معارك فلسطين في فترة النكبة

حين تدرس المعارك التي جرت أثناء الفترة التي سميت بالنكبة، من عام واحد قبل تاريخ الخامس عشر من أيار 1948، ومعاهدة رودس التي أوقفت القتال مع الجيوش العربية عام 1949، فستجد أن معظم هذه المعارك قد حقق فيها الفلسطينيون نصراً، بل إن بعضها كان فيها النصر ساحقاً، ولكن كانت هناك دائماً ظروفاً تقلب المعادلة، مثل انتهاء الذخيرة، أو تدخل البريطانيين لصالح الصهاينة، أو أسباب أخرى، وهنا نستعرض هذه المعارك التي جرت في تلك الفترة.

معركة جدين:
في 22/1/1948، تلقى أديب الشيشكلي قائد فوج اليرموك الأول، برقية من قائد جيش الإنقاذ، يطلب منه فيها مهاجمة مستعمرة صهيونية في الخليل للتغطية على عبور فوج اليرموك الثاني لنهر الأردن، والحصول على معلومات حول تحصينات المستوطنات.
قام الشيشكلي باختيار مستعمرة “جدين” هدفاً للهجوم، وتم الهجوم وقاتل الصهاينة بعناد دفاعاً عن المستوطنة، لكن المهاجمين استطاعوا احتلال المراكز الأمامية، ولم تنجح قوافل الإمداد الصهيونية في فك الحصار عن المستوطنة، إلى أن وصلت قوة بريطانية لنجدتهم يوم 23/1/1948 فتراجعت قوات اليرموك بتاء على التعليمات. تجنبا للصدام مع البريطانيين. كانت خسائر فوج اليرموك 18 شهيداً هم أول شهداء جيش الإنقاذ.

معارك باب الواد:
باب الواد ممر يربط السهل الساحلي بجبال القدس، وتتشعب منه طرق كثيرة مثل القدس والرملة وبيت جبرين وعرطوف وغزة ورام الله. تطل عليه قرى مثل عمواس واللطرون وتل الجزر وأبو شوشة وبيت نوبا ويالو. ولأنه مفتاح القدس، فإن له أهمية عسكرية عظيمة، ودارت فوقه معارك عظيمة عبر القرون، فعنده قام صلاح الدين بصد هجوم ريكاردوس قلب الأسد، (ق12م)، وفي موقعه وقف المقدسيون في وجه إبراهيم باشا سنة 1834م، ودارت فوقه معارك دامية في الحرب العالمية الأولى بين الأتراك والإنجليز 1917.
عمل العرب على قطع الطريق على الصهاينة الذين أرادوا احتلال باب الواد بعد قرار التقسيم، فتجمع المقاتلون من القرى المجاورة لباب الواد، وكانوا في البداية 300 مقاتل على رأسهم الشيخ هارون بن جازي أحد شيوخ قبيلة الحويطات شرقي الأردن، وقد انضموا على لواي قوات جيش الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني.
قامت القوات العربية بتخريب الطريق وإتلاف أنابيب المياه التي توصل الماء للأحياء اليهودية، ثم أخذوا يتصدون للقوافل اليهودية المحروسة التي تمر كل أسبوع بباب الواد.
فقد هاجموا القافلة يوم 1/3/1948 وقتلوا 4 من رجالها، وفجروا الألغام تحت السيارات الصهيونية يومي 12،13/3، وقتلوا 5 من ركابها، وفي 19/3 قتلوا 15 رجلاً بعد أن هاجموا القافلة، مع اشتداد وطأة الهجمات استنجد يهود القدس بسلطان الانتداب التي وضعتن في عرطوف قوة بريطانية من 200 جندي لحماية القوافل الصهيونية.
حاولت القوات الصهيونية ليلة 31/3، احتلال التلال المشرفة على باب الواد، لكن العرب اشتبكوا مع القافلة قرب مستعمرة خلدة مما خلف قتلي كثيرين في الجانبين، ولكن الأهم أن العرب استطاعوا دحر الصهاينة وإعادتهم إلى خلدة وغنموا بعض السيارات.
في 16 نيسان هاجم العرب بقيادة أحمد زونا والشيخ هارون بن جازي قافلة من 250 سيارة عسكرية عند دير أيوب، استمرت المعركة حتى الساعة الرابعة عصرا وانتهت بتدمير 60 سيارة والاستيلاء على 15 سيارة أخرى وكمية من الأسلحة.
يوم 10 أيار حدثت معركة كبيرة أيضاً يوم 13 أيار بمقتل 300 صهيوني، وتمسك العرب بالموقع حتى تسلم الجيش الأردني الموقع في15/5/1948.

