بمناسبة “مسيرة العودة الكبرى”

بقلم: عريب الرنتاوي

تعرف إسرائيل كيف تتعامل مع “رشقة” صواريخ منطلقة من قطاع غزة نحو “مستوطنات الغلاف” كما تسميها، وهي لطالما فعلت ذلك، وردت على النار بجحيم من النيران، من دون خشية من المساءلة والمحاسبة … بيد أنها تبدو شديدة الارتباك حين يتصل الأمر بالتعامل مع “زحف شعبي سلمي”، يرفع رايات “حق عودة اللاجئين الفلسطينيين” إلى مدنهم وبلداتهم التي هجّروا عنها قسراً … هنا يبدو المشهد أكثر تعقيداً، وأي خطأ قد يأتي بنتائج مغايرة تماماً.

ومن يتتبع ما يصدر عن المستويين الأمني والسياسي في إسرائيل في الأيام الأخيرة، من مواقف وبيانات وتصريحات، يكتشف كم هي جدية حالة القلق والتحسب، بل والتوتر التي تسيطر على هذه الدوائر، بدلالة ركام من المواقف المتناقضة والمقترحات التي تذهب في كل اتجاه، ومزيج الخوف المثير للشفقة بـ”العنتريات” التي لا تغنى ولا تسمن، الأمر الذي حدا برئيس الحكومة بينيامين نتنياهو لإصدار تعميم لوزرائه بالتوقف عن تناول “مسيرة العودة الكبرى” في الإعلام، وانتظار الاجتماع الوزاري المصغر “الكابينت” الأربعاء (أمس) لحين اتخاذ الموقف المناسب.

إسرائيل تخشى أمرين اثنين: الأول؛ عودة ملف اللاجئين بقوة على مائدة البحث والاهتمام وبؤرة دائرة الأضواء بعد سنوات من الغياب والتغييب، سيما إن نجح الفلسطينيون بالخروج بأعداد كبيرة، وأمكن إدامة الحشد لأيام متتالية … والثاني؛ حدوث صدام بين الزحف الشعبي السلمي وقوات الاحتلال المدججة بالسلاح … هنا تعود “حرب الصورة” لتفعل فعلها المؤثر في تشكيل وإعادة تشكيل الرأي العام الدولي.

من الصعب التكهن بما سيحدث في ذكرى يوم الأرض، أو تقدير أعداد الفلسطينيين الذين سيخرجون إلى نقاط التماس والحواجز والمناطق “الحدودية”، ومن أي المناطق سيأتون … سيما في مناخات الانقسام، والخشية من سقوط “مسيرة العودة الكبرى” في مستنقع الحروب الفصائلية، كأن يستخدمها طرف في مواجهة الآخر، أو ينظر إليها طرف بوصفها مهرباً من استحقاقات المصالحة والتحقيق في جريمة المحاولة الآثمة لاغتيال رئيس الحكومة الفلسطينية ومدير مخابراتها العامة.

من حيث المبدأ، يجب الإقرار بأن فعلاً شعبياً من هذا النوع، ينبغي أن يكون موضع توافق وإجماع فلسطينيين … فجميع الأطراف ما زالت مؤمنة بحق لاجئي الشعب الفلسطيني بالعودة إلى ديارهم من جهة أولى، ومن جهة ثانية فإن جميع هذه الأطراف، مؤمنة بأشكال المقاومة الشعبية السلمية، والمسيرة الموعودة، تندرج في السياقين معاً، ما يملي رفع راية واحدة، هي راية فلسطين، وإطلاق هناف واحد، يشدد على الاستمساك بحق شعبها في العودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، شاء ترامب أم أبى، رضي نتنياهو أم استشاط غيظاً.

لكننا، ونحن الذين اكتوينا بنيران “الفصائلية الضيقة”، نفترض أننا لا نعيش في “عالم مثالي”، فهناك بلا شك من يخشى أن يٌحتسب نجاح المسيرة الكبرى في صالح حماس … وهناك في المقابل، من يريد لهذه المسيرة، أن تكون حاضرة في لعبة توازنات القوى المحلية، وعمليات الشد والجذب التي تجتاح الساحة السياسية الفلسطينية.

والحقيقة أن “مسيرة العودة الكبرى” قد توفر لنا لأول مرة منذ سنوات طوال، فرصة لاختبار “قوة الزحف الجماهيري السلمي”، تلكم القوة المزلزلة التي أطاحت بعروش وتيجان في أولى موجات الربيع العربي، وهي التي نجحت في دفع إسرائيل للانكفاء عن مشروع الكاميرات والبوابات الالكترونية في المسجد الأقصى، والمأمول هذه المرة، أن تكون “بروفة العودة الكبرى” مدخلاً عريضاً لتوافق فلسطيني أعرض، حول المقاومة الشعبية السلمية بوصفها رافعة كبرى للنضال الوطني، والسلاح الأمضى والأفعل في مقارعة الاحتلال الفلسطيني في المرحلة الراهنة.

ونقول “بروفة”، لأننا نراهن على “قوة المثال” الذي يمكن ان تقدمه مسيرات جماهيرية حاشدة في هذه المرحلة، لحفز الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، لكي يحذو حذوها … ولطي صفحة “الخمول والاسترخاء” التي هيمنت على أداء الجماهير العريضة، في الضفة والقطاع والشتات، أقله في “عشرية الانقسام السوداء”، وجذب مئات ألوف الفلسطينيين من جديد إلى أتون الكفاح من أجل الحرية والاستقلال.

شاهد أيضاً

ذكرى الكارثة مع ذكرى النكبة

بقلم: حمادة فراعنة تزامن توقف اليهود أمام ذكرى الكارثة التي اجتاحت حياتهم في أوروبا في …

اترك رد