طهران وعواصم المنطقة على “صفيح نووي ساخن”

بقلم: عريب الرنتاوي

لن تقدم حكومة السيد حسن روحاني على اتخاذ القرار النهائي بشأن اتفاقها النووي مع المجتمع الدولي، قبل أن تنتهي من استطلاع فرص بقائه والاستفادة من ثماره وعوائده، في سلسلة من الحوارات والمفاوضات التي ستجريها مع العواصم الأوروبية الرئيسة، فضلاً عن موسكو وبكين … وسيسعى التيار الإصلاحي الذي يقوده الرئيس الإيراني، إلى استنفاذ جميع فرص إنقاذ الاتفاق، برغم الضغوط التي يمارسها التيار العقائدي – الثوري، الذي يسعى في تعزيز نفوذه واستعادة سيطرته على مختلف مؤسسات الدولة، مستفيداً من قرار الرئيس ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، ومن جانب واحد.

روحاني وتياره الإصلاحي على صفيح ساخن الآن، وهما يريدان تحقيق غرضين اثنين، قبل التقرير بشأن بقاء أو انسحاب طهران من الاتفاق النووي: الأول، الحصول على ضمانات أوروبية، بمواصلة التعاملات والتبادلات التجارية مع إيران، دون التفات أو تقيد بمنظومة العقوبات التي ستفرضها إدارة ترامب مستقبلاً على إيران، ومن أجل تحقيق هذا الغرض، عمدت إيران مؤخراً، إلى اعتماد اليورو بديلاً عن الدولار في معاملاتها التجارية الدولية.

أما الغرض الثاني لهؤلاء، فيتمثل في حث أوروبا على مواصلة جهودها مع واشنطن، بهدف إقناعها بعدم توسيع قائمة العقوبات التي ستفرضها على إيران، أقله لجهة عدم شمولها دولاً وشركات وأطراف ثالثة، تريد مواصلة التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري مع إيران.

يدرك روحاني وفريقه، وهما في ذروة الغضب والاستنفار، أن قرار ترامب، سيخلق ديناميكيات جديدة في معادلات القوة وتوازناتها داخل إيران، وأن فرص التيار الإصلاحي وحظوظه في الاحتفاظ بالسلطة والبقاء على رأسها، ستكون أقل من أي وقت مضى، في حال انهار الاتفاق واضطرت إيران للانسحاب منه، استجابةً لمطلب قطاع واسع من التيار العقائدي – الثوري، الذي لم يبد يوماً حماسة ظاهرة لتوقيع الاتفاق، أو حتى للتفاوض مع واشنطن.

لكن مهمة روحاني وفريقه الإصلاحي، ستكون صعبة للغاية … صحيح أن معظم العواصم الأوروبية الوازنة، عبّرت عن دعمها للاتفاق والبقاء فيه وحفظ التزاماتها المقررة بموجبه، لكن الصحيح كذلك، أن هذه العواصم ذاتها، سبق لها وأن عبرت عن استعدادها، للانضمام إلى واشنطن في فرض عقوبات على إيران على خلفية برنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي المثير للجدل.

إيران تريد أن تتيقن بأن أوروبا لن تخضع للابتزاز والضغوطات الأمريكية، وأنها ستكون قادرة على التصدي لـ”الشرطي الاقتصادي الأمريكي” على وحد وصف وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان، والأهم، أن إيران تبحث عن ضمانات بألا تعاود أوروبا فرض العقوبات ذاتها على إيران، ولكن تحت مسميات أخرى، وبذرائع من خارج إطار البرنامج النووي.

والحقيقة أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم الإصلاحيين، تكشف عن مستوى متدنٍ من الثقة بقدرة أوروبا على “التغريد بعيداً خارج السرب الأمريكي”، وهو احتمال تأخذه طهران على مجمل الجد، بل وترجحه على غيره من الاحتمالات، لكنها لا تريد أن “تحرق سفنها”، وهي تفضل استنفاذ كافة الفرص، قبل الوصول بالاتفاق المبرم في العام 2015، إلى محطته الأخيرة.

