سوريا بعد “سبعٍ عجاف”… أين من هنا؟

بقلم: عريب الرنتاوي

“لا حل عسكرياً للأزمة السورية … ولا حل سياسياً كذلك”، أقله في المدى المنظور، وربما لسنوات عديدة قادمة … هذا هو “تقدير الموقف” السائد في مراكز صنع القرار السياسي والأمني في الدولة الأردنية، وهي قراءة واقعية على تشاؤمها، تتشاطرها أوساطٌ واسعة من المراقبين والخبراء بالمسألة السورية.

ويستند هذا التقدير إلى جملة من المعطيات السياسية والميدانية، محلياً وإقليمياً ودولياً، يمكن إيجاز أهمها، ميدانياً، على النحو التالي: (1) الحرب في سوريا تقترب من التحول من “حرب بالوكالة” إلى “حرب بالأصالة” مع تآكل أوزان اللاعبين المحليين، وهو سيناريو خطر، لا ترغب أي من القوى الدولية والإقليمية الانزلاق في مستنقعه، سيما بوجود قوات على الأرض وفي السماء، لخمسة دول وازنة: الولايات المتحدة، روسيا، إيران، تركيا وإسرائيل، فضلاً عن وحدات أقل، لفرنسا وبريطانيا … (2) ثمة ما يشبه الإقرار الواقعي للأطراف، أو “تفاهمات جنتلمان” فيما بينها، بعدم تجاوز الخطوط الحمراء “الافتراضية لمناطق انتشار هذه القوات … (3) لكن هذه “التفاهمات”، لم تستقر بعد على حدودٍ وخرائط نهائية، ما يسمح باستمرار المواجهات “التكتيكية” على محاور وجبهات عديدة، من بينها محيط دمشق، مناطق شمال غرب سوريا ومنطقة خفض التصعيد في جنوبها الغربي.

سياسياً، يُنبئ التوتر المتصاعد في العلاقات الروسية – الأمريكية بتعذر الوصول إلى اتفاقات وتفاهمات بشأن سوريا، بخلاف ما كان عليه الحال في العامين الفائتين … كما أن العلاقات الأمريكية – الإيرانية تبدو مرشحة لمزيد من التدهور والتفاقم في ظل تنامي المعلومات بشأن انسحاب الولايات المتحدة من “الاتفاق النووي” مع طهران، المرجح في أيار/مايو المقبل، وفي ظل إصرار الإدارة الأمريكية وإسرائيل وبعض “المعتدلين العرب” على تقطيع أوصال “الطريق البري” الإيراني الواصل بين قزوين وشرق المتوسط… يضاف إلى ذلك أن العلاقة بين أضلاع “المثلث الراعي” لمسار أستانا، ليست على ما يرام، خصوصاً بين طهران وأنقرة، المتخوفتان من النوايا “الخبيئة” لتركيا، بعد خروج تدخلها العسكري في شمال سوريا، عن الحدود “الممكنة والمقبولة” لديهما.

الخريطة الجغرافية لسوريا، انتهت إلى تمكين النظام من السيطرة على ما يقرب من ستين بالمائة من الأراضي السورية (سوريا المفيدة)، ولديه على ما يبدو “ضوءًا أخضر” إقليمياً ودولياً لاستكمال بسط سيطرته على محيط العاصمة دمشق وأريافها، على الرغم من الضجيج الإعلامي والحقوقي المصاحب لعملياته في الغوطة الشرقية … وتسيطر الولايات المتحدة وحلفائها من “قسد”، وحدات الحماية الكردية على وجه الخصوص، على ما يقرب من ربع الجغرافيا السورية، وتحديداً في مناطق شرق الفرات والبادية السورية الشرقية … فيما تتوزع بقية المساحة على جيوب للمعارضة في إدلب ومحافظتي درعا والقنيطرة، ومناطق عمليات “درع الفرات” و”غصن الزيتون” التي سيطر الجيش التركي بنتيجتها على عدة ألاف من الكيلومترات المربعة من الأراضي السورية، ويحتفظ “داعش” بمناطق انتشار في عمق البادية الشرقية وضواحي جنوبي دمشق، وهي وإن كانت جيوباً معزولة، إلا أنها مرشحة لتكون قاعدة تجمع وانطلاق لعناصره التي يجري العمل على إعادة تنظيمها وهيكلتها.

في مناخات التوتر والاستقطاب التي تهيمن على علاقة اللاعبين الدوليين الأكثر نفوذاً في سوريا، ومع تزايد التقديرات بدخول العلاقات الإيرانية – الأمريكية مرحلة أشد تعقيداً من الصراع، يبدو أن مسار جنيف سيكون الضحية الأولى لهذه الجولة من التصعيد والتوتير في العلاقات الإقليمية والدولية … أما مسار أستانا و”خفض التصعيد”، فهو يلفظ أنفاسه الأخيرة في الغوطة الشرقية وعفرين، وقد تُطلَق عليه رصاصة الرحمة، إذا ما اندلعت معركة “الريف الشرقي” في محافظة درعا جنوباً، حيث تتزايد الأنباء عن حشود وحشود متقابلة بين النظام وحلفائه من جهة، وجبهة النصرة، التنظيم الرئيس في المنطقة، وحلفائها وداعميها من جهة ثانية، وسط تقديرات بأن معركة درعا، ستُفتح ما أن تضع معركة الغوطة الشرقية أوزارها … أما مسار سوتشي فقد ولد “معاقاً” في الأصل، وليس متوقعاً له أن يحدث فرقاً في المجالين السياسي والميداني للأزمة السورية.