معركة بيت سوريك
قام عبد القادر الحسيني ببث العيون لجمع المعلومات عن الأنشطة العسكرية للصهاينة، فكان من ضمن الأبناء التي تلقاها أن الصهاينة سيرسلون إلى القدس قافلة من السيارات تحمل التموين يوم 19/1/1948، وأفادت المعلومات أن القافلة سيحرسها الصهاينة والبريطانيون.
عقد عبد القادر الحسيني اجتماعاً مع قادة قطاعات قرى ساريس والقسطل وقالونيا وصوبا، وكان في الاجتماع كامل عريقات وإبراهيم أبودية، وتم في هذا الاجتماع وضع خطة لتدمير القافلة والقوات التي تتولي حراستها على أن يقود الهجوم بنفسه.
تغيرت الخطة لأن القافلة غيرت مسارها إلى بيت سوريك فانتقل المقاتلون العرب إلى تلك القرية، وعند الظهر وصلت القافلة إلى الكمين الجديد، فانقض عليها المهاجمون العرب من كل الجهات، وقاموا بتفجير الألغام تحت العربات، فأخذ الصهاينة يتركون العربات ويفرون باتجاه مستعمرة الخمس، فانتهت المعركة بتدمير القافلة وقتل عدد كبير من الصهاينة والإنجليز وفرار الأحياء منهم.
أصدر الحسيني أمراً لقواته بعدها بالتراجع، وقد كانت خسائر الجانب العربي في هذه المعركة سبعة شهداء لكنهم غنموا كمية كبيرة من الذخيرة والبنادق والرشاشات.

معركة بئر السبع
تشكلت في بئر السبع حامية من الشرطة والهجانة قوامها 60 رجلاً بعد إعلان بريطانيا عن نيتها في الانسحاب من فلسطين، وأضيف إلى هذه الحامية عدد من المتطوعين من أبناء البدو، وتولي قيادتهم عبد الله أبو ستة.
لجأ الصهاينة بمجرد انسحاب بريطانيا من منطقة بئر السبع في 14/5/1948 إلى بسط سيطرتهم على الطرق الهامة من الناحية العسكرية، فيما قام العرب بدعم الحامية بعدد من المتطوعين المصريين والليبيين، وفي 18/5 دخلت كتيبة مشاة مصرية بقيادة أحمد عبد العزيز إلى قطاع بئر السبع، وما لبثت القيادة المصرية أن سحبت معظم هذه الوحدة بسبب أن الوضع العام يتطلب ذلك حسب قولها. وبذلك أصبح الدفاع عن المدينة ضعيفاً.
في 18/10/1948 شن الجيش الإسرائيلي هجومه على بئر السبع، فطلب قائد الحامية النجدة من الحكومة المصرية فلم تنجده، في الوقت الذي كان فيه الجيش الإسرائيلي يملك الطائرات ويهاجم المدينة بخمسة آلاف مقاتل.
بدأت المعركة بقصف جوي بدأ يوم 18/10 إلى يوم 21/10، نجم عنه تدمير عشرة منازل وقتل 7 أشخاص عدا عن الذعر الذي خلفه في المدينة.
يوم 20/10/1948، مهدت المدفعية للهجوم البري من الشمال والشمال الغربي لتدخلها يوم 21/10/1948 وتقضي على ما تبقي من مقاومة داخلها لتسيطر عليها تماماً.
معركة بيسان
ضمن إطار خطة “دال” التي تقضي باحتلال أكبر عدد من المدن والقرى العربية قبل الانسحاب بريطانيا، قامت الهاغاناة بشن هجوم على بيسان فجر 1/5/1948.
تسلل 300 مقاتل من الهاغاناة إلى تل الحصن واحتلوه ومن هذا الموقع بدأوا بقصف بيسان تمهيداً للهجوم عليها.
بدأ الهجوم على بيسان فجر 12/5/1948، ولم يكن في حانية بيسان غير 175 رجلاً أردنيين وفلسطينيين، ومع تمكنهم من صد الهجوم الأول كثف الصهاينة من الهجوم الثاني فدخلوا البلدة وقاموا بجمع أسلحة المناضلين.
ابلغ قائد الهجوم السكان بأن بإمكانهم البقاء في منازلهم على ألا يبدوا أي مقاومة، فبقي سكانها جمعياً، وبعد شهر طلب من الجميع مغادرة البلدة فنزح بعض السكان عنها، أما من أصر على البقاء فقد وضعته السلطات الصهيونية في عربات بقوة السلاح إلى الحدود السورية.

