السياسة الخارجية الأميركية: عودة إلى مبدأ نيكسون بنكهة ترامبية

بقلم: فادي قدري أبو بكر

شكل شهر آذار/مارس لعام 2018م، منذ بدايته شهراً حافلاً بالنسبة للبيت الأبيض، لما تخلله من أحداث، ومستجدات، ومواقف، ومؤشرات لأحداث لا يمكن إشاحة النظر عنها وعدم ربطها ببعضها البعض في سبيل فهم منطلقات وأبعاد السياسة الخارجية الأمريكية.
بعد إقالة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، ولقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتزايد احتمالية نشوب مواجهة أميركية – روسية مباشرة في سورية، وارتفاع نسبة تحليلات وآراء المراقبين التي ترى في إلغاء الاتفاق النووي الأميركي – الإيراني أمراً بات شبه مؤكداً، إضافة إلى وجود تأكيدات رسمية على إقامة قنوات اتصال بين بيونغ يانغ وواشنطن. كيف يمكن قولبة هذه المتغيرات في سبيل فهم ماهية السياسة الخارجية للإدارة الأميركية الحالية؟.
أعلن الرئيس ترامب أن إقالته لتيلرسون تعود إلى سلسلة من الخلافات والتوجهات، أبرزها تتعلق بالملف النووي الإيراني. ويمكن القول أن إقالة تيلرسون تمثل جائزة كبيرة للملكة العربية السعودية قبيل لقاء محمد بن سلمان بترامب في الأسبوع التالي لقرار الإقالة. خصوصاً وأن تيلرسون معروف بعلاقته الإستراتيجية بدولة قطر، وموقفه من ضرورة الالتزام بالاتفاق النووي مع إيران، إلى جانب ضرورة إبقاء تركيا حليفاً لواشنطن.
بالنسبة للسعودية، فإن الملف الإيراني يعتبر الأهم في لقاء سلمان وترامب. حيث أن السعودية تحشد كل طاقاتها في سبيل إلغاء الاتفاق النووي الأمريكي- الإيراني كخطوة في سياق محاصرة إيران ولجم نفوذها. وعلى الرغم من المؤشرات التي تقود إلى أن ترامب يتجه نحو إلغاء الاتفاق، إلا أن مصلحة الأمن القومي الأميركي تتعارض مع ذلك التوجه، وقد عبّر قائد القيادة المركزية الأميركية جوزيف فوتيل عن ذلك، بقوله: “سيكون هناك بعض القلق (في المنطقة) ومعالجة هذا التهديد الخاص لا يتم إلا من خلال خطة العمل المشتركة، ومن مصلحتنا الآن البقاء في الصفقة مع إيران “.
من جانب آخر، فإن هدوء الحرب الكلامية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وإجراء محادثات دبلوماسية بين البلدين في فنلندا باشتراك دبلوماسيين كوريين تمهيداً لإجراء قمة بين ترامب وكيم ، يعزز الافتراض القائم على أن الاتفاق النووي مع إيران سيبقى سارياً.
تزداد في الآونة الأخيرة إمكانية نشوب مواجهة أميركية – روسية مباشرة في سورية، خصوصاً مع إعلان واشنطن نيتها توجيه ضربات جوية على أحياء دمشق الحكومية. روسيا في المقابل أكدت على لسان رئيس هيئة الأركان العامة الروسية الجنرال فاليري غيراسيموف أن: “القوات المسلحة الروسية سترد وتتخذ التدابير اللازمة في حال إقدام أميركا على شن ضربات جوية و في حالة تعرض حياة عسكريين روس للخطر “.
المصلحة الأمنية القومية الأميركية تمثل المعيار الأساسي الذي تنطلق منه السياسة الخارجية الأميركية، ومن هنا فإن إلغاء الاتفاق النووي مع إيران سيناريو مستبعد للغاية.
يبدو أن ترامب يستخدم مبدأ نيسكون ( نصر بلا حرب ) في إدارة الصراع مع إيران وطريقة تعامله مع شركائه الخليجيين وتحديداً السعوديين. هذا المبدأ الذي أعلن عنه نيكسون عام 1969م خلال مؤتمر صحفي في غوام حين قال: “ستساعد أميركا حلفاءها وأصدقاءها في الدفاع عن أنفسهم وتطوير إمكانياتهم العسكرية، ولكنها لن تتحمل أعباء حماية جميع الشعوب الحرة في العالم”. تمثلت أبرز تطبيقات هذا المبدأ آنذاك بفتح الباب على مصراعيه أمام حلفاء واشنطن وتحديداً في منطقة الخليج العربي لإبرام صفقات عسكرية مع أميركا.
أبرمت السعودية منذ تولي ترامب الحكم صفقات عسكرية مع واشنطن تتجاوز 400 مليار دولار، على ما يبدو أنها إشارة إلى أن مبدأ نيكسون يعود إلى السياسة الخارجية الترامبية.
في المقابل، فإن استمرار تصعيد الإدارة الأميركية من انتقادها للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مع التهديد بفرض عقوبات جديدة على روسيا، وتوجيه ضربات عسكرية لسورية، يجعل إمكانية المواجهة المباشرة بين القوتين في سورية مرتفعة، خاصةً في ظل تتابع انتصارات الجيش السوري ودعم موسكو للدولة السورية، الأمر الذي ترى فيه واشنطن تهديداً لمصلحتها الأمنية القومية.
ما بين طريقة تعاطي الإدارة الأميركية مع حلفائها في السعودية، وأعدائها في إيران وكوريا الشمالية، وبين طريقة تعاملها مع روسيا عدوها التاريخي والملف السوري، يمكن الخروج بتصور عام مفاده أن الإدارة الأميركية تمزج في سياستها الخارجية بين مدرستين ( النيكسونية والترامبية ). بمعنى آخر يمكن القول بأن مبدأ نيكسون يعود إلى السياسة الخارجية الأميركية ولكن بنكهة ترامبية.

شاهد أيضاً

الرد الفلسطيني على العدوان

بقلم / اللواء د. مازن عز الدين غزة البطولة والمجد الدائم تتعرض لهجوم جوي إسرائيلي …

اترك رد