مركز الانطلاقة: قراءة في التجربة الاقتصادية الفلسطينية

ضمن ملفات مركز الانطلاقة فإننا نورد هذه الورقة نقلا عن مركز الزيتونة للكاتب صقر أبوفخر

قراءة في التجربة الاقتصادية الفلسطينية

مؤسسة صامد مثالاً

صقر أبو فخر

في سبعينيات القرن العشرين، ومع صعود “اليسار” العربي بمنظماته المتنوعة وأدبياته الجديدة، اشتعلت الصحف والمجلات بسجالات فكرية وتاريخية في شأن وجود طبقة عاملة حقيقية في البلدان العربية. وكان السؤال آنذاك: هل تطورت حقاً طبقة عاملة عربية بالمعنى السيسيولوجيا – التاريخي لمصطلح “الطبقة”؟ وكيف يمكن أن تنشأ طبقة عاملة في بلدان ذات اقتصاد ريعي وخدمي بالدرجة الأولى ؟ وكيف تزدهر طبقة عاملة في بلدان تتسم بظاهرة العمالة الأجنبية المهاجرة، مثل دول الخليج العربي، وهؤلاء العمال لا يربطهم بالبلد أي رابط، وهم، بالإضافة إلى ذلك كله، لا يتكلمون لغة المواطنين الذين هم أقلية بين سكان البلد؟ واستطراداً، توسعت تلك الأسئلة لتشمل الواقع الفلسطيني في الشتات، وصار السؤال: هل يمكن أن تتطور “طبقة عاملة فلسطينية” في مجتمع متناثر من اللاجئين؟ وهل هناك “برجوازية فلسطينية” فعلاً؟ وكيف يمكن أن تظهر مثل هذه البرجوازية في غياب دولة فلسطينية ونمط إنتاجي فلسطيني مستقل؟
إن عبارة “طبقة” هي، في الأصل، مصطلح دلالي يشير إلى وجود نسق اجتماعي – إنتاجي ذي سمة محددة. وهذا النسق لم ينشأ هكذا عفو الواقع، بل نشأ بالتراكم التدريجي وخلال عملية تاريخية مديدة اتسقت في خلالها عوامل الإنتاج ووسائل الإنتاج وأنماط الإنتاج والفئات الاجتماعية المطابقة. فالطبقات لا تنشأ في فضاء سديمي، بل في نطاق الدولة الثابتة والاقتصاد المتحرك والمجتمع والمؤسسات والطبقات الاجتماعية التي تتراصف لا كالطبقات الجيولوجية، بل كفئات مندمجة بالإنتاج. غير أن الحال في بلادنا العربية ليست على هذا المنوال؛ فالدولة لدينا هي مزيج من سلطة قبلية عتيقة وشركة استثمارية حديثة. ومن المحال أن تتطور في هذا النطاق طبقات موصوفة على غرار الطبقات الاجتماعية في البلدان الأوروبية على سبيل المثال.
نعم، هناك عمال فلسطينيون، أو أيدٍ عاملة فلسطينية تعمل في السوق اللبنانية مثلاً أو السورية أو الخليجية. لكن من العبث الفكري اعتبارها “بروليتاريا فلسطينية”، تماماً مثل وجود برجوازيين فلسطينيين (الصحيح أن يقال أثرياء فلسطينيين)، تنتشر أعمالهم هنا وهناك، لكن ذلك لا يعني، على الإطلاق، وجود “طبقة” برجوازية فلسطينية. فهؤلاء الأثرياء هم جزء من الاقتصاد الذي يعملون في نطاقه وشروطه وقوانينه. والشركات التي أسسها فلسطينيون، على أهميتها المالية أو الاقتصادية، كانت إما شركات أفراد، أو شركات مسهمة. وفي الحالة الثانية كان المسهمون الكبار فيها من أثرياء دول الخليج العربي، ولا سيّما الكويت وقطر. فهي، بهذا المعنى، ليست شركات فلسطينية، بل شركات عابرة للوطنية، وتلتزم قوانين البلد الذي تعمل فيه.

