الموروث الشعبي والهوية

بقلم: جميل السلحوت

يكاد الباحثون يجمعون على أنّ الاهتمام العربيّ بالفولكلور بدأ بشكل جدّي بعد الحرب العالميّة الثّانية، وبعد حصول غالبيّة الدّول العربيّة في حينه على استقلالها السّياسيّ، حيث أصبح لكلّ دولة علم خاصّ ونشيد وطنيّ خاصّ، والباحثون يغفلون القصص الشّعبي الذي دونه العرب قبل ذلك بقرون مثل حكايات ” ألف ليلة وليلة ” وسير الأبطال الشعبيين مثل ” سيف بن ذي يزن ” و ” الزير سالم ” و ” عنترة بن شداد ” و ” أبو زيد الهلالي ” وغير ذلك كثير . كما أنّ كتاب الحيوان للجاحظ فيه باب طويل عن أدب العامّة، كما أنه احتوى على الكثير من النّكات والأقوال الشّعبيّة، وكتاب العقد الفريد لابن عبد ربه احتوى هو أيضا على مأثورات شعبيّة وغيرهما .
والأداب الشّعبيّة من حكايات ونوادر وأقوال وأمثال، وأغان هي افراز لابداعات الشّعب بمجمله. وتدوين هذه الابداعات، واخضاعها للبحث والدّراسة في مراحلها المختلفة واجب أخلاقيّ ووطنيّ وإنسانيّ أيضا .
ولا يزال-مع الأسف- حتى أيامنا هذه من لا يدرك أهمّيّة تراثنا الشّعبيّ، معتقدا أنّ فيه ما يخدش الحياء! غير مدرك أن مقولته هذه فيها تهمة “قلّة الحياء” لآبائنا وأجدادنا الذين ورثنا عنهم هذا التراث، وهذا أمر غير معقول، ويجانب الحقيقة.
فالتّراث الشّعبيّ جزء هامّ من الهوية الوطنيّة لأيّ شعب، بل إنّه أحد مكونات هذه الهويّة، فمن لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل له أيضا .
والموروث الشّعبيّ بشقّيه القوليّ والماديّ هو إرث حضاري للشّعب، والتنكر لهذا الإرث الحضاري، هو استجابة مقصودة أو بدون قصد لطروحات الأعداء الذين يرون في الشعب الفلسطيني مجرد تجمعات سكانيّة، وهم بهذا ينفون عنه صفة كونه شعب .
والتّنكّر لجوانب من تراثنا الشّعبيّ كبعض الحكايات والأغاني الشّعبيّة يتساوق مع ما فعلته حركة طالبان في أفغانستان عندما دمّرت التّماثيل البوذيّة في بلادها، بحجّة محاربة الوثنيّة! وهم يتانسون مثلا أنّ المسلمين بدءا من الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، مرورا بدولة الخلافة وحتى أيامنا هذه لم يدمّروا التّماثيل الفرعونيّة في مصر على سبيل المثال، ولسبب بسيط أنّها حضارة المصريين في مرحلة سابقة، ومع الفارق ما بين ” التنكّر لبعض الحكايات والأغاني والأمثال وتدمير التّماثيل ” حيث أنّ الحكايات والأغاني الشّعبيّة تحمل في طيّاتها مفاهيم دينيّة، كبقية موروثنا الشعبي .
ففي العام 1991 حسبما أذكر وعندما أقيم مهرجان القدس الثّقافيّ والذي شاركت فيه فرق فلكلوريّة من مختلف أنحاء فلسطين، وقف أحد الأساتذة في إحدى جامعاتنا المحليّة ليُحرّم الاحتفالات الفولكلوريّة معتبرا إيّاها خروجا عن الدّين، ومحتجّا على استعمال مصطلح ” التّراث الشّعبيّ ” ورددت عليه بأنّ التّراث مأخوذ من الفعل ورث يرث فهو تراث وميراث، وديننا الحنيف هو تراثنا الدّينيّ الحضاريّ الذي توارثناه أبا عن جد، فالوحي نزل على خاتم المرسلين صلوات الله عليه، والدّين اكتمل في عصره، ونحن توارثناه من بعده، كما أنّ تراثنا الشّعبيّ مجبول بالمفاهيم الدّينيّة؛ لأنّ ثقافاتنا الشّعبيّة هي ثقافة دينيّة، فعلى سبيل المثال تفتتح أمهاتنا وأخواتنا وزوجاتنا وبناتنا أغاني الأفراح بـ ” المهاهاة ” قائلات :
