نحو تعديل قانون التحكيم الفلسطيني رقم 3 لعام 2000

بقلم: المحامي د. ايهاب عمرو

يعد التحكيم وسيلة مهمة من وسائل تسوية المنازعات البديلة عن القضاء في الوقت الراهن، خصوصا بعد بزوغ ظاهرة العولمة وما حملته من تطورات هائلة في الحقول كافة، خصوصا في حقل التجارة المحلية، والبينية، والدولية. ومن هذه التطورات شيوع استخدام الانترنت في المعاملات التجارية المحلية والدولية سواء بين التجار أنفسهم، أو بينهم وبين المستهلكين، وهو ما يعرف باسم “التجارة الالكترونية”.
وقامت معظم دول العالم بإصدار قوانين تعنى بالتحكيم في العقد الأخير من القرن الماضي سواء كانت تتبع النظام الأنجلوسكسوني أو النظام اللاتيني، في حين قامت دول أخرى بتناول التحكيم ضمن أحكام قانون الاجراءات المدنية كفرنسا وألمانيا اللتين أفردتا قوانينهما أبواب خاصة بالتحكيم المحلي والدولي، ما يشمل الاتفاق على التحكيم، والمحكمين، واجراءات التحكيم، والقانون الواجب التطبيق على الاجراءات وعلى الموضوع، واصدار قرار التحكيم، وإبطاله، وتنفيذه.
كذلك، قامت معظم الدول العربية بإصدار قوانين تنظم التحكيم كوسيلة لحل المنازعات التجارية، والمدنية، وغيرها من المنازعات الأخرى التي تقبل حلها بواسطة التحكيم كمسائل الأحوال الشخصية الناشئة عن معاملات مالية كالنفقة، وغيرها من المسائل الأخرى غير المخالفة لمفهوم النظام العام بعناصره المختلفة ما يشمل: الأمن العام، والصحة العامة، و السكينة العامة، والأخلاق العامة.
وفي فلسطين، يعد قانون التحكيم الفلسطيني في العام 2000 جزءا من منظومة التشريعات الاقتصادية التي صدرت آنذاك بدعم من مشروع التطوير القانوني، منها قانون تشجيع الاستثمار لعام 1998، وقانون المدن والمناطق الصناعية الحرة لعام 1998، وقانون سلطة النقد الفلسطينية لعام 1997.
وتناول قانون التحكيم الفلسطيني ضمن نصوصه الأحكام الرئيسية ذات العلاقة بالتحكيم مثل الاتفاق على التحكيم بواسطة الأطراف، واختيار أو تعيين المحكمين ما يشمل تعيين المرجح، وإجراءات التحكيم، والقانون الواجب التطبيق على الاجراءات والموضوع في كلا النوعين من التحكيم (المحلي والدولي)، والمحكمة المختصة بنظر (الطعون) ضد قرار التحكيم، والمدد الخاصة بإصدار قرار التحكيم، وتنفيذ قرار التحكيم بواسطة المحكمة المختصة في حالة رفض الطرف الخاسر تنفيذ القرار طوعا. كذلك، حظر القانون المذكور التحكيم في مسائل الأحوال الشخصية الموضوعية. وجاءت اللائحة التنفيذية الخاصة بذات القانون التي صدرت في العام 2004 أكثر تفصيلا بخصوص الأحكام سالفة الذكر، حيث نصت مثلا على جواز تسوية المنازعات الناشئة عن مسائل أحوال شخصية مالية بواسطة التحكيم مع خضوعها للأحكام الواردة في قانون التحكيم الفلسطيني، ما يعني استثناء منازعات الأحوال الشخصية الموضوعية من الخضوع لقانون التحكيم أو لهيئات التحكيم المشكلة وفقا لذات القانون، كون أن اختصاص المحاكم الشرعية بخصوص تلك المنازعات الموضوعية وإحالتها إلى التحكيم الشرعي يعد من النظام العام، كحالة النزاع والشقاق بين الزوجين.
ومع إيماننا بأهمية قانون التحكيم الفلسطيني كونه الأداة الناظمة لتلك الوسيلة البديلة لحل المنازعات التجارية والمدنية والاقتصادية والمالية ما يشمل تلك الناشئة عن مسائل الأحوال الشخصية، إلا أن الحقيقة تبقى أن هناك حاجة لتعديله في الوقت الراهن نظرا للتطورات الهائلة في المعاملات التجارية، خصوصا أن القانون يعد مرآة عاكسة لتطور الدول ورقي شعوبها، إضافة لكون قانون التحكيم أداة تشريعية هامة لتحفيز الاستثمار الأجنبي.
