الحواس شهيد القدس بعد هبة يوم الأرض

هبة اصلان

لم يتعرف متصفح البحث “جوجل” على الشهيد عبد الله الحواس، وهو أول شهيد مقدسي يرتقي في أحداث يوم الأرض الفلسطيني التي وصلت القدس بعد قرابة الشهرين من انطلاقها داخل أراضي عام 1948، في الثلاثين من آذار 1976.

ففي السادس عشر من أيار من العام ذاته، ارتقى الحواس (17 عاما) شهيدا على مدخل معهد قلنديا للتدريب المهني، حيث انطلقت أول تظاهرة ضمن الانتفاضة الشعبية ضد قرار مصادرة الاحتلال لـ21 ألف دونما من أراضي قريتي عرابة وسخنين.

كان الشهيد الحواس في سنته الدراسية الأولى في تخصص فني كهرباء في المعهد المهني الذي يمنح شهادة الدبلوم، لم يستجب لطلب والدته بالبقاء في منزل العائلة داخل مخيم شعفاط الذي هجر إليه من حارة الشرف في البلدة القديمة بعمر عشر سنوات، ليرتقي على أرض مخيم قلنديا للاجئين شمال المدينة المحتلة بعد إصابته بالأعيرة النارية.

في ذلك اليوم كانت شقيقته زينب المتزوجة في قلنديا بانتظاره ليصلح لها بعض تمديدات الكهرباء، وصلها خبر ارتقاء شهيد وهي تملأ المياه من العين عند باب المخيم، وصلت منزلها لتضع جرة المياه وعادت أدراجها إلى شارع رام الله-القدس الرئيسي.

عند باب المخيم حيث لم يعد اليوم أثراً للعين، سألت زينب عن هوية الشهيد، فقالوا لها: “يقولوا اسمه عبد الله، ابن يامنة من عناتا”، فبدأت زينب التي لم يمضي سوى شهر على وضعها لمولودها البكر بالصراخ والبكاء.

كان الشهيد يقطن مع والديه وشقيقه الأكبر وعائلته، وتستذكر زوجة شقيقه “أم عماد” ذلك اليوم جيدا: “طلب من والدته أن تعد له طبق ورق العنب، وأكد عليها أن لا تحشوه باللحمة وأن تضع على حصته عيدان الكبريت كعلامة”، قالت أم عماد.

في بادئ الأمر أخبروا والده الكهل أنه مصاب، واصطحبه رجال المخيم إلى عيادة الأونروا أمام منزل العائلة، وهناك أخبروه باستشهاد ابنه الذي نقل جثمانه إلى مستشفى رام الله.

تقول أم عماد إن جنازة الشهيد وصلت القدس مشيا على الأقدام، لفوا الجثمان بالعلم الفلسطيني وخرجوا به من مستشفى رام الله، وفي قلنديا وصلوا إلى ساحة المعهد المهني حيث كان يدرس الشهيد ليودعه، واستكملوا التشييع إلى المحطة ما قبل الأخيرة.

وصل الجثمان والمشيعون خلفه إلى مخيم شعفاط، حيث لم تكن والدة الشهيد على علم بارتقائه بعد، استغربت توافد النساء على منزلها وهي تلف الورق الذي طلبه أصغر أبنائها قبل خروجه من المنزل.

وقبل وصول الجثمان بلحظات أخبروها، فرمت طبق الورق والأرز وبدأت تبكي فلذة كبدها، وتصف زوجة الابن كيف “ذابت والدة الشهيد كالشمعة على فراق ابنها وكيف ضعف بصرها بسبب بكائها”.

ولم يكن تشييع الشهيد عبد الله الحواس عاديا، فأول الجنازة كان في شعفاط وآخرها في قلنديا، شيعه الفلسطينيون من مختلف المدن، قبل أن يصلى عليه في المسجد الأقصى ويوارى الثرى في مقبرة اليوسفية في الطريق المؤدية إلى باب الأسباط.

اليوم وفي الذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض الخالد، تستذكر عائلة الشهيد ابنها ورفيقه في الشهادة محمود يحيى الكرد الذي ارتقى بعده بيومين في طريق خان الزيت داخل البلدة القديمة بالقدس.

في شهادته، يحاول الصحفي المقدسي محمد عبد ربه الذي كان يقطن مخيم شعفاط جارا لعائلة الشهيد الحواس، أن يفسر الأسباب ويوضحها.

ويقول عبد ربه إن لجنة التوجيه الوطني التي تشكلت عقب اندلاع مظاهرات يوم الأرض، هي من كانت تدير الأحداث على الأرض.

وانتخب الفلسطينيون ولأول مرة رؤساء بلديات كانوا قادة وطنيين لهم دور فعال.

ويتحدث عبد ربه هنا، عن محاولة إحدى المجموعات الاستيطانية اغتيال رؤساء ثلاث بلديات فلسطينية هم إبراهيم الطويل من البيرة وبسام الشكعة في نابلس والذي فقد ساقيه نتيجة زرع عبوات ناسفة في سيارته، وثالثهم كريم خلف في رام الله.

ويعتبر الصحفي المقدسي أن اختيار الفلسطينيين لممثليهم كان تحديا بالنسبة للاحتلال، تبعه لاحقا بدء التحضير لمفاوضات السلام بين مصر وإسرائيل والتي تكللت بعد عامين بتوقيع معاهدة السلام.

42 عاما مضت على استشهاد عبد الله الحواس، وما زالت “أم عماد” تحتفظ بمقتنيات الشهيد وصوره، وقصاصات نعيه في الصحف، أما شقيقته زينب فتتمنى أن يعود لتحضر له طبقه المفضل “ورق العنب”.

شاهد أيضاً

في وضح النهار «السرايا» شاهد جديد على بلطجة حماس

زاوية سوشيالCOM: نهتم بمناقشة ما تثيره مواقع التواصل الاجتماعي (Social media) الفلسطينية من مواضيع مختلفة …

اترك رد