أسئلة في الاعلام الثقافي

بقلم: عمار جمهور

أدوات الاعلامي ذاتها لا تتغير من حقل لاخر، الا ان الاهتمامات الاعلامية والصحفية تختلف من اعلامي لاخر، وتبقى الادوات ذاتها يستخدمها وقت ما يشاء لفك سبر غور القضايا المجتمعية، الثقافية، السياسية، الاقتصادية بالاضافة الى الرياضية. وتعتبر تجربة الصحافة الثقافية الفلسطينية تجربة معقولة بالرغم من كونها باهتة وسطحية في بعض الاحيان. ويلعب الذوق العام دورا جوهريا في فرض طبيعة التغطية الاعلامية ومضمونها في ظل غياب توجه سياساتي ناظم وموجه لماهية التغطية المطلوبة، فالاهتمام الشعبي الجارف يتجه نحو القضايا السياسية، التي تشكل اجندة الرأي العام وتتحكم باتجاهاته، نتيجة لعدد من العوامل المرتبطة بالاحتلال والانقسام واشكاليات المرحلة السياسية ككل.
فرض الواقع السياسي ذاته على الاعلامي الفلسطيني للاسباب المذكورة وغيرها، ولكن ذلك لم يمنع ظهور اعلام ثقافي فلسطيني، معتمدا في ذلك على ادب المقاومة وما ارتبط بها من ثقافة خاصة وفنون ارتبطت بها شكلا ومضمونا، فيما لعب الاعلام الحزبي دورا رياديا في توثيق هذه الفنون وحمايتها، بالاضافة الى ادب السجون الذي كان له حضوره وتجلياته الثقافية والاعلامية. وقد لعب الاعلام كما الثقافة بكل محتوياتها دورا رياديا ملتزما تجاه الوطن والقضية ونشأ في سياق الحركة الوطنية وواكب نجاحاتها واخفاقاتها.
وفي واقعنا الحالي، تعاني الصحافة الثقافية كغيرها من المجالات الاعلامية الاخرى من مشاكل عدة، ابرزها غياب السياسة الثقافية الواضحة في نوعية النشاطات الثقافية التي نريد وافتقارها للرؤية المنشودة، فقد يكون من الاهمية بمكان اعادة احياء ادب السجون والحفاظ عليه وتمجيده، او التوجه نحو تشييد المسارح ودور السينما في كافة المدن الفلسطينية وغيرها من الاهتمامات، ولكن السؤال الجوهري يتمحور حول شكل الثقافة ومضمونها الاسمى فلسطينيا، فهل المطلوب الان دعم الثقافة كموروث والانجاز الثقافي ام الاكتفاء بالحفاظ على المقتنيات الثقافية الحضارية؟ هل نريد منتجاً ثقافياً يدر ربحا ماديا ام معرفة فكرية وحضارية؟ فما هو مبرر غياب الرؤية والفلسفة التوجيهية والسياساتية لماهية التميز الثقافي الفلسطيني المنشود مستقبلاً؟ -ان وجد المبرر أصلا-، ومن هو الموجه والمسؤول عن ذلك؟
التساؤلات مشروعة وقد تكون محقة، فالبرغم من وجود تجارب نجاح فردية على صعيد الشعر، الرواية، الفن، الموسيقى….الخ، الا ان التجربة الثقافية الفلسطينية تفتقد النجاح الجماعي في ظل الأزمات السياسية والركود الاقتصادي واهتزاز المنظومة القيمية وتآكلها. ولعله من الضروري الآن فتح نقاش مجتمعي عريض بشأن الاسئلة المطروحة قبل الولوج مناقشة الاعلام الثقافي دوره ومهمته، لان المعضلة الاساسية تتمثل بعدم الادراك الواعي لطبيعة هذه المرحلة التي اختلط فيها النضال ومحاولة الانعتاق من الاحتلال بالبناء المؤسساتي والتوجه الديمقراطي نحو الدولة، وما دامت هذه الورطة الفكرية تتجاذب بين داعمين ورافضين، وانعكاساتها ستبقى جلية على الصحافة الثقافية التي تعتبر بالاساس انعكاسا لما يدور في المجتمع من مخاض عسير.