الأثرياء الجدد:
لم يكن الأثرياء الفلسطينيون الذين ارتقوا في عالم الأعمال والمال بعد النكبة الفلسطينية في سنة 1948 من أبناء الأعيان كآل الحسيني وطوقان والنشاشيبي وعبد الهادي والخالدي والشوا والجعبري، ولم يتحدروا من الفلاحين والعمال، إلا قليلون جداً، بل جاءوا من الأبناء المتعلمين للبرجوازية الصغيرة والوسطى الذين استفادوا من التوسع الكبير في النمو الذي عرفته دول الخليج العربي والمملكة العربية السعودية جراء الطلب المتزايد على الإسكان والتعليم ومشاريع البنية التحتية، كالطرق والكهرباء والماء بعد طفرة النفط الأولى. وفي الفترة نفسها، ظهرت فئة من الفلسطينيين شبه ثرية كالمهندسين والمحاسبين والإداريين والأطباء وأساتذة الجامعات، وبعض هؤلاء انخرط في أعمال الشركات الكبرى مثل شركة “تايم لايف”، و”شل”، وشركة نفط العراق (IPC)، والتابلاين، وكانت تلك الشركات تحتاجهم لإتقانهم الإنجليزية. وحصل كثيرون من هؤلاء الأثرياء الجدد على الجنسيات اللبنانية والسورية والأردنية، وبدرجة أقل على الجنسيات الكويتية والقطرية والسعودية، فتخلصوا من القيود التي كانت مفروضة على استثمارات الأجانب، واندمجوا في أعمال المقاولات والإنشاءات الهندسية والتجارة في البلدان التي أقاموا فيها، وصاروا جزءاً من عناصر السوق الاستثمارية المحلية. وفي هذا الميدان لمعت أسماء كثيرة مثل عبد الله درويش في قطر، وعبد المحسن القطان في الكويت، وعمر العقاد في السعودية، ويوسف بيدس، وبدر الفاهوم، وسعيد خوري، وحسيب الصباغ، وكامل عبد الرحمن، ورفعت النمر، في لبنان، وآل شومان والمصري في الأردن. وهؤلاء أسهموا بقوة في الازدهار الذي شهدته الدول التي أقاموا فيها، مثلما أسهمت الأموال الفلسطينية التي أمكن إخراجها من فلسطين في سنتي 1947 و1948 في إطلاق فورة مالية واقتصادية في الدول المجاورة.

البدايات:
امتلك الأعيان الفلسطينيون وكثير من العائلات قبل سنة 1948 ودائع نقدية كبيرة في المصارف العربية خارج فلسطين. وفيما بعد، تمكنوا من تحويل معظم أموالهم التي كانت مودعة في المصارف المحلية إلى الخارج، بعد صدور قرار التقسيم في سنة 1947 وقبيل إعلان “دولة إسرائيل” في 14/5/1948. وكان لدى الفلسطينيين أموال بالجنيه الإسترليني مودعة في المصارف البريطانية، علاوة على سندات كانت أصدرتها حكومة الانتداب . وقد تمكن البنك العربي الذي أسسه عبد الحميد شومان في القدس في سنة 1930 من استعادة جميع أموال المودعين، وكذلك الأموال المودعة لدى البنك العثماني في القدس، ولدى بنك باركليز البريطاني. وهذه الأموال وغيرها بالطبع، شكلت القاعدة الأولية لظهور رجال الأعمال الفلسطينيين الجدد في البلدان العربية. ومن المعروف أن ودائع الفلسطينيين في فرع البنك العربي في مدينة حيفا حُوِّلت إلى فرعي بيروت وعمّان في سنة 1948، وودائع فرع يافا حُوِّلت إلى نابلس ورام الله في الضفة الغربية، وجرى افتتاح فرع جديد للبنك العربي في القدس الشرقية بدلاً من الفرع الذي بات تحت أيدي الاحتلال الإسرائيلي لتلبية طلبات أصحاب الودائع. وانتقلت شركة التأمين العربية إلى لبنان بعد سنة 1948، وكذلك الخطوط الجوية للشرق الأوسط التي أُسست في فلسطين في سنة 1943. وكانت شركة سابا للمراجعة أُسست أولاً في حيفا في عشرينيات القرن المنصرم، ثم تمكن صاحبها فؤاد سابا من نقل أموالها إلى الفروع الخارجية في سورية والأردن ولبنان قبيل النكبة. وعلى غرارها انتقلت إلى لبنان شركة الكات CAT التي كان إميل البستاني أسسها في عكا سنة 1941. وعلى هذا النحو تمكن الفلسطينيون اللاجئون إلى لبنان والأردن من استعادة 154 خزنة بنكية تحتوي ممتلكات شخصية ثمينة. ومن بين 60 مليون جنيه فلسطيني كانوا موضوعين في التداول اليومي قبل سنة 1948، انتقل إلى الأردن 10 ملايين جنيه، وإلى لبنان 3 ملايين جنيه، وإلى سورية 1.5 مليون جنيه . واستناداً إلى تلك الأموال التي تدفقت على دول الجوار العربي، والتي بلغت في لبنان وحده نحو 150 مليون جنيه إسترليني ، أسهم الفلسطينيون في ازدهار اقتصادات ثلاث دول، هي لبنان والأردن والكويت. والعجيب أن الفلسطينيين تعرضوا في هذه الدول الثلاث بالتحديد للمصائب، وأحياناً للطرد: في الأردن سنتي 1970 و1971، وفي لبنان بين 1975 و1987، وفي الكويت في سنة 1991.