معارك حيفا:
إن وجود مصفاة للنفط في حيفا عام 1947 جعلها من أكبر الموانئ في البحر المتوسط بعد الإسكندرية، هذا طبعاً عدا عن وقوعها على عقده طرق حديدية وبرية. فكان هذا سبباً لتكون حيفا محل اهتمام السلطات البريطانية، فخططت لإجلاء قواتها عبر ميناء حيفا.
بالنسبة للصهاينة لم تكن المدينة تفل أهمية، لكونها تربط خطوط مستعمراتهم، ولأنهم يطعمون في جلب المهاجرين عبر مينائها.
أما العرب فكانوا ببساطة يعتبرون حيفا جزءاً من وطنهم التاريخي له أهميته الاقتصادية كان في حيفا قوة عسكرية مدربة من الهاغاناة والأرغون تبلغ 5000 رجل، ضمن تشكيلات نظامية مجهزة ومسلحة لها قيادات، فيما افتقر العرب إلى السلاح والعتاد، أضف إلى ذلك أن العرب كانوا يقطنون أسفل سفح الكرمل فيما الصهاينة يقطنون أعلاه “هادار الكرمل” وكذلك يطوقون الأحياء العربية بعدد من المستعمرات.
تألفت لجنة وطنية مرجعها السياسي الهيئة العربية العليا، بعد تلقها وعود بالدعم من اللجنة العسكرية في دمشق، ترأس اللجنة رشيد الحاج إبراهيم، وكلف الملازم محمد حمد الحنيطي بقيادة الحرس الوطني وتنظيم الدفاع عن المدينة.
بدأت الاشتباكات فور صدور قرار التقسيم، وازداد توتر الموقف بعد أن فجر الصهاينة قنبلة في الجانب الغربي من المدينة في 30/12/1947، فقتل 6 عمال عرب وجرح 41، وهم من عمال مصفاة النفط، فانقض العمال العرب في المصفاة على الصهاينة العاملين فيها فقتلوا 41 منهم. فجر العرب عربة بريد في القطاع الصهيوني بتاريخ 14/1/1948 فأصيب 45 صهيونياً، ولكن المعارك التي دارت بعد ذلك أدت إلى استشهاد الملازم محمد الحنيطي في كمين صهيوني وهو عائد بالسلاح من لبنان في 18/3/1948. وتولي أمين عز الدين القيادة مكانه.
في أواخر آذار 1948 قضي العرب على قافلة صهيونية بالكامل. وفي 21/4/1948 أبلغ الحاكم البريطاني المسؤولين العرب قراره إخلاء حيفا، وكان قد أبلغ الصهاينة بذلك يوم 17/4، وكان هذا إشارة للصهاينة لبدء خطتهم للاستيلاء على حيفا والمعروفة باسم “سباراييم” “المقص”.
فجر يوم 22/4 اندفعت سرية صهيونية واستولت على بيت النجادة الذي يشرف على وادي رشمية، لكن العرب حاصروها طوال اليوم وقتلوا كثيرا من أفرادها، ولم تستطع التعزيزات الصهيونية أن تفك الحصار عنها لكن هذه العملية جذبت الكثير من المناضلين نحوها مما أدى إلى تسهيل عمل لواءين آخرين من الصهاينة، فما أن جاء 23/4 حتى كان الحي العربي مقسم إلى 3 أقسام حسب الخطة الإسرائيلية.
طلب الجنرال البريطاني ستوكويل من الطرفين عقد هدنة، ونقل للعرب عشرة مطالب صهيونية من ضمنها أن يسلموا أسلحتهم خلال 3 ساعات ويزيلوا الحواجز عن الطرق ويسلموا إدارة المدينة للصهاينة لتقوم بمنع التجول والتفتيش بحثاً عن أسلحة.
بالطبع قرر العرب رفض الشروط، لاقتناعهم بأنهم سيتعرضون للذبح إذا قاموا بتسليم أسلحتهم. وفي نفس الوقت قام الصهاينة بقلب المساجد التي استولوا عليها إلى اسطبلات ونزعوا شواهد القبور الرخامية لاستعمالها في البناء، وكي يشيعوا الرعب في المدينة ألقو جثث الشهداء على الأرصفة، مما أدى إلى مغادرة حوالي 70 ألف عربي للمدينة. فكانت خسارة حيفا وسقوط في أيدي الصهاينة لها أكبر الأثر في سير الحرب بكاملها.