تحتاج الصحافة الثقافية لمراجعة وتقييم على المستوى الجمعي شكلا ومضمونا، في ظل عدم حسم القضية الام اذا ما عولجت القضية الام المرتبطة بالثقافة ذاتها والهوية الوطنية والثقافية، وبالرغم من كونها تلعب دوراً ناقدا وموجهاً، الا انه لا يمكن تحميلها مسؤولية ما لا سلطة لها عليه، فالثقافة ذاتها التي اعاد النظام المجتمعي تشكيلها وتكوينها في سياقات متشابكة ومعقدة، صارت عبارة عن افرازات مرحلية مرتبطة بطوبغرافيا المكان حيث تنتج المعرفة مكانيا وليس فكريا بسبب التركيز على انتاج الثقافة وليس جوهرها.
الصحافة الثقافية يجب ان يكون لها دور موجه بعيدا عن النفاق الاعلامي والمجاملة المجتمعية التي قد تؤثر على الثقافة ذاتها، والتي باتت لا تحتمل كثيراً من المراءاة والمغالاة، وبالرغم من واجبها في تحدي الاستعلائية الفكرية، التي فرضت توجهاتها بعيدا عن روح المجتمع الاصيلة، وقدمت عملا على اخر بمجرد ارتباطه بشخص وليس بفكرة، فامتلاك المعرفة كمنظومة شاملة في نفي وجود الفعل الثقافي الحداثي في المجتمع الفلسطيني، وقطع الطريق على اية محاولة قد تحتاج الى مؤازرة ومساندة لكي تنضج.
تلتزم الصحافة الثقافية بتغطيتها للاحداث والنشاطات والفعاليات الابداعية تجاه المجتمع وقضاياه وهمومه ومعاناته، آماله وطموحاته الثقافية والقيمية، كما انها تلتزم تجاه المواطنين لتقديم الافضل والاجود، وان تتصدى للرديء وتحد من امكانية وصوله للجمهور العريض الذي بات يمتلك ذائقة حسية للتمييز بين ما يُقرأ وما لا يُقرأ، ما يُشاهد وما لا يجب ان يُشاهد. والمثقف كذلك ملتزم ايضا ويقع على عاتقه مسؤولية اجتماعية واخلاقية تجاه جمهوره كما الوسيلة الاعلامية، التي تساهم في تكوين الذائقة الجمالية عبر انتقائه لما يقدم للجمهور في ظل تزايد الكم المعلوماتي بفعل الشبكة العنكبوتية، وما ارتبط بها من مواقع التواصل الاجتماعي، بالاضافة الى التزامه كمثقف عضوي تجاه قضايا شعبه وهموم قضيته.
الدور النقدي يهدف بالضرورة الى تطوير التجربة وصقلها، وتسليط الضوء على عوامل النجاح، وتقديم الاعمال المبدعة للناس ودفن الرديء ووضع حد للقبح الثقافي، وكسر التكلس الفكري وبناء ارضية صلبة لخلق حوار ثقافي مستند على فعل ثقافي له ابعاده ودلالاته.
من الاهمية بمكان إيجاد البيئة المناسبة والمواتية لاحتضان التجارب الثقافية في محاولة لخلق اعلام ثقافي جدي له مهمته، وادواره الريادية في ظل ضبابية الرؤيا وغياب الحوار المجتمعي الجاد بشأن تعريف الثقافة ذاتها شكلاً ومضموناً، وما يترتب على طبيعة هذا النقاش من انعكاسات على الهوية الثقافية والوطنية الجمعاء، ناهيك عن غياب مؤشر سياساتي واضح من قبل الأحزاب السياسية وموسسات المجتمع المدني والحكومة بكافة مؤسساتها -الا ما ندر- بشأن طبيعية وشكل التوجهات الثقافية المنشودة.

شاهد أيضاً

ذكرى الكارثة مع ذكرى النكبة

بقلم: حمادة فراعنة تزامن توقف اليهود أمام ذكرى الكارثة التي اجتاحت حياتهم في أوروبا في …

اترك رد