تقرير عن الولايات المتحدة والقدس

احتمالات الموقف الأميركي والرد الفلسطيني
يبدو من بعض التسريبات المنسوبة لمسؤولين أميركيين أن الإدارة الأميركية على وشك الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وتحاول بعض الجهات الأميركية طرح الإجراء وكأنه صيغة مخففة بديلة عن احتمال نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، أو بكلمات أدق عن احتمال قرار الرئيس بعدم تعليق قانون نقل السفارة وبالتالي تنفيذ النقل فعلياً. بداية لا يوجد فرق جوهري بين اعتراف الإدارة بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة إلى القدس، وفي كل الأحوال فإن نقل السفارة يصبح تحصيل حاصل إذا حدث الاعتراف.
ويبدو أن هذا هو المقصود فبالإضافة إلى الأهمية السياسية الكبرى لمثل هذا الاعتراف، فهو يعني من الناحية العملية أن قرار تعليق قانون نقل السفارة يتم الآن لأخر مرة، وهذا بالإضافة لأهميته بحد ذاته سوف يضع ضغوطاً إضافية تصل إلى حد الابتزاز على الجانب الفلسطيني فيما يتعلق بالقدس في إطار المبادرة الأميركية المتوقعة.
إن أي إجراء أميركي يتضمن تغيير الرؤية القانونية والسياسية والعملية حول وضع القدس باتجاه تبني الموقف الإسرائيلي بشأنها سوف يشكل اعتداءً صارخاً على الحقوق الوطنية الفلسطينية بشأن القدس، وسيشكل تهديداً للأمن والسلم في المنطقة وفي العالم، بالإضافة لكونه انحيازاً للرؤية الاسرائيلية العنصرية الخطيرة المطالبة باحتكار إسرائيلي أو يهودي للقدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية واليهودية.
وقبل أن نعرض تفاصيل ما تنطوي عليه مثل هذه الخطوة إن حدثت والرد الفلسطيني والعربي والدولي الضروري عليها، نبدأ بخلفية تاريخية حول أهم التطورات المتعلقة بوضع القدس ومركزها القانوني.
–  في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وخلال فترة الدولة العثمانية أقام عدد من الدول قنصليات عامة في القدس لمتابعة مصالحها الكنسيّة وشؤون رعاياها في المدينة المقدسة. (تم إقامة القنصلية الأميركية في العام 1876).
–  خلال فترة الانتداب البريطاني كانت القدس بمساحة متوسط وضمّت البلدة القديمة ومناطق تمتد حتى شعفاط شمالا وبيت لحم جنوبا وعين كارم غربا وابو ديس شرقا.
– في العام 1947 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار التقسيم 181 ، والذي نص على إقامة نظام دولي خاص بالقدس ، وبلغت مساحته 0.65 % من مساحة فلسطين الانتدابية اي حوالي 175كم2، بمعنى ان حدود هذا النظام الدولي كان أكبر من مساحة القدس تحت الانتداب وضمت بيت لحم والعديد من البلدات الأخرى.
– إثر حرب 1948 وإبرام اتفاقية الهدنة الأردنية – الإسرائيلية في العام 1949، بقي الجزء الشمالي الشرقي من القدس الانتدابية تحت السيطرة الأردنية واحتلت إسرائيل الجزء الباقي من القدس، واختفت عملياً خريطة النظام الدولي الخاص ولكن ليس فكرته. في نهاية العام اعتمدت الجمعية العامة القرار 194 الذي أكد على وضع القدس تحت سيطرة الأمم المتحدة.
– في أواخر العام 1949 تنتهك إسرائيل قرارات الأمم المتحدة وتعهداتها الرسمية وتنقل عاصمتها من تل أبيب إلى الجزء الغربي المحتل من مدينة القدس بعد أن كانت قد حددت بلدية القدس الغربية. ولم تعترف أية دولة بهذا الإجراء الإسرائيلي. بقيت حدود بلدية القدس الشرقية التي أصبحت تحت السيطرة الأردنية نفس حدود البلدية الانتدابية تقريباً لذلك الجزء وبلغت مساحته حوالي 7 كم2 تضم البلدة القديمة والأماكن المقدسة.
– إثر حرب 1967 تقوم إسرائيل باحتلال القدس الشرقية (مع احتلال باقي فلسطين الانتدابية) وبدأت إسرائيل على الفور محاولات تغيير المركز القانوني لكل منطقة القدس وتهويدها بداية بهدم حي المغاربة وتوسيع حدود البلدية لتمتد إلى حوالي 70 كم2 في أراضي الضفة الغربية المحتلة ، أي عشرة أضعاف حدود بلدية القدس الشرقية الأصلية. كما اعتمد الكنيست قانوناً يضّمن كل منطقة القدس في الإطار البلدي والإداري والقانوني لحكومة اسرائيل، قوة الاحتلال. لم تعترف أي دولة بهذا الإجراء الإسرائيلي غير القانوني، بل ورفضه المجتمع الدولي بأشكال عديدة بما في ذلك من خلال قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.
– في 1980.7.30 اعتمد البرلمان الإسرائيلي ما أسماه القانون الأساسي حول “القدس، عاصمة اسرائيل”. وعارض المجتمع الدولي هذه الخطوة بشكل صارم ، واعتمد مجلس الأمن القرار 478 (1980) وفيه أن “اعتماد القانون الأساسي يشكل انتهاكاً للقانون الدولي ولا يؤثر على الانطباق المتواصل لاتفاقية جنيف الرابعة في 12 أغسطس 1949 على الأراضي الفلسطينية والعربية الأخرى التي احتلت منذ يونيو 1967، بما فيها القدس”…. ويقرر “أن كل الإجراءات التشريعية والإدارية والأعمال التي قامت بها اسرائيل، قوة الاحتلال، التي غيرت أو ترمي إلى تغيير هوية ووضع مدينة القدس وبشكل خاص “القانون الأساسي” الاخير بشأن القدس لاغية وباطلة “، يدعو القرار الدول الأعضاء التي لها بعثات دبلوماسية في القدس إلى سحب تلك البعثات من المدينة المقدسة .
– لم تعترف أي دولة في العالم بسيادة اسرائيل لا على القدس الشرقية ولا حتى على القدس الغربية ، ناهيك عن مايسمى ” بالقدس الموحدة “، ولايوجد أي دولة تقيم سفارتها في أي جزء من القدس (عدد محدود من الدول فعل هذا ولكن سحبوا سفاراتهم بعد القرار 478  عام 1980). في العام 1995 اقر الكونغرس الأميركي قانون يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ويقرّ نقل السفارة إليها ولكن الكونغرس أعطى الرئيس صلاحية تعليق القانون كل ستة أشهر، وقام كل الرؤساء الأميركيين منذ ذلك الحين باستخدام هذه الصلاحية وعدم نقل السفارة.
على ضوء هذه الخلفية، فإن أي خطوة أميركية من النوع التي يتم التحدث حولها سوف تشكل ما يلي:
– تخلي عن الموقف الثابت للإدارات الأميركية المتعاقبة حول القدس وانتهاكاً لهذه المواقف .
– إنتهاكا جسيما للقانون الدولي، والمنظومة القانونية المتعلقة بالقدس والتي تضم اتفاقية جنيف الرابعة وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة (الولايات المتحدة طرف فيها) والفتوى القانونية لمحكمة العدل الدولية وإعلان الأطراف المتعاقدة السامية في اتفاقية جنيف الرابعة.
– انتهاكا لاتفاقيات دولية، الولايات المتحدة طرفاً فيها، بما في ذلك اتفاقية اوسلو التي تخضع مستقبل الوضع في القدس للتفاوض والاتفاق بين الجانين.
– مرة اخرى سوف تشكل انتهاكا للحقوق الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك حقهم في القدس الشرقية كعاصمة لدولة فلسطين.
– انتهاكا للحقوق الدينية للمسلمين قاطبة في فلسطين والمنطقة العربية والعالم، وكذلك لحقوق المسيحيين الذين ترفض أغلبيتهم الساحقة، خاصة مسيحيي الشرق مثل هذه الخطوة.

