ياسر عرفات… معجزة البقاء وفن النجاة

يامن نوباني

لم تكن حادثة سقوط طائرته الشخصية في الصحراء الليبة، المحاولة الأولى من الموت لخطفه من بيننا، سلسلة طويلة من حوادث القدر الأليمة كادت تفعلها، لكن العناية الآلهية كانت في كل مرة تنقذ ياسر عرفات، وتُخرجه سالما ليعود لقيادة طائرة شعبه مشتتة الركاب في كل العالم، يقودها صوب فلسطين.

ولعل أبرز تحرشات الموت بياسر عرفات، كانت حادثة سقوط طائرته الشخصية في الصحراء الليبية في نيسان 1992، وحادثة قصف 8 مقاتلات اسرائيلية لمقره ومكتبه ومنزله والمربع الأمني الخاص في قيادات وأعضاء منظمة التحرير وفتح في ضاحية حمام الشط التونسية، في الأول من تشرين الأول من العام 1985، لكنه نجا بعد مغادرته المنطقة قبل دقائق من القصف الذي أدى إلى استشهاد 50 فلسطينيا و18 تونسيا، اضافة لعشرات محاولات اغتياله في معركة الصمود الأسطوري في بيروت (حزيران-أيلول 1982).

في كتابه “عشت في زمن عرفات” الصادر مؤخرا، يروي مستشار الرئيس ياسر عرفات لشؤون (م.ت.ف) احمد عبد الرحمن حادثة سقوط طائرة أبو عمار:

أين أبو عمار؟ لقد فقد برج المراقبة في مطار الكفرة الليبية الاتصال مع الطائرة التي تقل أبو عمار مساء يوم 7 نيسان 1992.

كان أبو عمار في الطائرة الروسية الصنع من نوع توبوليف، وهي قديمة، ولكنها تعتبر طائرة قوية، ورحلتها المقررة من الخرطوم إلى تونس تستوجب الهبوط في مطار الكفرة الليبية للتزود بالوقود. وبسبب هبوب عاصفة رملية لم تشهد الصحراء الليبية مثيلا لها منذ خمسين عاما، لم يتمكن كابتن الطائرة غسان ياسين ومساعده محمد درويش، ومعهما المهندس الروماني، من الهبوط في مطار الكفرة، ولهذا قرر الكابتن التوجه إلى مطار السارة حيث تتمركز القوات الفلسطينية. إلا أن العاصفة الرملية كانت قد امتدت إلى مطار السارة، وبين الكفرة والسارة بدأ الوقود ينفذ. وأصبح من المستحيل الاستمرار في التحليق بحثا عن مطار السارة. ولهذا لم يكن أمام الكابتن ومساعده المهندس الروماني إلا الهبوط الاضطراري وسط العاصفة وفي الصحراء. أما استمرار الطيران فكان يعني سقوط الطائرة ووفاة الجميع، وعلى الطائرة أبو عمار قائد الشعب الفلسطيني. وكان على قائد الطائرة أن يعمل المستحيل لإنقاذ أبو عمار، وتولى قائد حرس الرئيس “فتحي البحرية” إجلاس أبو عمار في الكرسي الخلفي وجلس إلى جانبه لمنعه من الحركة، لأن أبو عمار كثير الحركة ولا يهدأ في الظروف الطبيعية، ويريد أن يعرف كل شيء عن خط الطيران وعن المنطقة التي تحلق فوقها الطائرة، فما بالك وهو على ظهر طائرة قرر قائدها أن يهبط اضطراريا وسط الصحراء والرؤية صفر بسبب العاصفة الرملية.

