في مئوية ولادة ابن بيت لحم وجوه جبرا إبراهيم جبرا المتعددة: شعور بفراغ كبير بعد رحيله

رام الله- الحياة الجديدة- عشية الذكرى المئوية لولادة الكاتب والناقد والمترجم والرسام الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا (وُلد في بيت لحم 1919)، أصدر الناقد الفلسطيني فيصل درّاج كتابه الأخير “جبرا إبراهيم جبرا: وجوه المثقف الرومانسي”، عن دار جامعة حمد بن خليفة في الدوحة أودع فيه خلاصة التجربة الحياتية والفنية الغنية لواحدٍ من أكبر المثقفين الفلسطينيين في القرن العشرين، حتى إن الفراغ الذي خلّفه “لا تملأه الدعوات الصادقة ولا الشعارات التي تبدو متماسكة وتذوب إن سطعت الشمس”، كما جاء في السطور الأخيرة من المقدمة.
قامة جبرا إبراهيم جبرا العملاقة تبدو في تكوينه الثقافي وفي إيمانه بفكرتين أساسيتين منذ أن كتب روايته الأولى “صراخ في ليل طويل” (1946)، بحسب دراج: تعيين الثقافة الحديثة أداة لإيقاظ المجتمع الفلسطيني وتحريره، وتقرير دور رسولي للفلسطينيين في العالم العربي ينقذ العرب من تخلّفهم.
تبدو هذه القامة الكبيرة بما أنتجت حتى 1994 وتركت من تأثير لدى كتّاب جيله والجيل الجديد من الكتاب العرب، سواء بما أبدعه من شعر وقصة ورواية، أو بما ترجمه من اللغة الإنكليزية.
عبّر جبرا عن موهبة مبكرة، حيث إنه نشر أول قصة “ابنة السماء” في 1938، بمجلة “الأمالي” اللبنانية، بينما كتب روايته الأولى “صراخ في ليل طويل” في 1946، أي قبل أن يحصل على الماجستير في الأدب الإنكليزي من جامعة كامبردج (1948). كانت تلك سنة “النكبة” التي اقتلعت جبرا من فلسطين وأودت به إلى العراق، حيث درّس الأدب الإنكليزي في جامعة بغداد 1948-1952، وأسّس مع الفنان العراقي جواد سليم “جماعة الفن الحديث” ليمثل روحا جديدة في معارض هذه الجماعة.
كانت روايته الأولى “صراخ في ليل طويل”، كما يرى درّاج، تعبّر عن بروز كاتب له مشروعه الذي اشتغل عليه وأثمر كثيرا، بالاستناد إلى ثلاثة عناصر: التجريب الكتابي، والنقد الصارم للقديم الذي تمنع عاداته الراكدة المبادرة والوقوف، والاحتفاء بالفردية المبدعة التي ترفض الانقياد للمجموع وتبشّر بمجتمع جديد. ومن هنا، كما يضيف درّاج، لم تكن رواياته اللاحقة مثل “السفينة” (1970) و”البحث عن وليد مسعود” (1978) وغيرها، “إلا صقلا وتطويرا لما جاء في روايته الأولى”، وكذلك الأمر مع مجمل إبداعاته التي تبدو فيها العناصر المذكورة.
هذه الرؤية للكاتب تبدو محقة إذا ما أخذنا في الاعتبار نتاج جبرا في السنوات اللاحقة، وبالتحديد في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، في مختلف المجالات: الشعر والقصة والرواية والترجمة والدراسات النقدية. فقد أصدر في 1956 مجموعته القصصية “عرق”، ثم مجموعته الشعرية “تموز في المدينة” (1959)، ودراسته النقدية “الحرية والطوفان” (1960)، ليكمل في الستينيات هذا التنوّع الإبداعي مع المجموعة الشعرية “المدار المغلق” (1964) وغيرها، على حين أنه أصدر، خلال السبعينيات، “السفينة” (1970)، و”البحث عن وليد مسعود” (1978)، والمجموعة الشعرية “ينابيع الرؤيا” (1979) وغيرها، بينما تميزت الثمانينيات بتجربة الرواية المشتركة مع عبد الرحمن منيف “عالم بلا خرائط” (1982)، ورواية “الغرف الأخرى” (1982)، وصولا إلى سيرته الذاتية “البئر الأولى” (1987)، وروايته الأخيرة “يوميات سراب عثمان” (1992).
مع هذا النتاج الإبداعي المتنوع الذي يحتل مكانة فريدة بين الكتاب الفلسطينيين والعرب، بحكم ارتباطه العضوي بفلسطين وإيمانه بـ”الدور الرسولي للفلسطينيين” في دول الجوار، لا يقلّ أهمية عنه ما أنجزه جبرا في مجال الترجمة من الإنكليزية، فقد أتاحت دراسته لنيل الماجستير في الأدب الإنكليزي بجامعة كامبردج في تلك الفترة المبكرة (1948) أن ينهل قراءة ودراسة وترجمة من الأدب الأنكلو-أميركي، من شكسبير إلى وليم فوكنر، مرورا بصموئيل بيكيت وغيرهم. ومن هنا فقد جاءت ترجماته التي تتجاوز الثلاثين لتعبّر عن هذا التنوع في مصادر ثقافته وتأثيرها في أدبه وأدب مجايليه أيضا. فقد كانت ترجماته تخدم مشروعه الثقافي التنويري أو رسالته الرسولية، بتعبير درّاج، ابتداء من أهم مسرحيات شكسبير (هاملت، الملك لير، عطيل، ماكبث، العاصفة وغيرها)، وإلى “في انتظار غودو” لصموئيل بيكيت و”الصخب والعنف” لوليم فوكنر وغيرها.
إنها، إذن، خسارة مضاعفة للمثقفين الفلسطينيين، باعتبار جبرا واحدا ملهما منهم، وخسارة للمثقفين العرب، مع تراجع “المناخ الثقافي الواعد” الذي كان يمثله جبرا إبراهيم جبرا في المشرق العربي.

شاهد أيضاً

إطلاق كتاب “مقدسيون صنعوا تاريخاً” في متحف ياسر عرفات

أطلقت اللجنة الوطنية للقدس عاصمة دائمة للثقافة العربية، في متحف ياسر عرفات، مساء يوم السبت، …

اترك رد