التأسيس والأهداف:
أُسست جمعية أبناء شهداء فلسطين (صامد) في سنة 1970 كجمعية تابعة لمؤسسة الشؤون الاجتماعية ورعاية أُسر الشهداء والأسرى التي كانت قد أسستها حركة فتح في سنة 1965، أي في سنة الانطلاقة ذاتها. وفي سنة 1972 فُصلت صامد عن مؤسسة الشؤون الاجتماعية، وأُلحقت بها المراكز المهنية ذات الطابع التأهيلي، ثم سُجلت في الدوائر الرسمية اللبنانية في 15/11/1973. وكانت مؤسسة الشؤون الاجتماعية ركزت اهتمامها على أعمال التطريز والخياطة، ومعظم العاملين فيها كنّ من النساء اللواتي عملن إما في المشاغل أو في المنازل. أما مع تأسيس صامد فقد انتقل العمل إلى مستوى أعلى من التنظيم والإدارة، وضمت المشاغل النساء والرجال معاً كإطار إنتاجي له هدفان: الأول تأمين حياة كريمة لأبناء الشهداء من خلال تأهيلهم وإكسابهم خبرات في بعض المهن، والثاني تشغيل أكبر عدد ممكن من أبناء الشهداء ومن فلسطينيي المخيمات. وعلاوة على هذين الهدفين كانت الغاية من تأسيس صامد رفع المستوى المعيشي والثقافي لأُسر الشهداء، ونشر التراث الفلسطيني وبالتحديد الأزياء.
بدأت صامد أعمالها برأسمال نقدي بلغ ستة آلاف دولار فقط. وفي نهاية العام الأول بعد التأسيس، خسرت صامد رأسمالها كله، الأمر الذي دفع حركة فتح إلى تقديم رأسمال جديد لها في أوائل سنة 1971 . ولذلك سعت صامد فيما بعد إلى الحصول على القروض بدلاً من الاستمرار في تلقي المساعدات، وكان ذلك مؤشراً إلى أن صامد بدأت في التحول الفعلي إلى مؤسسة استثمارية، وشرعت في تأسيس مشاغل خياطة وتطريز لا في مخيمات لبنان وحدها، بل في مخيمات سورية أيضاً. وعلاوة على التطريز والخياطة، أنشأت صامد ورشاً للنجارة ومشاغل لإنتاج المصنوعات الخشبية المصدّفة، ومعامل لصناعة الثياب، وكان شعارها في تلك الآونة “معمل في كل مخيم”. وأول مشغل أسسته صامد كان في محلة صبرا سنة 1970، وكرسته لإنتاج الملابس.
ثم أُنشئ مشغل لإنتاج الكنزات، ومشغلان لإنتاج الملابس العسكرية في مخيمي الرشيدية والبرج الشمالي في منطقة صور في جنوب لبنان، وثالث في مخيم الجليل المجاور لمدينة بعلبك، إضافة إلى مشغل لحياكة الملابس الصوفية في مخيم نهر البارد، ومشغل للتطريز في مخيم عين الحلوة.
في سنة 1978، توسعت مؤسسة صامد في أعمالها، فأقامت مصانع للنسيج والأحذية والبلاستيك في بلدة الناعمة الشوفية، ومعملاً للخياطة والتطريز والسجاد والأثاث في بلدة الدامور، ومعملاً لإنتاج الحلاوة الطحينية. وتمكنت من الحصول على تدريب فني لعمالها في الدول الاشتراكية، فأرسلت العديد من العمال والعاملات إلى دورات مهنية متعددة الأغراض، مثل دورة للتدرب على تصنيع الخزف في ألمانيا الشرقية، ودورة للتدرب على صناعة البلاستيك وحياكة الصوف وصناعة الملابس الداخلية في ألمانيا الشرقية أيضاً، ودورة للتدرب على صناعة الأحذية العسكرية في هنغاريا، ودورة للتدرب على إنتاج الملابس الجاهزة في بولندا. وفي الوقت نفسه، سعت صامد إلى تطوير جهازها الإداري من خلال المشاركة في الدورات التي كان يعقدها المعهد العربي للتنمية الإدارية ومؤسسة الخبراء العرب (تيم) في لبنان، والمركز الدولي للتنمية الفنية والتدريب المهني في مدينة تورينو الإيطالية. وفوق ذلك، نظمت صامد، ابتداء من سنة 1980، دورات لمحو الأمية، ولم يتجاوب مع برامج هذه الدورات إلا عمال صامد غير المتعلمين الذين بلغوا 176 دارساً (101 من الأميين، و75 من شبه الأميين).