معركة ظهر الحجة:
ظهر الحجة جبل يقع شمال قرية صوريف في الخليل، وكانت مستعمرة كفار عتصيون مركز تهديد للمسافرين العرب بين بيت لحم والخليل، وفي 13/1/1948 أخلت بريطانيا مراكز البوليس من الجنود في جبل الخليل يوم 13/1/1948، وفي نفس اليوم أطلقت النار من مستعمرة كفار عتصيون على سيارة القنصل العراقي وهو في طريقه إلى الخليل، فهب أبناء الخليل والقرى المجاورة ومعهم أفراد من القدس والسبع وهاجموا المستوطنة، ولكن الاقتحام فشل لأن الهجوم كان بناء على الحماسة وليس على خطة عسكرية، وكانت النتيجة أن استشهد 14 من المهاجمين وجرح 24.
في 16/1/1948 تصدي سكان صوريف لقوة صهيونية متجهة إلى كفار عتصيون، فاعتصم من في القوة الصهيونية بجبل الحجة، وطوق المناضلون الجبل وأخذوا يقتحمونه حتى أبادوا القوة الصهيونية عن بكرة أبيها واستشهد خمسة مناضلين في هذه المعركة، فيما ذكرت تقارير صهيونية لاحقة أن قتلاهم بلغوا 35 قتيلاً نشرت أسماءهم في صحيفة حيروزالم بوست.
في 18/1 جاءت قافلة صهيونية لنقل جثث القتلي، فتصدى لها المناضلون واشتبكوا معها لمدة 7 ساعات، فارتدت القافلة على أعقابها، واستشهد في هذا الاشتباك 3 مناضلين، وقتل 13 صهيونياً، وتدخلت حكومة الانتداب ونقلت جثث القتلى في معركة ظهر الحجة.
بعد هذه المعركة انقسم الرأي العام في إسرائيل حول ضرورة إبقاء المستوطنات البعيدة، لكن هذه المستوطنات بقيت حتى تم تدميرها تدميراً كاملاً بين 10و 13/5/1948 من قبل حرس القوافل في الجيش الأردني بمشاركة أبناء الخليل. واقتيد الأسرى إلى معسكر اعتقال الأسرى.