ما الذي سوف ينتج عن هذا إذن ؟
سوف تتحمل الولايات المتحدة الاعباء القانونية والسياسية و العملية الناتجة عن انتهاكاتها لكل ما سبق ، وستفقد الولايات المتحدة ما تبقى من مصداقيتها كوسيط أو راع لأي عملية سياسية لحل الصراع، بل ستتحول إلى طرف مباشر في هذا الصراع معاد للعرب والمسلمين ويهدد الأمن والسلم الدوليين، وهو ما يتطلب اتخاذ مواقف واضحة من قبل الفلسطينيين والعرب والمجتمع الدولي ككل.
بناء على كل ما سبق يتعين على الجانب الفلسطيني اتخاذ مواقف وإجراءات حاسمة تؤكد رفض أي خطوة محتملة وتؤكد عدم شرعيتها وعدم السماح لها بالاستمرار. ويمكن أن تتضمن المواقف والإجراءات ما يلي :
– توضيح كل ما سبق بشكل جلي لشعبنا وللأشقاء وللعالم وللأميركيين أنفسهم.
– عدم إقامة اية علاقة مع كادر السفارة الأميركية المنقولة إذا حدث ذلك. وفي حالة إلغاء القنصلية الأميركية في القدس يتم إغلاق مكتب التمثيل الفلسطيني في واشنطن.
– الإعلان عن عدم الاستعداد للتعاون مع الولايات المتحدة كوسيط أو راعي للعملية السياسية، لا بشكل مباشر ولا ضمن الرباعية الدولية.
– تقديم شكوى لمجلس الأمن الدولي ضد الولايات المتحدة كعضو دائم في المجلس لانتهاكه المباشر لقرارات مجلس الأمن بما فيها القرار 2334 (2016)
– تقديم مشروع قرار لمجلس الأمن يدين الخطوة الأميركية ويطلب إعادة النظر وإلغاء الخطوة. ويتم هنا محاولة استخدام المادة 27 الفقرة (3) من الميثاق التي توجب على العضو الدائم في مجلس الأمن أن يمتنع عن التصويت عندما يكون طرفاً في النزاع. وفي الحالة البديلة أي حالة الفيتو يتم الذهاب إلى الدورة الطارئة العاشرة للجمعية العامة ( الاتحاد من أجل السلام ) لاعتماد نص القرار كقرار للجمعية.
– توجيه الغضب الشعبي والواسع المتوقع بطريقة فعالة ومفيدة لخدمة الهدف الوطني الفلسطيني .
– مطالبة الدول العربية والإسلامية والصديقة باتخاذ مواقف جدية على مستوى العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة، والعمل على اتخاذ قرارات واضحة من قبل الهيئات المعنية المشتركة بهذه الدول.
في كل الأحوال يجب على الجانب الفلسطيني متابعة الوضع بكل جدية لازمة وضمان الاستمرار في هذه المتابعة بما في ذلك ردنا على أية إجراء أميركي بخصوص القدس.

شاهد أيضاً

الرئيس يجتمع مع أردوغان

اجتمع رئيس دولة فلسطين محمود عباس، مساء اليوم الثلاثاء، مع نظيره التركي الرئيس رجب طيب …

اترك رد

Translate »