وهاي يا ناس صلّوّا على النّبي
وهاي بدل الصّلاة صلاتين
ويفتتح آباؤنا وأخواتنا ونحن السامر بالقول :
وأول ما نبدي ونقول
والحذر يصلّي ع الرّسول
وهكذا…..فما كان من ذلك الأستاذ إلا أن وقف معترفا بعدم معرفته المسبقة بهذا الموضوع، وأنه كان عنده فهم خاطئ للمصطلح، فحظي باحترام الحضور .
اللهجة العاميّة :
اللهجة: هي استعمال خاطئ للغة، ومدى ابتعاد أي لهجة عن الفصحى دلالة على مدى بعدها عن اللغة الصّحيحة .
وقد اختلف الباحثون حول تدوين الموروث الشّعبيّ بالفصحى أم بالعاميّة .
فبعضهم ارتأى أنّه يجب تدوينه كيفما سمعته من راويه دون تغيير أو تبديل، والبعض الآخر ارتأى أنّه يجب تدوينه بما يسمى اللغة الثّالثة، وهي اللغة الفصحى السّلسة التي إذا سكّنتَ آخرها تصبح عاميّة، وانا أميل إلى الرّأي الثاني، مع التّنويه أنّ بعض الموروث الشّعبيّ إذا ما قمت بمحاولة كتابته بالفصحى كالمثل الشّعبيّ فإنّ رونقه ومعناه سيفسدان .
تراثنا بين السّرقة والطمس والتشويه :
يتعرض التراث الشّعبي الفلسطيني إلى السّرقة والتّشويه والضّياع، نتيجة للغزو الصّهيونيّ لفلسطين، وتشريد ملايين الفلسطينيّين عن أرض وطنهم. فمئات القرى الفلسطينيّة تمّ تدميرها بالكامل، ومحو كلّ أثر لها. وما تبقى جرى تحريفه وتشويهه، فعسقلان أصبحت أشكلون، وبيسان أصبحت بيت شان وبيت محسير أصبحت بيت مائير وهكذا.
وحتّى على مستوى المأكولات الشعبية فإنّ الحمّص والفلافل يقدّم على اعتبار أنّه أكلة شعبيّة عبريّة. أمّا على مستوى الأدب الشّعبي فقد تم تقديم أغنية ” الدلعونا ” بنفس لحنها الشّعبي الفلسطينيّ بعد ترجمة كلماتها إلى العبريّة على أساس أنّها أغنية شعبيّة عبريّة .
وكذلك الثّوب الفلاحيّ الفلسطينيّ المطرّز تمّت سرقته، وفي بداية ثمانينات القرن العشرين قرّرت شركة ” العال ” الاسرائيلية للطيران اعتماده كلباس لمضيفات الشّركة على اعتبار أنّه موروث شعبيّ عبريّ .
والآثار الفلسطينيّة تمّت سرقتها وعرضها في المتاحف الاسرائيليّة على اعتبار أنّها آثار العبريّين القدماء . والحكايات الشّعبية الفلسطينيّة بشكل خاصّ والعربيّة بشكل عامّ تمّت ترجمتها واستبدال الأسماء العربية فيها بأسماء عبريّة ونسبتها إلى العبريّين .
وهذه السّرقات ليست عفويّة، بل هي مدروسة ومخطّطة، فعندما ارتأت الحركة الصّهيونيّة إقامة وطن قوميّ لليهود في فلسطين، اعتمدت على التّراث الدّينيّ التّوراتيّ”العودة إلى أرض الميعاد” لكنّها وجدت أنّ التّراث الدّينيّ وحده عاجز عن بلورة شعب، فعمدت إلى سرقة التّراث الشّعبيّ الفلسطينيّ العربي، لتضليل الرّأي العام العالميّ، وتضليل اليهود أنفسهم وإيهامهم بوجود جذور تاريخيّة لهم في هذه البلاد، وأنّ لهم تراثهم وحضارتهم.
ونتيجة لتشتّت الفلسطينيين فإن الأغنية الشّعبية الفلسطينية قد ضاعت في أرض اللجوء، أو تمّ دمجها بالأغاني المحلية خصوصا في الدّول العربيّة الشّقيقة، وتمّ نسبها إلى هذا القطر أو ذاك .
ويجدر التّنويه هنا أن لا خلاف على الثّقافة العربية المشتركة، لكنّ ضياع الموروث الشّعبيّ الفلسطينيّ تحديدا يجب عدم المرور عليه مرّ الكرام؛ نظرا لظروف الشّعب الفلسطينيّ الخاصّة، والتي تهدّد وجوده كشعب ساهم في بناء الحضارة العربيّة والاسلاميّة والإنسانيّة .