معركة خربة اللحم:
تقع خربة اللحم بين قرية قطنة وقرية بيت عنان قضاء القدس.
في صباح يوم 26/5/1948، قامت سرية من الجيش الأردني باحتلال معسكر للرادار مقابل مستوطنة الخمس، وتمركزت فيه، وكانت بقية الكتيبة التي تتبع لها السرية متواجدة في القرى المحيطة لهدف منع تقدم القوات الإسرائيلية لتهديد الطريق الرئيس رام الله/ القدس. رام الله / اللطرون. في أوائل الهدنة الأولى، استلمت كتيبة المشاة الخامسة المواقع المذكورة، وفي يوم 9/7/1948م استؤنف القتال فعاد الإسرائيليون يركزون هجماتهم على مواقع الجيش الأردني في اللطرون وباب الواد. وفي صباح 17/7/1948، تقدمت سرية من الإسرائيليين باتجاه موقع الرادار فتصدي لها أهالي بيت عنان فقتلت اثنين منهم، فوصل الخبر إلى خربة اللحم تصدي السرية الإسرائيلية مناضلون من القرى المجاورة بقيادة فخرى إسماعيل. ودارت الاشتباكات بين الفريقين، فأرسل فخري إسماعيل طلباً للنجدة إلى الكتيبة الأردنية فأرسلت فئة مشاة بمدفع هاون ورشاشات لمساندة المناضلين.
أطبق المناضلون على القوة الإسرائيلية في خربة اللحم واقتحموا مواقعها، وخلال ساعات أبادوا معظمهم وفر الباقون، واستشهد مناضل واحد وجرح 3 آخرون.

معركة الدهيشة:
بفضل الحراسة المشددة من الهاغاناة والجيش البريطاني، تمكن الصهاينة من تمرير قافلة كبيرة من الساحل إلى القدس مساء 27/3/1948، وجهزوا قافلة مكونة من 100 سيارة شحن و19 مصفحة وجرافة وخمسة باصات مع قوة من الهاغاناه مسلحة بالرشاشات والبنادق ومدافع الهاون والقنابل اليدوية، وذلك لنقل هذه القافلة إلى مستعمرة كفار عتصيون على طريق القدس الخليل، فوصلت القافلة إلى كفار عتصيون في28/3/1948 . وأحيطت قوات الجهاد المقدس علماً بأن هذه القافلة ستعود إلى القدس صباح 29/3/1948، فتم حشد قوات كبيرة من المجاهدين بقيادة كامل عريقات نائب قائد الجيش، وكمن المجاهدون على جوانب الطريق في المنطقة بين برك سليمان والدهيشة، وجرى تجهيز الألغام وإقامة الحواجز.
تابعت القافلة سيرها إلى أن وصلت إلى الكمين، فانقض عليها المجاهدون من جميع الجهات كما قاموا بقطع طريق العودة عليها، وحين حاولت الدبابات شق طريقها إلى الأمام تصدر للمصفحة الأمامية المناضل يوسف الرشماوي بقنبلة عطلت المصحفة وأوقفتها، واستشهد يوسف.
بعد أن ضيق المجاهدون الخناق على القافلة الصهيونية، أخذت الطائرات تحاول مساعدة القافلة فألقت بعض المؤن والذخائر لكن معظمها وقع في أيدي المجاهدين. وفي ساعات المساء أقبلت نجدات من بيت ساحور وبيت جالا وبيت لحم والخليل والتعامرة كي تدعم المجاهدين، وظل القتال محتدماً بعد أن تسلل الصهاينة لتحموا داخل بناية “النبي دانيال”.
في صباح 30/3 طلب المجاهدون من الصهاينة الاستسلام، وطلبت القيادة الصهيونية من البريطانيين والصليب الأحمر التدخل، ولكن البريطانيين رفضوا وأرسلوا عارف العارف وعيسى البندك لإقناع المجاهدين بالسماح للصهاينة المحاصرين بالمغادرة لكن القائد كامل عريقات رفض وأصر على استسلامهم، وجاءت قوة بريطانية على رأسها الكولونيل هاربر لنجدة الصهاينة، لكن المجاهدين فجروا الألغام في طريقها فعادت إلى القدس. وفشلت مفرزة بريطانية أخرى في الوصول إلى المكان، وجاء هربر مع ممثل الصليب الأحمر وتفاوضوا مع عريقات الذي أصر على استسلامهم، فجرى اتصال لاسلكي بالمفتي أمين الحسيني الذي أجاب بأن العرب يكتفون بأن يسلم الصهاينة جميع أسلحتهم ثم يتولى الصليب الأحمر نقلهم إلى القدس.
عرض عريقات اقتراح المفتي على الكولونيل لم يجد بدأ من قبوله، وفعلاً ألقى الصهاينة أسلحتهم كاملة وسلمت إلى عريقات مع المصفحات التي لم تحرق، وحضرت سيارات من القدس لنقل الصهاينة تحت إشراف البريطانيين والصليب الأحمر.
استشهد في هذه المعركة ثلاثة من المجاهدين، أما خسائر الصهاينة فكانت 15 قتيلاً وعشرات الجرحى و16 أسيراً سلموا إلى الجيش البريطاني والصليب الأحمر، وغنم المجاهدون 3 مصفحات و8 سيارات سحب، 30 سيارة شحن وباص.