ثمة حدود لمناطق نفوذ اللاعبين الكبار، جرى ترسيمها من دون مفاوضات، وأحياناً جرى تعميدها بالدم … الولايات المتحدة لم تتردد في توجيه ضربات جوية وصاروخية ضد قوات محسوبة على النظام، ووحدات روسية شبه نظامية (ميليشيات) في محيط دير الزور، في رسالة لم تخف دلالاتها على الكرملين في موسكو وقصر الشعب في دمشق … وتركيا لم تتردد في توجيه ضربات مؤلمة لـ “القوات الرديفة” للجيش السوري في محيط عفرين، كانت القيادة السورية قد أرسلتها للمنطقة، استجابة لنداءات أكراد المنطقة، متجنبة إرسال وحدات نظامية من الجيش، وفي رسالة دامية أخرى، لم تخف دلالتها على دمشق وطهران… أما في منطقة غرب درعا والقنيطرة، فإن إسرائيل، وقفت وستقف بالمرصاد، ضد أي محاولة تقرّب وتعرض تقوم بها وحدات الجيش السوري وحلفائه في المنطقة، فيما يشبه “المنطقة الآمنة” غير المعلن عنها رسمياً، وهي نفذت حتى الآن، أكثر من 120 ضربة جوية وصاروخية لأهداف سوريا وإيرانية وأخرى تابعة لحزب الله على الأرض السورية.

وسيُستكمل في العام الثامن للأزمة السورية، حراك الخرائط وخطوط الحدود الواقعية لـ “تقاسم النفوذ” في سوريا، لم تترسم نهائياً بعد، ولم تستقر على حال … تركيا ستمضي في توسيع “حزامها الأمني” على امتداد حدودها مع سوريا، أقله على امتداد “غرب الفرات”، وثمة ما يشي بأن “عقدة منبج” في طريقها للحل بين واشنطن وأنقرة، ويقوم هذا الحل، على “حوصلة” المدينة في “جيب معزول”، تحيط به من كل جوانبه، قوات أمريكية وتركية مشتركة، وربما يجري نقل عناصر “الوحدات الكردية” إلى شرق الفرات، أو أعداد منها على أقل تقدير.

كما أن المعلومات التقديرات التي يجري تداولها في واشنطن وأنقرة، تكشف عن محاولة أمريكية لإشراك تركيا في خطة “قطع الطريق الإيراني البري” الشمالي، من خلال الوصول إلى ترتيبات تبدد مخاوف تركيا من الأكراد، وتلبي هدف واشنطن إغلاق هذا الممر، فإن حصل توافق على هذا الأمر، ستكون واشنطن قد نجحت في قطع “الممرين” الشمالي بمساعدة الأتراك والأكراد معاً، والجنوبي بوجود “قاعدة التنف” وميليشيات مقربة من واشنطن وعواصم “الاعتدال العربي”، ليبقى “الممر الأوسط”، رهناً بالتطورات السياسية والميدانية اللاحقة … لكن الأمر ما زال في إطار التداول، ومن السابق لأوانه التكهن بمآلات التفاوض حول هذه النقطة الحساسة، سيما وان الأطراف المنخرطة فيه، تشكو “فقدان ثقة” عميق، فيما بينها.

وسيكمل النظام السوري في هذا العام، وبدعم من حلفائه، عملياته لـ “تطهير” الغوطة الشرقية، وقد ينتهي منها في غضون أيام وأسابيع قليلة … وسيتعين عليه العمل على “تطهير” مناطق ريفية في جنوب دمشق، يسيطر عليها “داعش”، وربما ينتقل إلى فتح معركة “ريف درعا الشرق” لتأمين خط الحدود بين عمان ودمشق عند معبر “نصيب”، وهو سيناريو يتوقعه الخبراء السياسيون والعسكريون والأمنيون الأردنيون، بل ويرجحونه، ويتحسبون لعواقبه وانعكاساته على الأردن.

وترجح مراكز صنع القرار السياسي والعسكري والأمني الأردنية، أن يظل حال سوريا على هذا الحال، لسنوات عديدة قادمة … بغياب أية نية أو استعداد من قبل اللاعبين الكبار للدخول في “حرب الأصالة”، وبالنظر لتعذر إحياء مسار جنيف للحل السياسي مع عودة شبح “عودة الحرب الباردة” ليخيم على العلاقات الروسية الأمريكية، وبانتظار جولات جديدة من المواجهة بين واشنطن وطهران في عموم الإقليم، في المرحلة القادمة

.يسمح هذا السيناريو بحدوث موجات متعاقبة من المواجهات العسكرية المحلية، باستخدام تكتيكات “حروب الوكالة” على بعض المحاور والجبهات، بيد أنه يستبعد المعارك الكبرى، التي ستقود اللاعبين الكبار حتماً إلى “حافة الهاوية”، وربما الانزلاق إلى قعرها السحيق… مثلما يسمح السيناريو ذاته، بنوع من “تطبيع” الحياة اليومية في المناطق المتقاسمة بين القوى الإقليمية والدولية، إلى أن تتوفر الفرصة لالتئام مائدة المفاوضات من جديد، في جنيف أو غيرها … تماماً مثلما حصل ويحصل في الدول والمجتمعات المبتلاة بحروبها الأهلية وحروب الآخرين عليها، ولعل في تجربة لبنان، الجارة الصغيرة لسوريا، مثال على ما يمكن أن تؤول إلية الأزمة السورية.

سبع سنوات عجاف مرت على سوريا، وليس من المنتظر أن يتبعنها “سبعٌ سمان” … فسفن الأزمة السورية ستبقى تمخر عباب بحر متلاطم الأمواج حتى إشعار آخر، وهي ما زالت بعيدة عن مرافئها.

شاهد أيضاً

 “من يحكم غزة”

بقلم: كمال الرواغ لقد استطاعت الصواريخ الاسرائيلية، ان تهدم سجن غزة المركزي في ساحة السرايا …

اترك رد