العوائق والمصائر:
كان من أهداف مؤسسة صامد الوصول إلى الاكتفاء الذاتي في الحاجات الممكنة للمقاومة الفلسطينية واحتياجات سكان المخيمات. وهذا الهدف لم يكن واقعياً البتة، وهو في أي حال لم يتحقق، بل إن المؤسسة لم تقترب منه في أي مرحلة. وفي جانب آخر، لم تتمكن صامد من مواجهة الأعباء الجديدة التي فرضتها الأحوال السياسية المتفجرة في لبنان على الشعب الفلسطيني. وعلى سبيل المثال، واجه المجتمع الفلسطيني في لبنان، خصوصاً بعد حرب السنتين (1975–1976)، ظاهرة هجرة الشبان إلى ألمانيا، ولم تتمكن صامد من التصدي لتلك الظاهرة آنذاك ولو بالحد الأدنى، لأنها، بكل بساطة، ليست مهيأة، وبالتالي لا تستطيع أن تحدّ من آثار تلك الظاهرة.
ومن غير العدالة أن نُلقي باللوم على صامد في كثير من الأمور التي فشلت في مواجهتها على الرغم من أنها انتدبت نفسها لها، لأن الأوضاع العامة كانت شديدة وقاهرة، بينما ظلت مؤسسة صامد مجرد مؤسسة صغيرة، ومتناثرة مواقع الإنتاج، وضعيفة القدرة الاقتصادية؛ فما إن بدأت صامد عملية الإنتاج البسيط حتى اندلعت حوادث أيار/ مايو 1973. وفي سنة 1974 تعرضت المخيمات الفلسطينية في لبنان للقصف المتكرر، ودُمر مخيم النبطية كله. وفي سنة 1975 اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، وفي سياقها دُمر مخيم تل الزعتر، ومخيم جسر الباشا، وجزء من مخيم ضبية، وعدد من التجمعات السكانية الفلسطينية. ولم يطل الأمر حتى كان الاجتياح الإسرائيلي للبنان في سنة 1982، وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان بعد حرب قاسية، دُمرت في أثنائها مؤسسات فلسطينية كثيرة. وعشية حرب 1982 كان لدى صامد 43 مشغلاً، وعدد العمال المتفرغين نحو 2,000 عامل، إضافة إلى نحو 1,500 عامل غير متفرغ، أي يعملون بالقطعة في منازلهم. وقد تعرضت تلك المشاغل للتدمير والنهب، أكان ذلك في أثناء الاجتياح الإسرائيلي، أم في حرب المخيمات اللاحقة بين السنوات 1985 و1987.
ومع ذلك، عملت صامد على توسيع نشاطها إلى خارج مخيمات لبنان وسورية لتشمل استثماراتها العراق، وغينيا–بيساو، وكوناكري عاصمة جمهورية غينيا، وأوغندا، والصومال. وفي تلك البلدات أُنشئت مشروعات زراعية وحيوانية عدة، من بينها مشروع لتربية الأبقار في سورية، ولزراعة الخضراوات في العراق، ولزراعة الموز في الصومال والدول الإفريقية الأخرى. لكن تلك الاستثمارات كانت تخضع دائماً للتحولات السياسية المفاجئة في تلك الدول من جهة، ولضعف الخبرات الاستثمارية لمؤسسة صامد نفسها من جهة أخرى، فتوقف العمل في مشروع تربية الأبقار في سورية حتى قبل أن يبدأ الإنتاج، ولم يتمكن المشروع الزراعي في أوغندا من أن يُنتج أي شيء ونهبت آلاته ومعداته. والواضح أن تلك المشروعات أُديرت بطريقة برهنت عن أن مشروعات صامد الخارجية كانت جزءاً من العلاقات الدولية لحركة فتح ولمنظمة التحرير الفلسطينية، ولا سيّما اهتمامها المكثف بالمشاركة في المعارض التجارية الدولية، أو إقامة معارض دورية لمنتجاتها في بعض العواصم العربية والعالمية، مع أن إيرادات التسويق كانت في معظم الحالات أقل من النفقات. والمعروف أن صامد كان لديها 26 مركزاً تجارياً (معارض) في كل من الجزائر، واليمن الديموقراطي، وجمهورية اليمن، والإمارات العربية المتحدة، وليبيا، وجيبوتي، والسودان، والصومال، والكونغو–برازافيل، وغينيا، ومالي، وتنزانيا، ولبنان. وهذه المعارض كانت تستهلك نفقات جمّة كالأجور، والإيجارات، والمصروفات النثرية، وبطاقات السفر، وشحن المعروضات الحرفية، والطبابة، والمدارس…إلخ، أي أنها كانت خاسرة على العموم.