معارك جبل الرادار:
جبل الرادار سمي بهذا الاسم لأن الجيش البريطاني أقام فيه موقعاً للرادار، ويقع الجبل على طريق القدس ـ تل أبيب بجوار مستعمرة “معاليه ميشاه”.
نظرياً كان من يحتل هذا الجبل، يسيطر سيطرة تامة على طريق القدس ـ تل أبيب. وفي ليلة 28/4/1948 شن الصهاينة هجوماً واسعاً على مرتفعات شمال القدس، ومن ضمنها جبل الرادار، فقامت باحتلاله، إضافة إلى احتلال قريتي بيت أكسا وبيت سوريك، إلى مشارف قرية بدو وكادت تسيطر على مقام النبي صمويل. وهنا هب المناضلون من بدو القوى المجاورة للتصدي بعنف للقوة المهاجمة، واستمرت المعركة طوال الليل، واشترك في المعركة فوج اليرموك الثالث التابع لجيش الإنقاذ بقيادة عبد الحميد الراوي، وشن الراوي هجوماً معاكساً على المواقع التي احتلها الصهاينة فأجبرهم على التراجع بعد أن تكبدوا 185 قتيلاً.
استولى فوج اليرموك على كمية كبيرة من الأسلحة والذخائر، واسترد العرب سيطرتهم على الطريق الرئيس ومنعوا التحركات الصهيونية عليها. وفي شهر 5/1948 عاود الصهاينة الكرة بمرافقة الطيران لكل الهجوم أخفق مجدداً.

معركة رأس العين:
رأس العين قرية إلى الشمال من القدس على بعد 60كم منها، تميزت بعذوبة مياهها. تمركزت في رأس العين 500 جندي من جيش الإنقاذ في 8/3/1948، وطردوا الموظفين الصهاينة من مؤسسة المياه واستبدلوهم بموظفين عرب.
عندما سقطت دير ياسين والقسطل بيد الصهاينة أوائل نيسان 1948، قرر المناضلون نسف الأنابيب التي توصل مياه رأس العين إلى الأحياء اليهودية في القدس. ودمروها عند باب الواد مما نتج عنه تضرر الأحياء اليهودية ودوائر الحكومة وقوات الجيش البريطاني في القدس. وأخذت الهيئات الصهيونية توزع الماء على السكان اليهود من الآبار والصهاريج.
بعد سقوط يافا في 17/5/1948، دمر العرب الأنابيب في 4 مواضع أخرى كي لا يصل إليها الصهاينة ويستولوا عليها، لكن محاولات الصهاينة استمرت للاستيلاء على رأس العين، ودارت حولها معارك عنيفة كان أشدها تلك التي وقعت في آخر ثلاثة أيام من أيار .
تمكن الصهاينة يوم 30/ أيار من الاستيلاء على رأس العين، ولكن في صباح 31/5 هب المناضلون من القرى المجاورة لرأس العين لنجدة الشيخ حسن سلامة قائد القطاع الأوسط، فشنوا هجوماً مضاداً كاسحاً على مراكز العدو في رأس العين، وأصيب الشيخ حسن سلامة وظل رجاله يقاتلون حتى طردوا الصهاينة من رأس العين بعد ساعات فقط على احتلالها.
أعاد الصهاينة تنظيم قواتهم بهجوم مضاد ففشل الهجوم وعادوا أدراجهم، وفي يوم 1/6/1948 استلمت قوة عراقية الموقع فتراجع الصهاينة دون أن يشتبكوا معها، وظلت راس العين بيد العراقيين حتى سقوط اللد والرملة.

