المملكة المغربية… إستراتيحيات مكافحة الإرهاب والتطرف الديني

لعل الخبرة التي راكمتها المملكة المغربية بمختلف أجهزتها الإستخباراتية ، في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف الديني منذ التفجيرات الإرهابية بالدار البيضاء سنة 2003 ، ساهمت بحد كبير في تفكيك الخلايا الإرهابية النائمة والقضاء عليها في مهدها ،كتدابير أمنية إستباقية ضمن إستراتيجية شاملة تتلائم وما يشهده العالم من تغيرات طرأت على الخريطة السياسية والأمنية بسبب الإرهاب والتطرف الديني .
في خضم هذه الأوضاع ، بات من اللازم على المملكة المغربية ، ولتحصين نفسها وقهر الجريمة المنظمة بمختلف أشكالها و وقف زحف خطر التطرف الديني ، تعبئة وسائل بشرية وقانونية ومادية ضرورية ضمن إستراتيجية شاملة يتناغم فيها المجال الإستخباراتي مع البعد الديني والسوسيو اقتصادي ، إستراتيجية يندمج فيها المواطن المغربي البسيط ، الذي يعتبر شرطيا ومخبرا و رجل سلطة في تركيبته ، حيث يزود ويسهل الوصول إلى المعلومة ، التي تجنب وقوع الجريمة ، في سياسة تضامنية شعبية مع الأجهزة الأمنية ، مبنية على ثلاثة محاور أساسية :

أولا : المقاربة الاستباقية في المجال الأمني
اعتمدت المملكة المغربية ، في المجال القضائي مجموعة من النصوص القانونية الجديدة كالتغليظ في العقوبات السجنية التي قد تصل إلى المؤبد ، مما من شأنه المساعدة على مكافحة الإرهاب ، و تم سن قوانين أخرى تتعلق بغسل الأموال و تزييف العملة ، و هذا باب من الاجتهاد في حد ذاته ، كما عملت على سد الفراغ القانوني والأمني الذي يتساهل مع العائدين من بؤر التوتر ، كسوريا والعراق وأفغانستان ، والبالغ عددهم 1609 مغربي موزعين كالتالي :

  • 800 داعش .
  • 52 جبهة النصرة .
  • 100 حركة شام الإسلام والقاعدة في المغرب الإسلامي .
  • 32 جماعة المرابطين .

وشرع في مراقبتهم واستجوابهم للبحث معهم ، لما من شأنه استياق المعلومات وتحليلها ، عكس الدول الأوروبية التي تصنف هذا الباب ضمن الحريات الفردية ، بينما الواقع يستدعي التكيف مع طبيعة التهديدات الإجرامية .
ولطالما كانت الأجهزة الإستخباراتية المغربية الداخلية منها ; ( المكتب المركزي للأبحاث القضائية -BCIJ ) و ( إدارة مراقبة التراب الوطني – DST ( أو الخارجية ( المديرية العامة للدراسات والمستندات -DGED ) تتوفر على خارطة الإرهاب وتتبعها بكل دقة ، حيث كانت تزود أوروبا بالمعلومات ( أسماء وأرقام وتفاصيل ) للمغاربة الداعشيين والعائدين من سوريا والعراق فور إلقاء القبض عليهم والتحقيق معهم كما قامت بإقحام وزرع عناصر مغربية داخل نخاع هذه التنظيمات الإرهابية بغية استياق أدق للتفاصيل ، الشيء الذي جعل من المغرب يصبح مع مرور الوقت قاعدة كبيرة مهمة للمعلومات .
وقد كانت الأجهزة الإستخباراتية المغربية ، تنبه دوما وباستمرار، الدول الأوروبية بالمشاكل التي تعيشها الجاليات المسلمة و المزدادة بأوروبا ، وتنقل المعلومات إلى نظيراتها الأجهزة الإستخباراتية الأوروبية .
مواكبة مع صيغة الإرهاب التي تبدلت وفق إيديولوجية إستراتيجية جديدة ، إذ أصبح ممكنا تفعيل أية خلية إرهابية من أي بلد ، بواسطة الإنترنيت ، عملت أجهزة الإستخبارات المغربية على تطوير أساليب اشتغالها ، فانكبت على مسايرة التنظيمات الإرهابية في كل شيء ، فاستعملت تقنيات أجهزة التنصت ووسائل الإتصال والشفرات المتطورة. واعتبارا من أن التقنية وحدها لا تنفع ، جندت منظومة بشرية هائلة وقادرة على التعامل مع المخاطر بسرعة وجدية .
ومن بين أهم مراكز قوة أجهزة الإستخبارات المغربية ، استقلالها عن القرار السياسي ، كما يبقى سر نجاحها يكمن في تعدد أجهزتها التي تصل إلى 15 جهاز استخباراتي ، ناهيك عن الملحقات والمكاتب الخاصة . وتمتاز الأطر العاملة بها بالجذية الفائقة والخبرة المكتسبة ، المهنية والتضحية بالوقت والراحة الشخصية ( كالنوم ) مثلا مقابل الإشتغال على المعلومة وهذا نوع من الولاء للمهنة .