القدس القديمة عربيّة عبر التّاريخ
بنى اليبوسيّون العرب مدينة القدس قبل أكثر من ستّة آلاف عام، واتّخذوها عاصمة لمملكتهم، ومنذ ذلك التّاريخ لم ينقطع الوجود العربيّ فيها، رغم أنّها تعرّضت للغزو والتدّمير حوالي 28 مرّة، فعندما غزا الفرنجة بلاد الشّام بما عرف بالحروب الصّليبيّة، واحتلّوا القدس عام 1099م، قتلوا سبعين ألفا من سكّانها وهم يحتمون داخل المسجد الأقصى، لكنّ جزءا ممّن نجوا هربوا إلى القرى المجاورة، ولم يبتعدوا عن مدينتهم، و”يحيط بالبلدة القديمة من القدس (مساحتها حوالي 1 كم ) سور عظيم، بني بأمر من السّلطان العثماني سليمان الأول خلال عامي 1535 و1538م، عندما كانت القدس جزءا من الدّولة العثمانيّة. طوله 4018 مترا (2.4966 ميل)، ويبلغ متوسط ارتفاعه 12 مترا (39.37 قدم) ويبلغ متوسط سمك جدرانه 2.5 مترا (8.2 قدم)، وتحتوي الجدران على 34 برج مراقبة و8 بوابات.
في عام 1981 تمت إضافة أسوار القدس – بالإضافة إلى البلدة القديمة في القدس- إلى قائمة مواقع التّراث العالمي لليونسكو واسمها الرّسمي في القائمة هو “مدينة القدس القديمة وأسوارها”.
والقدس القديمة مدينة التّعدّديّة الثّقافيّة، تحوي داخل سورها أقدس مقدسّات المسلمين والمسيحيّين، كالمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، بالإضافة إلى عشرات المساجد والزّوايا والتّكايا والكنائس والأديرة والمدارس. وغالبيّة الأبنيّة التّاريخيّة القائمة في المدينة بنيت في العصر المملوكي.
وجاءت حماقات الإدارة الأمريكيّة برئاسة ترامب لتعترف بالقدس عاصمة لدولة اسرائيل، علما أنّ كلّ حجر في المدينة يشهد أنّه عربيّ بني بأيد عربيّة. والسّياح الذين يرتادون المدينة لا يحتاجون إلى كثير من الذّكاء؛ ليعرفوا أنّ المدينة عربيّة من خلال نمط العمران فيها.
الموقف العقلانيّ من التّراث:
يرى البعض أنّه يجب جمع تراثنا الشّعبيّ القوليّ والماديّ بإيجابيّاته وسلبيّاته إذا كانت له سلبيّات، واخضاعه للدّراسة والبحث، ويجب عدم استثناء أيّ جزء من التّراث، وعقلنة التّراث لا تتعارض مع التّقدّم العلميّ والحضاريّ، فمثلا أنا أفاخر أن أمّي وجدّتي كانتا تستعملان الطابون والصّاج لصناعة الخبز، فهذا ما تيسر لهما، لكنّ زوجتي تستعمل الفرن الكهربائيّ لصناعة الخبز حاليّا، وهذا ما تيّسر لها
أيضا .
وبعض الحكايات والأمثال والنّكات الشعبية لها مدلولات سلبيّة، وهذه ظاهرة موجودة في آداب الشّعوب جميعها، لأنّ الأدب الشّعبيّ أدب طبقيّ، فكلّ طبقة أنتجت آدابها. فالمتذيّلون للمحتلّين والمستعمرين والحكّام الطّغاة أنتجوا المثل القائل ” إللي بتجوز أمّي هو عمّي “، و”الكف ما بتناطح مخرز”، والمقاومون قالوا: ” إللى بتجوز أمّي هو همّي ” و “من داس ع رجلك دوس ع راسه” …وهكذا
وجمع التراث بكافة جوانبه لا يعني استعماله كاملا، فالحياة في تطوّر مستمر، وما يخدم قضاياك المعاصرة هو الذي يمكنك أن تستخدمه لتعزيز هذه القضايا أو لفضحها وتعريتها، مع التّأكيد أنّ موروثنا الشّعبي ليس فيه ما يعيب، أو يخدش الحياء كما يزعم البعض .

شاهد أيضاً

زياد… أعطى الأرض عمره

بقلم: موفق مطرعاشق الأرض المقدسة، شجرة زيتون فلسطينية اصلها ثابت في الأرض وفرعها ينير السماء …

اترك رد