معركة بيت داراس:

تقع بيت داراس على طريق تربط مجموعة من المستعمرات، لذا فقد كانت تتعرض للكثير من الهجمات، مثل هجوم 16/3/1948، 13/4/1948… الخ.
في 1/5/1948 وصلت قوة من المستعمرات المجاورة للقرية وبدأت بقصف القرية من الخارج تمهيداً لمهاجمتها، ثم تحركت القوة فاحتلت مدرسة القرية فيما كانت قذائف الهاون تقصف شرقي القرية. انسحبت الموجة الأولى من الهجوم لاستبسال المدافعين عن القرية، ولكن بعد أن تكبدت القوة المهاجمة بعض الخسائر، ووصلت نجدات من القرى المجاورة إلى بيت داراس وحاولوا مطاردة المعتدين الهاربين الذين استنجدوا بالجيش البريطاني، فجات 3 مصفحات منعت العرب من مطاردة الفارين.
بعد 3 أسابيع هاجم الصهاينة القرية مرة أخرى في 21/5/1948 من جهاتها الأربع، بدأت القوى المهاجمة بقصف القرية، شعر المناضلون بحرج الموقف فقرروا الصمود وإخلاء القرية من النساء والشيوخ والأطفال، وتحرك هؤلاء عبر جنوب القرية وما أن بلغوا مشارفها حتى تصدى لهم الصهاينة بالرصاص، ليضيفوا مذبحة جديدة إلى قائمتهم.
قام الصهاينة بإحراق بيادر القرية وبعض منازلها ونسفوا البعض الآخر، ورغم ذلك فقد استبسل المدافعون عن القرية حتى نجحوا في رد المعتدين وإخراجهم من بيت داراس.
أثرت المذبحة على المعنويات، ونفاذ الذخيرة كذلك، فبدأ الناس يغادرون القرية ماعدا القليل منهم، ورغم ذلك لم يدخل الصهاينة القرية إلا بعد أن تأكدوا من عدم وجود مقاومة وكان ذلك يوم 5/6/1948.