إن من أولى نتائج الانسحاب الأمريكي، أحادي الجانب، من الاتفاق المذكور، ستكون عودة التيار الصقري المحافظ في إيران، إلى صدارة المشهد، وعلى حساب التيار الإصلاحي، وسيكون لذلك تداعيات مقلقة على الداخل الإيراني، الذي يشهد حراكاً شعبياً ومطلبياً متزايداً على خلفية الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد … ومن المتوقع أن ينجح صقور القيادة الإيرانية، في فرض أساليب خشنة وقاسية، في قمع حركات الاحتجاج المطلي والشعبي في قادمات الإيام، بعد اتهامها بأنها “رؤوس جسور” للتدخل الأمريكي – الإسرائيلي في شؤون إيران الداخلية.

وستكون للتبدلات في علاقات القوى وتوازناتها في إيران، انعكاسات مباشرة على عدد من أزمات المنطقة المفتوحة، وبشكل خاص في كل من سوريا والعراق ولبنان واليمن، فضلاَ عن ساحة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، التي تحرص طهران على إبقائها ساحة من ساحات “تصفية الحساب” مع إسرائيل، مستفيدة من شبكة علاقاتها المعقدة مع كل من حزب الله وحركة حماس وبعض الفصائل الأصغر والأقل شأنا.

وسوف تسعى بعض القوى الإقليمية، التي عملت بدأب على إقناع واشنطن بالانسحاب من الاتفاق أو العمل على تعديله وتوسيعه، إلى توظيف لحظة التوتر والاحتقان بالغة الحساسية بين واشنطن وطهران، من أجل تحقيق أهدافها الخاصة في الإقليم … إسرائيل ستكثف ضغطها على إيران في سوريا، وعلى حزب الله في لبنان وضد حماس في غزة … والسعودية، ستصعد حربها في اليمن، على أمل الحصول على “حسم عسكري” طال انتظاره من دون جدوى حتى الآن، ومن المرجح أن تعاود المملكة تكثيف نشاطها لتطويق الدور الإيراني في كل من العراق وسوريا ولبنان.

إيران في المقابل، ليست دولة هشة، مجردة من الأوراق، فهي دولة كبيرة، نجحت في الصمود لسنوات وعقود في مواجهة الحصار ومنظومة صارمة للعقوبات، وتحتفظ بعلاقات متطورة مع كل من روسيا والصين، وقد تنجح في الاحتفاظ بالحد الأدنى من العلاقات مع دول أوروبية، وهي تتوفر على وجود كثيف في عدد من دول الأزمات المفتوحة في المنطقة، مما يجعلها قادرة على التسبب بخلق مشكلات كبيرة للولايات المتحدة وحلفائها في الإقليم… ومن الخطأ في كل الأحوال، مقارنة المسألة الإيرانية بالمسألة الكورية الشمالية، أو اعتبار أن سياسة العصا الغليظة التي جاءت بنتائج إيجابية مع كيم جون أون، ستعطي النتائج ذاتها، مع نظام “الولي الفقيه”.

وقد تُقرر إيران، في حال باءت محاولاتها إبقاء أوروبا في الاتفاق بالفشل، أن تسرّع وتائر التخصيب ومعدلاته، وقد تنسحب من منظمة حظر الانتشار النووي، وتطرد خبرائها المتواجدين بكثافة في منشآتها النووي، لمتابعة أكبر عملية مراقبة وتحقق تجريها المنظمة في تاريخها، الأمر الذي سيضع واشنطن، وبعض حلفائها الإقليميين أمام خيارين لا ثالث لهما، على حد تعبير الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما: إما المجازفة بحصول إيران على القنبلة وتطوير برنامج نووي عسكري، أو الاقتراب من حافته، والمقامرة استتباعاً بإطلاق سباق تسلح نووي خطر في الإقليم، وإما الدخول في حرب شاملة ثالثة في منطقة الشرق الأوسط الكبير، في غضون أقل من عقدين من الزمان، وبعد حربين في أفغانستان والعراق، لا تستطيع واشنطن الادعاء بأنها خرجت من أي منها، مكللة بالظفر والانتصار

شاهد أيضاً

حان وقت العمل !!!

بقلم: رامي الغف* تأخر الإتفاق الفلسطيني الفلسطيني بين كبريات الفصائل الفلسطينية فتح وحماس، كثيرا في …

اترك رد