o الاستراتيجية
أهم إستراتيجياتها ، اعتمادها على :

  • خدمات أئمة المساجد
  • وزارة الأوقاف والشؤون الخارجية خصوصا الملحقين الدائمين البعثات والهيئات الدبلوماسية لمواكبة أخبار الجالية ومعرفة حالتهم إجتماعيا ، إقتصاديا ، دينيا وسياسيا ، أينما حلوا وارتحلوا ، و ذلك بغية تطويق كل المنافذ التي يمكن أن تكون فاتحة للشهية للتجنيد والإرهاب .

وقد أدت كل هذه المجهودات إلى فك أكثر من 140 خلية إرهابية وإحباط 266 عملية ،114 منها مشاريع هجمات إرهابية ضد مراكز تجارية ومواقع سياحية وهيئات دبلوماسية ودور للعبادة ، وتوقيف 1256 إرهابي .
تجدر الإشارة إلى أن أجهزة الإستخبارات المغربية تحث الأسر دوما على مراقبة تعلق أبنائهم بالإنترنت والألعاب الإلكترونية لكونها أساليب يتبعها التنظيم الإرهابي لاستغلال طاقة الشباب ونشاطهم من أجل استمالتهم للفكر الإرهابي الدموي .

ثانيا : تأطير الحقل الديني
كان للمملكة المغربية في اعتماد المذهب المالكي ، والعقيدة الأشعرية وما يمثله من وسطية ، واعتدال وموروث تاريخي ، وتعزيز دور إمارة المؤمنين بما فيه من عمق روحي وديني ، و احترام للحياة الروحية للمغاربة في إطار التصوف السني ، أثر جد كبير في احتواء التطرف الديني ، ومواجهة الخطاب الإسلامي المتشدد ، كما قامت المملكة بنهج سياسة دينية إعلامية توجت بإطلاق قناة محمد السادس للقرآن الكريم للتشجيع على الإسلام المعتدل ، كما أسست معهد محمد السادس لتأهيل الأئمة والمرشدين والمرشدات الدينيين والوعاظ في مختلف العلوم الإسلامية ، واللغات الأجنبية وعلم النفس الاجتماعي ، والعلوم الشرعية والجغرافيا والإعلاميات للقضاء على ظاهرة التطوع في تدبير المساجد ، وعملت على تثمين عمل المؤذنين والقيمين عليها ، كما قامت بصرف المساجد عن دائرة المواقف السياسية، ووضعت خبرتها في المجال الديني ، أمام الشركاء الأوروبيين والأفارقة والعالم كله لتنجز بذلك اتفاقيات تأهيل الأئمة على المذهب المالكي مع دول من ; مالي – والسنغال – ليبيا – ساحل العاج – والغابون – وفرنسا مدته سنتان بالمملكة المغربية راسمة بهذا نموذجا دينيا معتدلا ، يسعى إلى التسامح والإنفتاح على الآخر .

ثالثا : المقاربة السوسيو اقتصادية
بفضل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ، التي أطلقها الملك محمد السادس، بتاريخ 25 سبتمبر 2013 مساعدة للفئات المعوزة ، حيث ثم خلق حوالي 22 ألف مشروع ، استفاد منها أكثر من 5.2 ملايين شخص ، بموازاة أنشطة أخرى مدرة للدخل ، وبفضل حكمته شرع في محاربة الفقر في الوسط القروي ، لأن هذه الفئات طالما تكون طعما شهيا وهدفا سهلا للتنظيمات الإرهابية ، وعملت المملكة المغربية كذلك ، على تمكين المواطن من الاندماج والانخراط في العملية التنموية والولوج إلى الخدمات لبناء مجتمع ديمقراطي قوامه التشاور والحكامة الجيدة ، فاتحة الطريق بهذا لباقي الدول التي تطمح في تحقيق توازن مجتمعي في ظل إسلام معتدل .

إعداد : الدكتور عبد الكريم عتوك مستشار أمني ، خبير علوم الإجرام ومكافحة الإرهاب
المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

شاهد أيضاً

خادم الحرمين يطلع مجلس الوزراء السعودي على نتائج مباحثاته مع الرئيس عباس

أطلع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، اليوم الثلاثاء، مجلس الوزراء السعودي، على …

اترك رد

Translate »