لمواجهة صفقة القرن

بقلم: د. محمد أبو حميد

ازداد الضغط على الشعب الفلسطيني وقيادته من أجل التسليم بالمقترحات الأمريكية والتي تعرف بصفقة القرن، وأخذت هذه الضغوط شكلاً عملياً حين بدأت بإعلان ترامب للقدس عاصمة (للشعب اليهودي)، ورغم الموقف الأممي المعارض لذلك، استمرت الإدارة الأمريكية في سياساتها الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية، وسرعان ما استغلت قرارات المجلس المركزي الفلسطيني الذي اعتبر الولايات المتحدة ليس أهلاً لرعاية عملية سلام عادلة، حتى اتخذت العديد من الإجراءات والقرارات التي تتعلق بوقف المساعدات للسلطة الوطنية، وتقليص مساهمتها لدعم لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين(الأنروا)، مع تسريباتها بإمكانية اعترافها بضم الكتل الاستيطانية الكبرى لإسرائيل. ويلاحظ من خلال ذلك أن الولايات المتحدة تسارع الزمن لخلق واقع جديد في المنطقة مستغلة الوضع العربي المترهل، والحالة الفلسطينية المشتتة، إضافة إلى البيئة الأمريكية الداخلية المساندة لهذه السياسة التي تتبعها إدارة ترامب والمدعومة من الإنجيليين الأمريكيين، وما يشكلونه من تأثير في رسم السياسة الأمريكية، ولعل نائب الرئيس الأمريكي بنس قد عبر عن موقف الإنجيليين خلال خطابه في الكنيست.

إن هذا الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية ليس جديداً، فقد مارست الإدارات الأمريكية المتعاقبة سياسات ملتوية منحازة ومؤيدة للمواقف الإسرائيلية، وقد كان ذلك واضحاً خلال المفاوضات التي استمرت طوال العشرين عاما الماضية.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه ماذا وراء الإصرار الأمريكي على فرض حل يتجاوز ما كان مطروحاً ( رؤية حل الدولتين)؟

إن الموقف الأمريكي مبني على أن سياسة التسويف التي اتبعتها الولايات المتحدة خلال المفاوضات عبر العشرين عاماً الماضية قد مكنت إسرائيل من الإجهاز على مقومات المشروع الوطني الفلسطيني ورؤية حل الدولتين، حيث سارعت في بناء وتوسيع المستوطنات، وتغيير الواقع الديموغرافي في القدس، وحصار غزة وتجويعها وتدميرها عبر عدة حروب، وتدمير البنية الاقتصادية الفلسطينية وربطها بالسوق الإسرائيلية، كما أن غياب خطة فلسطينية لمواجهة الخطوات الإسرائيلية على الأرض والرهان على الموقف الأمريكي، والاكتفاء بالتنديد بسياسة إسرائيل، بالإضافة إلى حالة الضياع التي يمر بها العرب، والوضع الفلسطيني الداخلي المترهل ساهم في تمكين الولايات المتحدة من تصور فرض أجندتها على المنطقة والهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية، ودمج إسرائيل في محيطها الإقليمي.

إزاء كل هذا ما هو المطلوب فلسطينياً لمواجهة السياسة الأمريكية؟ هل يكفي اعتبار الولايات المتحدة ليست شريكاً في عملية السلام، هل يمكن الرهان على موقف عربي أوروبي ودولي مساند للموقف الفسطيني رغم أهمية المواقف العربية والأوروبية والدولية؟

إن الرهان على الموقف العربي المتناحر وعلاقته بالولايات المتحدة في ظل غياب عوامل ضغط عربية حقيقية على الإدارة الأمريكية، دون تصليب البنية الفلسطينية وترميم الوضع الداخلي لن يفيد القضية بشيء، كما أن الدول الأوروبية المساندة للحق الفلسطيني بحاجة إلى رؤية موقف فلسطيني صلب ومتماسك لنستطيع اتخاذ موقف يعارض التوجهات الأمريكية، ويساندها في التحرك باتجاه حل الدولتين، وحل قضية اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية

لقد وصلنا إلى لحظة الحقيقة التي تتطلب إعادة النظر في السياسة الفلسطينية، ومكاشفة شعبنا بكل ما يجري ويجهز من مخططات لإنهاء هويته بل وجوده، كما يتطلب إعادة بناء الحياة الديمقراطية، وإنهاء الانقسام بشكل فعلي، وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية سريعة بما يؤدي لتشكيل نظام سياسي فلسطيني جماعي قائم على أسس تضمن شراكة حقيقية، ويتبنى رؤية حل الدولتين على أساس قرارات الشرعية الدولية، الأمر الذي سيجد له صدى عند كثير من الدول الأوروبية وأعضاء مجلس الأمن، كما سينعكس على موقف الشعوب العربية ويمنحها القدرة على التأثير على مواقف حكامها. ولحين إنجاز ذلك لا بد من الإسراع في تشكيل حكومة إنقاذ وطني قادرة على ترجمة التوجهات الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني في هذه المرحلة لاسيما قرارات المجلس المركزي.

شاهد أيضاً

دحرجة عملية الضم

بقلم: عمر حلمي الغول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على الأرض والإنسان، هو جوهر الصراع مع الفارق …

اترك رد