ومن الأحكام الواردة في قانون التحكيم الفلسطيني التي ينبغي مراعاة تعديلها ما يلي:
– الاتفاق على التحكيم من قبل الأطراف، حيث إن غالبية دول العالم أصبحت تعترف بصحة اتفاقات التحكيم المبرمة بوسائط الكترونية كمراسلات البريد الالكتروني، خصوصا تلك التي تتبع النظام اللاتيني كفلسطين، وذلك مرده إلى ظهور نوع جديد من التجارة تسمى التجارة الالكترونية التي تعتمد بشكل رئيسي على استخدام الانترنت في المبادلات والمعاملات التجارية، كما أسلفنا. لذلك، يقع لزاما تعديل حكم المادة (5) الوارد في قانون التحكيم الفلسطيني وضمان ادراج اتفاق التحكيم الالكتروني ضمن نصوص تلك المادة التي تعتمد الشكل الكتابي فقط.
كذلك، فإن بعض الدول لا تتطلب شكلا معينا لقرار التحكيم مثل بريطانيا وسويسرا، ما يعني أن قرار التحكيم الالكتروني يمكن الاعتداد به أيضا في تلك الدول.
– ومن تلك الأحكام التي ينبغي ضرورة تعديلها أيضا (الطعن) ضد قرار التحكيم حسبما جاء في المادة (43) من قانون التحكيم الفلسطيني، حيث تنص معظم الدول على أن ضرورة قيام الطرف الخاسر برفع دعوى بطلان قرار (حكم) التحكيم أمام المحكمة المختصة بموجب أسباب اجرائية وموضوعية لا تختلف عن تلك الواردة في المادة سالفة الذكر من القانون الفلسطيني، منها دول عربية كالأردن ومصر وسلطنة عمان. ومؤدى ذلك أنه في حالة رغبة الطرف الخاسر الاعتراض ضد قرار التحكيم فيجب أن يكون ذلك بواسطة دعوى بطلان حكم التحكيم وليس بواسطة طلب طعن مقدم أمام المحكمة المختصة كما هو منصوص عليه في قانون التحكيم الفلسطيني ما أدى إلى الخلط في الواقع العملي بين طلب الطعن وطلب الفسخ، حيث يقوم الزملاء المحامون والزميلات المحاميات بتقديم طلبات يكون موضوعها فسخ قرار التحكيم عوضا عن تقديم طلب طعن ضد قرار التحكيم، في حين أن فسخ قرار التحكيم من قبل المحكمة المختصة إنما يكون عند قبولها لطلب الطعن بناء على الأسباب الواردة في قانون التحكيم الفلسطيني.
– ومن تلك الأحكام الواجب تعديلها ما يتعلق بالمدة الممنوحة لهيئة التحكيم لإصدار قرارها في حالة عدم اتفاق الأطراف مسبقا على تلك المدة، حيث يمنح قانون التحكيم الفلسطيني في المادة (38) منه هيئة التحكيم مدة اثني عشر شهرا لإصدار قرارها، إضافة إلى جواز تمديدها من قبل هيئة التحكيم لستة أشهر إضافية دون منح الأطراف الحق في جواز الاتفاق على تمديد تلك المدة. في حين أن قوانين عربية أخرى تمنح الأطراف الحق بالاتفاق على جواز تمديد تلك المدة، منها مثلا قانون التحكيم الأردني الذي نص في المادة (37/أ) على أن للأطراف الحق في الاتفاق على تمديد المدة اللازمة لإصدار القرار زيادة على مدة “ستة أشهر”. ونرى أن تعديل ذلك الحكم الوارد في القانون الفلسطيني سيؤدي بالضرورة إلى إيجاد حل لمشكلة عملية تعترض اجراءات التحكيم، خصوصا عند قيام هيئة التحكيم بإصدار قرارها حال انتهاء المدة المقررة قانونا قبل انتهاء أحد الأطراف من عرض طلباته أو إبداء دفوعه.
والأحكام السابقة مجرد أمثلة تحتم ضرورة تعديل قانون التحكيم الفلسطيني في أقرب فرصة وعدم الانتظار أكثر من ذلك من قبل اللجنة المختصة بإجراء تلك التعديلات، والتي تم تشكيلها لهذا الغرض منذ سنوات طوال.

شاهد أيضاً

لماذا يرفض الفلسطينيون صفقة القرن

بقلم: المحامي راجح ابو عصب نشرت جريدة القدس يوم الثلاثاء الماضي عن موقع “ديبكا” الاخباري …

اترك رد