أوهام لم تصمد:
كثيراً ما تحدثت أدبيات مؤسسة صامد عن “بعث الاقتصاد الوطني الفلسطيني”، وعن “خلق نواة القطاع العام الفلسطيني”. فالسيد أحمد قريع (أبو علاء) مدير مؤسسة صامد، ظلّ حتى سنة 1985 على الأقل، أي بعد تدمير معظم منشآت صامد في لبنان وإفلاس بعض المشروعات الخارجية، يردد تلك المقولات التي لا أساس علمي لها. ففي خطبته أمام المؤتمر الثالث لمؤسسة صامد في عمّان، في 17/7/1985، لم يتورع عن القول إن “مؤسسة صامد هي الأداة الاقتصادية للثورة الفلسطينية ونواة قطاعها العام، [… وهي تسعى] لتكوين قطاع عام في الشتات وبناء نواة اقتصاد وطني فلسطيني (…)، وإن صامد هي نواة القطاع العام الفلسطيني في المهجر، ونواة الاقتصاد الوطني الفلسطيني” .
إن هذا الكلام التهليلي يجافي العلم الاقتصادي البسيط، ويخالف التجربة الواقعية التي برهنت أن من غير الممكن تأسيس اقتصاد وطني ذي قوانين اقتصادية ومالية واستثمارية، وقطاع عام من دون تأسيس دولة ذات نطاق سيادي وسلطة سيادية وقوانين ومؤسسات وسوق. ومن المحال تحقيق مثل هذا التصور المتهافت وغير المبني على العلم بين اللاجئين الفلسطينيين في مَهَاجرهم المتعددة، والذين يخضعون بدورهم لقوانين الدول المضيفة وآليات السوق فيها.
والكلام عن اقتصاد فلسطيني خارج فلسطين خرافة مثلها مثل خرافة البروليتاريا الفلسطينية والبرجوازية الفلسطينية التي سيطرت في إحدى المراحل على الأدبيات اليسارية في صفوف المقاومة الفلسطينية. وكي لا أقول إن مثل هذه الطموحات تتضمن تبجحاً في غير محله، فإنني أشير إلى أن مؤسسة صامد لم تستطع أن تتقدم خطوة واحدة نحو مثل تلك “الطموحات” بعد اتفاق أوسلو، وبعد بداية تأسيس السلطة الفلسطينية، بل انهمكت في تصفية بعض استثماراتها في خارج فلسطين، وسجلت نفسها شركة قابضة في أريحا في سنة 1994، وشرعت في الاستثمار في الشركات الفلسطينية الجديدة، مثل الكهرباء، والاتصالات، والسوق المالية.
واللافت أن صامد منذ نحو ربع قرن، أي منذ تأسيس السلطة الفلسطينية في سنة 1994 فصاعداً، لم يكن لها شأن قيادي في بناء الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل كانت تعمل على توسيع محفظتها الاستثمارية، خصوصاً في سوق الأوراق المالية وشراء الأراضي، والإسهام في الشركات ذات الربحية العالية كالإسكان، وصناعة الباطون (القدس)، والزيوت المعدنية (الخليل)، والمصارف.

