انتخابات … وانتخابات

بقلم: عريب الرنتاوي

من حيث النتائج و”الأثر”، تنقسم الانتخابات، أية انتخابات، رئاسية كانت أم برلمانية، إلى نوعين: واحد يحبس الأنفاس بالنظر لما قد يخلفه من نتائج وتداعيات وتحولات … والثاني، لا يحظى بالمتابعة، اللهم إلا من باب الفضول الفائض عن الحاجة، كون النتائج محسومة سلفاً، واليوم التالي للانتخاب، لا يختلف عن اليوم الذي سبقه بشيء.

شهر آذار/ مارس الجاري، شهد وسيشهد على انتخابات رئاسية في كل من روسيا ومصر، سيعود بوتين إلى الكرملين بتفويض شعبي متجدد، وسيعود عبد الفتاح السيسي لممارسة مهامه المعتادة، في كلتا التجربتين، لم نشغل أنفسنا بمعرفة هوية المرشحين الآخرين، ولا ببرامجهم الانتخابية، وها نحن نمارس الاسترخاء، بانتظار معرفة رقمين اثنين فقط لا غير: نسبة الإقبال على التصويت، ونسبة الأصوات التي تحصل عليها المرشح الأقوى (البعض يفضل أن يطلق عليه المرشح الوحيد)، علماً بأن درجة الثقة بصحة الأرقام والنسب المئوية، غالباً ما تكون متواضعة.

في شهر أيار/ مايو المقبل، سنكون على موعد مع انتخابات برلمانية في كل من العراق ولبنان … انتخابات ستحدث فرقاً في الحالتين، في العراق أكثر من لبنان … هنا، وهنا بالذات، يحتاج المرء لمزيد من المتابعة والتدقيق، وعليه أن يتعرف على آليات النظام الانتخابية، ويتتبع خرائط التحالفات المتحركة، وأن يتقصى كل تقرير استقصائي واستطلاعي حول أوزان القوى وأحجام قواعدها الجماهيرية … هنا، انتخابات، حرة وشفافة في الغالب، والمنافسة تشتد بين تيارات فكرية وسياسية وجماعات إثنية ومذهبية وطائفية … هنا، يتعين بذل جهد أكبر للتكهن بالنتائج وتفسيرها والبناء عليها في تقدير المواقف والسياسات، الوجهات والتوجهات.

إن جاء حزب الله وحلفائه “المحتملين” بأغلبية مقاعد المجلس النيابي العتيد، سيكون بمقدوره أخذ لبنان إلى خيارات وسياسات مغايرة لتلك التي سيتجه إليها في حال فشل الحزب في الحصول على الأغلبية المطلوبة … لا انقلابات كبرى في معادلات القوة والتمثيل في ظل نظام المحاصصة الطائفية، التنافس ربما ينحصر على عشرة بالمائة من إجمالي مقاعد المجلس، ولكنها نسبة حاسمة على تواضعها، وبها يمكن تقرير اسم رئيس الحكومة ورئيس البرلمان القادمين، وعلى أساسها يمكن اختيار رئيس الجمهورية بعد نهاية ولاية الرئيس العماد ميشيل عون.

ولنا أن نتأمل في سيناريو نجاح الحشد الشعبي وجناح الدعوة بزعامة نوري المالكي في الانتخابات العراقية القادمة، مقابل نجاح الصدريين المتحالفين مع الشيوعيين، إلى جانب كتل وتيارات أخرى، من تلك المحسوبة على النهج “الاستقلالي” عن إيران … مرة أخرى، لا انقلابات في معادلة التمثيل، لكن العراق لن يكون على ما هو عليه، في الحالتين.

تعمل “الديمقراطية التوافقية”، المعمول بها بهذا القدر أو ذاك، على تعطيل مفاعيل الأغلبية والأقلية (جزئياً على الأقل، وفي لبنان أكثر من العراق)، بيد أن منطق الأغلبية سيطل برأسه المؤثر، في حال نجحت أي من المحاور والتحالفات، في تسجيل انتصار معترف به على الفريق الآخر، وسيكون لهذا الانتصار، تداعياته الملموسة في السياستين الداخلية والخارجية.

لهذا السبب تبدي الأطراف الإقليمية والدولية اهتماماً ظاهراً بهذه الانتخابات، وعلى نحو مبكر للغاية، وتضخ ملايين الدولارات في عروق وشرايين العملية الانتخابية، دعماً لهذا الفريق أو ذاك، ويرافق التحضير ليوم الاقتراع، حرب اتهامات متبادلة، تصدر أحياناً عن أرفع المستويات السياسية والأمنية في عواصم القرار الإقليمي والدولي.

من أسف، تبدو الانتخابات في معظم الدول العربية، من النوع الثاني، غير المثير للاهتمام، بالنظر لكونها “انتخابات معلبة”، محسومة النتائج سلفاً، أو لأنها تجري لبرلمانات لا موقع لها حقيقياً في النظام السياسي، ولا دور سياسياً أو رقابياً أو تشريعياً جوهرياً لها … ولذلك، لم يكن غريباً أن تشهد عقود الركود والاستنقاع في العالم العربي، مئات الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية، التي لم تحدث فرقاً واحداً … الصورة ذاته، تعود لتصدر المشهد بعد انتكاسة ثورات الربيع العربي وانتفاضات، وعودة الدولة العميقة وحكم الجنرالات في غير عاصمة عربية.

في الأردن، تنتمي انتخاباتنا المحلية والبرلمانية، لفئة الانتخابات التي لا تحدث فرقاً … فالبرلمان الضعيف أصلاً، يعاني تآكلا في دوره ومكانته وثقة الجمهور به … والتنافس السياسي في الانتخابات يدور حول هامش لا يزيد عن 10 – 15 بالمائة من المقاعد، فيما قوانين الانتخاب، مفصلة بطريقة دقيقة، تمنع المفاجآت، وتفضي إلى نتائج متوقعة سابقاً، تتوفر فيها للحكومة، أية حكومة، أغلبية مضمونة، ولا تتمتع بها المعارضة، بكتلة وازنة أو حتى “ثلث معطل”.

شاهد أيضاً

حول الجوانب المختلفة لمسيرة العودة

بقلم: عاطف أبو سيف شكلت مسيرة العودة نقطة مهمة في الفعل الميداني في قطاع غزة …

اترك رد