ريم بنا.. صوت الزعتر البري وهدوء الغزالة

يامن نوباني

صوت القضية، هكذا أسماها الفلسطينيون، الذين ما زالوا يرون في الفن والغناء والمسرح والقصة والشعر وكل الفنون، طريقا مهما في الثورة.

هناك في المخيمات البعيدة والباردة، كان اللاجئون يحسون صوت ريم بنا، جسر العودة إلى البلاد. هُنا، خلف قضبان سجون الاحتلال وأسلاكه الشائكة وأسواره العالية والهشة، كان الأسرى يستأنسون صوتها القادم من الراديو آخر الليل، عبر إحدى الموجات الفلسطينية القليلة التي يصل بثها إليهم، وفي زنازينه المعتمة والباردة، يرددون ما يحفظون من كلماتها، ليشعلوا شمعة، ويخلقون بعض الدفء.

غنت عن الأرض، المعنى الأقوى للحياة، عن المرأة والتراث، عن البيت وطريقه، عن نبع الماء والكحل في عين العروس، عن الحب والأطفال، الماضي والحاضر، وعن المستقبل كيف يكون صلبا.

الكاتبة زهيرة زقطان من رام الله كتبت: رحلت ريم بنا بهدوء غزالة، لا أجد ما أقوله للصديقة زهيرة الصباغ، الوجع أكبر من الحرف”.

الكاتبة ناديا بنا من الناصرة كتبت: ريمنا التي من حب وألوان وموسيقى غادرتنا هذا الصباح إلى مكان آخر بلا ألم ولا علاج كيماوي ولا دموع”.

الكاتب زكريا محمد: خسرنا اليوم واحدة من أجمل نساء فلسطين وأعظمهن: ريم بنا.”

وتابع: “خسرنا الصوت الذي فتح باب الفرح إلى قلوبنا وقلوب أطفالنا…

أنا شخصيا مدين لريم البنا بالكثير. لقد تربى أولادي أطفالا على أغانيها”.

الكاتبة الشابة نور أبو سلمى، كتبت: أن تستيقظ على خبر نيزك أو نجم مضيء ينطفئ، على قافلة محملة بالعودة ضلت الطريق ولم تعد! كالمطر الموعود في ليلة القحط الأخيرة ولم يأتِ. أن تستيقظ على صباح تختفي فيه ريم البنا للأبد، صوتك خطف كل الصباحات السيئة وما أكثر أكثرها الآن، الرحمة لروحك يا صوت الزعتر البري.

المحامي محمد عليان (والد الشهيد بهاء عليان) كتب: لم أكتب شيئا عن ريم بنا، بل رحت أبحث عن أعمالها، استمع إلى صوتها، واقرأ كلماتها الاخيرة. غافلتها بعد سويعات من الرحيل لأنهل منها حاجتي إلى القوة والامل والحب، لا ينفع الراحلين ما نكتبه من نصوص وكلام، لكن ينفع الأحياء ما يتركه لنا الراحلون.

استمعوا لصوت ريم وانهلوا منها حاجتكم إلى الحياة.

الكاتب زياد خداش، كتب: وداعا ريم، فنانة الحب والقتال. صوتها من مشاتل وليل ووعود، كأن شيئا ما حلوا سيحدث بعد قليل، كأننا نراه الآن قادما من بطن الوادي المعتم، لينقذنا من شيء ما يجلس على صدورنا، ها هو قادم، ها هي ريم تغني، شيء عزيز مثل أب ميت، وطويل مثل زفرة قائد، وممتلئ مثل إرادة شعب مقهور، شيء قريب، سيزيل الغمة ويدمر الحدود بين الأشياء، ويكسر التوقع، ويهدينا اكتمال السؤال، ووضوح العدالة، وانفجار نبعها، صوتها من مشاتل وليل ووعود، كقراءة أخرى للحزن الكوني، كالتفاف أنثوي باهر على معنى الألم الشخصي، كتحويل ذكي وبارع لسكة قطار اليأس نحو مدن الطفولة والأمل، ارتبط صوت ريم بنا داخلي وهي تغني (عذب الجمال قلبي)، بطعم ممتع لقهوة مستمرة في فمي وبصمت صديق متكئ بملل وبهجة إلى شرفة، وبانتظار مرور صديقة باردة أحببتها بصمت خائب ذات رام الله قديمة.

وتابع: كلما انقضت ساعة كنت أقول بعد قليل ستمر، بعد قليل ستمر، فسميت ريم: فنانة البعد قليل. ما إن أسمعها حتى أقول، بعد قليل سننتصر على الاحتلال، بعد قليل سأحب امرأة جديدة، بعد قليل سأعيش سنة أخرى، بعد قليل ستمطر الدنيا، بعد قليل سأعود إلى البيت، بعد قليل سأقرأ محمود درويش، بعد قليل سأتصل بأمي. بعد قليل سأعيش أغنية لريم بنا، بعد قليل سأكتب نصا جديدا. صوتها من مشاتل وليل ووعود.

“عذب الجمال قلبي عندما اختار الرحيل، قلت يا جمال صبرا. قال: كل الصبر عيل. قلت ما داؤك قل لي؟ قال: شوقا للحبيب. قلت يا جمال خذني، قال: لا حملي ثقيل. قلت: يا جمال امشِ. قال: لا دربي طويل”.

الكاتب أخلد نواس: المطر في الناصرة لن يردد تك تك سيقول لا لا، الريح في زواريب القدس ستصفر للمحتلين (إر … إر حل) ، وتغير نغمتها حين تغني للصامدين ( اص … اص مد) ، عصافير الجليل ترتدي اليوم بدلات وتصطف على سلك الكهرباء تستعد لتزقزق تهاليلك التي بنكهة الزعتر، الباعة المتجولون في المخيمات ينادون على فاكهة الأغاني (ريماوي تفاح)، (ريماوي يا عنب)، (ريماوي يا رمان)، هذي ثمار شجرة الحياة .

يا ابنة النغمات والنسمات، لا تموت الموسيقى، ذوبان صوتك يشبه ذوبان السكر في الشاي، من صوتك فاحت رائحة الميرمية .

شاهد أيضاً

الطيبي في خطابه حول قانون القومية: “موطني” اقوى من “هتكڤا” وقوانينكم لأنه لغة الأرض والبلد

* انتم غير قادرين على تعريف من هو المواطن.!* * انتم خائفون لانه الحرامي ع …

اترك رد