الرؤية المستحيلة:
المشكلة الاقتصادية في سيرة مؤسسة صامد أنها كانت، منذ تأسيسها، ثلاثية العناصر الارتكازية: مؤسسة إنتاجية، ومؤسسة تأهيلية، ومؤسسة اجتماعية. وهذه العناصر كثيراً ما تنافرت في سياق العملية الإنتاجية، الأمر الذي أدى إلى إدارة الظهر، في معظم الأحيان، لمفاهيم الجدوى والاستثمار، كالتكلفة والربح. ثم إن صامد عملت في مجالات مشتتة، ولم تنجح في إقامة إطار تكاملي بين تلك المجالات كالصناعات، والحرف، والسينما، والنشر، والمجلات، ومحو الأمية، والرياضة، وإنتاج الأغاني، والسينما . وفي المجال الأخير أنشأت صامد في لبنان استوديو متطوراً يضمّ آلات حديثة لطباعة الأفلام، وأجهزة حديثة للصوت. وهذا الاستوديو باشر عمله في سنة 1980، لكنه تعرض للتدمير في حرب 1982 أو للنهب بعد ذلك، مثل بقية المنشآت الفلسطينية في لبنان.
مشكلة الرؤية الاقتصادية لدى مؤسسة صامد أنها كانت دائماً مفعمة بلغة متباهية ومتعالية على الواقع وإمكاناته، ومحدودية القدرات الفنية، والمالية، والإدارية، والعلمية للمؤسسة. فالسيد أحمد قريع لم يرتجف وهو يعدد أوجه النشاط التي امتهنتها صامد كالصناعة، والزراعة، والتجارة، والتسويق، والإنشاءات، والبناء، والسينما، والإعلام، والبحث، والنشر والتوزيع، والإدارة، والمال؛ وذلك كله يجري —بحسب أحمد قريع— في مركز واحد وإدارة واحدة .
والحقيقة الواضحة أن هذه المجالات الاستثمارية المتعددة تعجز عن تنسيقها وجمعها مجموعات استثمارية دولية مشهود لها بالخبرة والقدرة معاً، الأمر الذي يدفعنا إلى القول، من غير أي مجازفة علمية، إن صامد لم تنشأ في سياق تخطيط اقتصادي يستند إلى رؤية اقتصادية علمية، بل نشأت كحاجة عاجلة لمعالجة الشؤون الاجتماعية الناجمة عن تطور العمل السياسي والعسكري للمقاومة الفلسطينية، ولم تكن، منذ البداية، مشروعاً استثمارياً يعتمد جدياً معايير الجدوى الاقتصادية، بل مؤسسة تأهيلية ظلّت محصورة في نطاق الإنتاج الحرفي البسيط.

المراجع:
1. قريع، أحمد، صامد: التجربة الإنتاجية للثورة الفلسطينية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2007.
2. سميث، باميلا آن، فلسطين والفلسطينيون. دمشق: دار الحصاد، 1991.
3. الجندي، إبراهيم، مؤسسة صامد: تجربة عشرين عاماً من العمل الاقتصادي الفلسطيني، مجلة صامد الاقتصادي، العدد 79، كانون الثاني – شباط – آذار 1990، ص 18–38.
4. مؤسسة صامد (تقرير)، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 86، كانون الثاني/ يناير 1979، ص 150–155.
5. مؤتمر صامد الثالث، عمّان، 17/7/1985، سلسلة كتاب صامد رقم 1. عمّان: منشورات الكرمل، 1985.

شاهد أيضاً

الصحف اليومية – كإحدى أدوات تنمية التفكير ألابتكاري

علاقتي بالصحيفة علاقة صداقة قوية تعلمت منها الكثير، تعلمت منها قارئاً، وكاتباً. هذه العلاقة دفعتني …

اترك رد