاع الأمريكية، ما يعزز الشعور في واشنطن أن موسكو تسعى إلى استراتيجية تحدي الهيمنة الأمريكية على جميع الجبهات. وفي الشهر الماضي، تقدمت العلاقات الروسية السعودية خطوة إلى الأمام مع زيارة العاهل السعودي الملك سلمان لروسيا للمرة الأولى.

وشهدت الزيارة ضجة كبيرة في روسيا، ووفقًا للتلفزيون الرسمي السعودي، وقع الجانبان عقودًا لشراء أنظمة روسية متطورة مثل نظام الدفاع الجوي S-400، وأسلحة كورنيت-إم المضادة للمركبات، وبعض الأسلحة الصغيرة. وعلى الرغم من عدم الإعلان علنًا عن هذه الصفقات، فإن تقارير وسائل الإعلام الروسية تشير إلى قيمة إجمالية تبلغ 3 مليارات دولار.

وعقدت روسيا اتفاقيات تعاون عسكري أيضًا مع حلفاء أمريكيين آخرين في الخليج أيضًا. وعلى الرغم من كونها رمزية في معظمها، فقد وقعت روسيا اتفاقيات «تعاون عسكري تقني» مع قطر، وتحافظ على علاقات وثيقة مع الأردن. وقد تم عقد صفقات ملموسة مع الإمارات تصل قيمتها إلى 700 مليون دولار في العام الماضي، وهذا العام، أعلنت الدولتان عن التعاون لتطوير مقاتلة من الجيل الخامس، المبنية على أساس طراز ميج 29.

ولكن وفقًا لما نقله التقرير عن أندري فرولوف، رئيس تحرير مجلة الدفاع في موسكو، فإنه من الصعب أن ننسب المكاسب الأخيرة إلى النجاح الواضح لحملة روسيا في سوريا. وقال فرولوف: «إن تقييم الأثر على مبيعات الأسلحة ليس سهلًا، لأن عملية التفاوض تستغرق عدة سنوات».

وجهة نظر أمريكا

لم تكن الجهود الروسية في الشرق الأوسط بعيدة عن أعين واشنطن، التي لا تزال تكافح من أجل التوصل إلى اتفاق مع روسيا بشأن أهدافها في الشرق الأوسط. إلى حد بعيد، تسبب مغازلة روسيا المستمرة لتركيا، الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أكبر قدر من القلق.

في سبتمبر (أيلول) الماضي، توجت المباحثات الروسية التركية بالتوقيع على صفقة أسلحة كبيرة تسلم روسيا بموجبها لتركيا نظام الدفاع الجوي S-400. وعلى الرغم من أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقول إن قيمة الصفقة قد تم سدادها بالفعل، إلا أن هناك بعض الشكوك التي لا تزال قائمة حول الصفقة. ومنذ ذلك الحين، طلبت تركيا من روسيا أن تنتج محليًا أنظمة S-400، وهو أمر ليس من المحتمل أن توافق عليه موسكو.

ونقل التقرير عن بيكا واسرمان، المحللة فى مركز أبحاث راند الأمريكي، إنه بينما يبدو ذلك مزعجًا بالنسبة للولايات المتحدة، فإن روسيا لا تبدو أنها تتبع استراتيجية منسقة لتقويض وضع واشنطن فى المنطقة.

وجهة نظر موسكو

أما في موسكو، فإن مبيعات الأسلحة الروسية ينظر إليها باعتبارها جزءًا من جهد روسي أوسع لإعادة تأكيد نفسها على أنها لاعب فاعل في الشرق الأوسط. يشير مجتمع الخبراء الروس إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب ناشئ، وموسكو في نواح كثيرة تحاول أن تتصرف كما لو كان هذا هو الحال بالفعل.

ونقل التقرير عن فلاديمير فرولوف، وهو محلل مستقل في الشؤون الخارجية في روسيا، قوله: «إن روسيا لا تسعى إلى إبعاد الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط، بل إلى تقليص تواجدها. تنظر روسيا إلى مبيعات الأسلحة باعتبارها رافعة إضافية وأداة لخلق الاعتماد على موسكو. وتعتبر مبيعات الخليج، خاصة السعودية، أداة لأهداف السياسة الخارجية الأخرى، لتسهيل الاتفاقات حول القضايا السياسية وخلق أصحاب المصلحة في العلاقات مع روسيا».

وقال التقرير إنه وفي حين أن الحكومة تعتبر مبيعات الأسلحة بالتأكيد أدوات في لعبة أكبر، فإن تجارة الأسلحة في روسيا أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. وفقًا لأندري فرولوف، فإن هذه الصفقات غالبًا ما يتم العمل عليها بشكل مستقل. على سبيل المثال، يتم تسليم الواردات إلى سوريا من قبل وزارة الدفاع وتؤخذ من المخازن العسكرية. ولا تتدخل شركة روزوبورونيكسورت، وهي إحدى الشركات الروسية العاملة في مجال تصنيع الأسلحة بشكل رئيسي في الأمر.

وعلى النقيض من التصور العام، لا يرأس بوتين كل ما يحدث. فهو يضع الاستراتيجية العامة، ويحاول مئات من المسؤولين عنه أن يفسروا ويتصرفوا وفقًا للرغبات المتصورة. وهذا يجعل التعامل مع روسيا صعبًا، ولكنه يجعل أيضًا صياغة استراتيجية واسعة النطاق مهمة صعبة للكرملين، بحسب ما ذكر التقرير.

أما فيما يتعلق بمنافسة روسيا مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فقد وصف المحلل المستقل فلاديمير فرولوف تجارة الأسلحة بقوله: «إن استراتيجية روسيا في مبيعات الأسلحة هي بيع كل شيء للجميع مع الاهتمام الجيوسياسي القليل وعدم الاهتمام بحقوق الإنسان. وسيحاول الروس اغتنام كل فرصة تعتبر فيها الولايات المتحدة شريكًا غير موثوق به. مصر وتركيا ليستا سوى أحدث الأمثلة».

ساسة بوست

شاهد أيضاً

خادم الحرمين يطلع مجلس الوزراء السعودي على نتائج مباحثاته مع الرئيس عباس

أطلع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، اليوم الثلاثاء، مجلس الوزراء السعودي، على …

اترك رد

Translate »