التحدي الأكبر هو إنجاز المصالحة

بقلم: يحيى رباح

من اللافت جدا أن العالم بأغلبيته الساحقة يقف معنا ضد إعلان ترمب بشأن القدس، الذي مر عليه الآن أكثر من شهرين، وهي مدة لم تمر دقيقة واحدة منها فارغة، بل هي أيام يعبر فيها الشعب الفلسطيني في أرض الوطن داخل فلسطين في القدس والضفة وقطاع غزة، وداخل الخط الأخضر في الجليل والمثلث والنقب، عن حضور عارم يثير الإعجاب والاحترام والثقة وكذلك الحضور الذي لا يزال يسجله شعبنا في المنافي والمغتربات على امتداد القارات الست، ولكن عندما يصل الأمر الى حدود قطاع غزة فإننا نرى العكس، ونضع أيدينا على وجوهنا خشية وقوع ما نتوقعه جميعا وهو انهيار قطاع غزة على كافة المسارات.

قطاع غزة، ذلك الشريط الضيق من الأرض المحاصر بين البحر والصحراء، الذي تبلغ مساحته ثلاثمائة واثنين وستين كيلومترا ينتقص منها الاحتلال الإسرائيلي ما يشاء من اجراءاته الانتقامية اليوم تحت عناوين مختلفة، الحاجز الأمني الذي سيتحول الى جدار “الجيتو فكرة مسيطرة في إسرائيل، وكل يهودي يرتبط إيمانه بالجيتو الذي يصنعه لنفسه”، والضرورات الأمنية، وتقييد الصيد البحري، والتوغلات المستمرة، والاجتياجات الكثيرة، والحروب المبالغ فيها، منذ انسحاب إسرائيل الشكلي على يد شارون من طرف واحد في 2005 ثلاث حروب، الأخيرة منها عام 2014، استمرت واحدا وخمسين يوما، حتى القادة العسكريون الاسرائيلون أنفسهم، استغربوا، لماذا قامت تلك الحرب كل تلك المدة؟؟؟ ولماذا ذلك الحجم الكبير بل الهائل من التدمير؟؟؟؟ واتضح- كما هي العادة- أن قطاع غزة هو الأرض التي تجرب فيها بعض الأسلحة الأميركية في أهداف حية قبل اعتمادها، هل تعرفون مدى أهمية إسرائيل لأميركا، فإذا أضفنا سيطرة وقوة ونفوذ المسيحية اليهودية، المسيحية المتصهينة، حاجز التوراة، وهي أسماء لشيء واحد، ونموذجه مارك بنس وكثير من أفراد هذه الإدارة التي يقودها دونالد ترمب.

عندما نصل الى قطاع غزة، فسوف نجد الصعوبات كلها تظهر في كتلة واحدة صماء ضد الامل الفلسطيني، وضد الأولويات الفلسطينية، وضد الضرورات الفلسطينية، الأمر الذي يؤكد أن الانقسام الذي لم نستطع إدانته أو إنهائه أو التغلب عليه منذ الرابع عشر من حزيران عام 2006، هو فكرا وتخطيطا وتنفيذا صناعة إسرائيلية مئة في المئة، ولا نزال نراوح في نفس النقطة، اتفاقات ثم نلحس تلك الاتفاقات، مراجعات لحماس، ولكن لا تنفيذ لتلك المراجعات، حتى وصل الامر الى اننا أمام كارثة شاملة في قطاع غزة، لولا الخوف مما بعد الكارثة عند كثير من الاسرائيليين.

الإرادة والعزم والصدق عند القيادة الفلسطينية ورئيسها الأخ أبو مازن متوفرة إلى أقصى الحدود، لكن إسرائيل تمارس كل البشاعات للإبقاء على إنذارت الكارثة، وشاءت الحقائق التاريخية أن قطاع غزة الذي على حافة سيناء الواصلة بين البحرين الأبيض والاحمر، يعني هي على حافة هذا الامتداد للإرهاب المستمر في سيناء وما حولها وصولاً إلى ليبيا، ومعادلته محكومة الى حد بعيد بفهم هذه الخارطة بما يتفق مع توجهات الأطراف الفاعلة.

المصالحة تعني أن يسترد الشعب الفلسطيني وحدته التي هي منبع قوته، وأن يسترد اشلاءه التي تستخدم في الألاعيب القومية، وأخطر هذه الألعاب تلك التي تلعبها إسرائيل بدعم مطلق من أميركا وعنوانها أن المنطقة لها أولويات قبل القدس بصفتها هوية وعقيدة، وقبل فلسطين بصفتها القضية الأولى والمحورية، وأن هناك ضرورة لتكون إسرائيل هي الحليف الرئيسي في الأولويات الأخرى.

هذا الشرخ الذي لم يكن أحد يتوقعه يعتمد أساسا على بقاء الانقسام، وتغذية الانقسام، وإمداد الانقسام، وبإمكانيات الحياة الذليلة المهانة، ولذلك وجدنا كل محاولات الخلاص من الانقسام ودفنة الى الأبد تفشل، ويبقى الانقسام جرحا في الكف ومع الأيام يتحول الى جرح في القلب، اللعنة على هذا الانقسام الذي يجلب الكارثة، ولكن لا يموت.

شاهد أيضاً

لماذا يرفض الفلسطينيون صفقة القرن

بقلم: المحامي راجح ابو عصب نشرت جريدة القدس يوم الثلاثاء الماضي عن موقع “ديبكا” الاخباري …

اترك رد