الطيار يقترب من الأرض بحكم عداد السرعة وعداد الإرتفاع الذي يحدد اقترابها من الأرض، اصطدمت الطائرة بتلة رملية فانشطرت قسمين، فالقسم الأمامي أطبق بفعل الاصطدام على الكابتن ومساعده والمهندس الروماني حيث قضوا على الفور، والقسم الخلفي حيث أبو عمار والحرس والسكرتارية طارت المقاعد من أماكنها، وأصيب الجميع بصدمة هائلة، وبعضهم أصيب بكسور في الحوض والأرجل. أما أبو عمار فبدا أنه لم يصب بجروح أو كسور. وتمالك نفسه بسرعة وتفقد حرسه وبقية مرافقيه. ولحسن الحظ أن فتحي البحرية رئيس حرسه، لم يصب بأي خدش، بل نهض وفك أحزمة المقعد عن أبو عمار الذي بدا واعيا ومدركا لما حدث. حاول الشباب إنقاذ الطيارين والمهندس الروماني، ولكن الكابين، حيث يجلسون، كان قد أطبق عليهم وأصابهم إصابات قاتلة أدت إلى وفاتهم على الفور.

ويقول فتحي: بعد إسعاف المصابين، قمنا بإشعال النار على أمل أن يرانا الناس وإن كانت الرؤية مستحيلة. والغريب إن عواء الذئاب أخذ يقترب منا، ولهذا بدأنا نخرج ملابسنا ونشعل فيها النار، لأن الذئاب لا تقترب من النار. ومنعنا أبو عمار من إطلاق النار لقتل الذئاب لأنها تزداد شراسة، والذئاب تكون دائما على شكل قطيع. ولسنا بحاجة إلى معركة مع الذئاب. وقضينا الليل بطوله، يقول فتحي: نحن نشعل النار ونطعمها ملابسنا وحقائبنا وكانت رائحة البلاستيك المحترق خانقة فعلا.

قضينا خمسة عشر ساعة وحتى العاشرة من صباح اليوم التالي 8 نيسان 1992 ونحن على هذه الحال، مع قليل من الماء وجدناه في مؤخرة الطائرة. وكانت قواتنا في السارة بقيادة العقيد خالد سلطان الذي أمر بانتشار القوة في محيط مطار السارة حيث أبلغه برج المراقبة في مطار الكفرة أن كابتن الطائرة المنكوبة أبلغه أنه سيحاول الهبوط في مطار السارة. ثم انقطع الاتصال معه. وفي ساعات الصباح الأولى كانت طائرات فرنسية ومصرية وليبية تبحث عن الطائرة. أما الذي عثر على الطائرة المحطمة وأبو عمار وسط هذه الصحراء والرمال المتحركة فكان دورية فلسطينية من قوات السارة بقيادة العقيد خالد سلطان، حيث استعانت الدوريات الفلسطينية بأبناء الصحراء الليبية الذين لديهم خبرة طويلة في حياة الصحراء وعواصفها واتجاهات الرياح.

وبعد خمس ساعات من البحث في الصحراء تم العثور على الطائرة. وكانت المعجزة التي يستحيل تصديقها أن أبو عمار على قيد الحياة – يقول العقيد خالد سلطان- وخلال ساعة من الزمن وبعد العاشرة بقليل، أرسل خالد سلطان على جهاز اللاسلكي البرقية التالية: “أبو عمار بخير” وفي مطار السارة، وكانت العاصفة الرملية قد هدأت، شكر أبو عمار الطيارين المصريين والليبيين والفرنسيين، ونقلته طائرة ليبية مع حرسه المصاب بالكسور والرضوض إلى طرابلس والى المستشفى مباشرة لإجراء الفحوصات لمعرفة إن كان قد أصيب بكسور أو رضوض، وقدم الأطباء الإسعافات وأجروا العمليات للكسور التي أصابت المرافقين.

إنها كارثة وقعت. ومن غير أبو عمار ينجو من تحطم طائرة وانشطارها إلى قسمين، ومن غير الطيارين الفلسطينيين يفتدي أبو عمار بحياته. إن الطيارين والمهندس الروماني قد افتدوا أبو عمار بحياتهم، وهذه معجزة قد لا تتكرر كثيرا في حياة البشر.

شاهد أيضاً

القدوة: غزة العمق الاستراتيجي للدولة الفلسطينية

إعتبر عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح”، مفوض الإعلام والثقافة والتعبئة الفكرية د. ناصر القدوة، أن …

اترك رد

Translate »