معركة الزرّاعة:
طلب فوزي القاوفجي قائد جيش الإنقاذ من المقدم محمد صفا “السوري” أن يقوم بالهجوم على إحدى المستعمرات في المنطقة الوسطى لتغطية عبور قوات أخرى من جيش الإنقاذ تحمل معدات ثقيلة. اختار محمد صفا مستعمرة الزراعة جنوب شرق بيسان، ويطلق عليها الصهاينة مستوطنة “طيرة تسفي” وأهميتها تكمن في وجود محطة لتوليد الكهرباء داخلها وآلات ضخ المياه وبرك لتربية الأسماك. وكانت محصنة تحصيناً جيداً، فعدا عن الخناق والأبراج التي أقيمت فيها، أحيطت بالأسلاك الشائكة وتم تجهيز برك تربية الأسماك لتطلق مياهها في خنادق مجهزة لذلك بغرض الدفاع عن المستوطنة.
كان غور بيسان قد تحول إلى ما يشبه المستنفع بعد شهر من الأمطار المستمرة، فانتهز محمد صفا تحسن الجو ليلة 16-17/2/1948 لتنفيذ العملية، وكانت الخطة تقضي بالتظاهر بالهجوم على مستوطنين متجاورتين لتغطية العملية الأساسية.
بدأ الهجوم عند منتصف الليل، وكان مفاجأة للصهاينة، وبعد البدء بقليل عاد المطر ليتساقط بشدة، فقطع المجاهدون الأسلاك وتراجع الصهاينة، وفي الفجر حاول المغاوير تفجير برج المراقبة ولم يفلحوا بسبب المطر، ولكن المشاة تقدموا ودمروا بعض بيوت المستوطنة تحت غطاء المدفعية، ففتحت عليهم البرك وغمرت الخنادق فلم يستطع المناضلون التقدم، ورغم ذلك اشتبكوا في قتال عنيف مع مواقع العدو، وازدادت فيهم الإصابات بعد وصول نجدات صهيونية، خصوصاً وهم يغوصون في الوحل إلى الركبة.
أصدر القائد أمراً بالانسحاب، فانسحبت فوج اليرموك بعد أن خسر 37 شهيداً وعدداً من الجرحى، أما الصهاينة فقتل منهم 112 قتيلاً. ولم تحقق هذه المعركة الهدف منها.

معارك سلمة:
سلمة قرية محاطة بالمستعمرات الصهيونية، تقع على طريق يافا ـ اللد التي كانت التي كانت تسلكها القوات البريطانية من وإلى معسكر ليتفنسكي.
منذ 1/12/1947 والصهاينة يتحرشون بأهالي سلمة، حيث اعتدى سكان هتيكفا على مزارع عربي فما كان من شبان سلمة إلا الرد بقتل اثنين من الصهاينة في نفس اليوم والمكان.
شن الصهاينة هجوماً قوياً بمجرد مغادرة البريطانيين، فتصدى لهم الأهالي وكبدوهم خسائر فادحة، فأجبروا على التراجع، لكن المفاجأة كانت أن هناك هجوم آخر من شمالي للقرية، لكن مناضلي سلمة استطاعوا صد الهجوم وقاموا في الليلة نفسها بهجوم معاكس على مستوطنة هيتكفا وأشعلوا النار في بعض المنازل، ففر سكان المستوطنة تاركين 26 طفلاً وراءهم سلمهم المجاهدون للسلطات البريطانية.
جاءت قوات جديدة لنجدة هتيكفا، ووصل مناضلون من اللد والعباسية لنجدة سلمة، فطاردوا الصهاينة حتى مشارف تل أبيب وأحرقوا بعض منازل مستعمرة “شابيرو”.، فتدخلت السلطات البريطانية وأجبرت المناضلين على التراجع بعد طلب من رئيس بلدية تل أبيب، وأحاطت القوات البريطانية بسلمة من كل جانب بدعوة الفصل بينها وبين المستعمرات المجاورة. فاستغل الصهاينة الظرف لتحصين مستعمراتهم، ولما انتهوا من التحصين انسحبت القوات البريطانية.
تمكن سكان سلمة من الصمود حتى أواسط نيسان 1948، وظلوا يقاومون حتى نفذت منهم الذخيرة، ووصلهم خبر سقوط يافا 28/4/1948فبدأوا في مغادرة القرية، ولم يجرؤ الصهاينة على دخول القرية إلا بعد أيام من هجرة أهاليها.

معارك الشجرة:
الشجرة قرية بين الناصرة وطبريا، شكلت عقدة مواصلات حيوية لطرفي النزاع من الأساس، في 9/6/1948 احتل الصهاينة مجموعة من القرى أدت إلى عزل مدينة الناصرة، فقام قائد جيش الإنقاذ بتجهيز جيش حطين قاصداً القضاء على القوات الصهيونية في منطقة الشجرة. وبدأ الهجوم يوم 10/6، اندفع المشاة بمساندة المدفعية والمصفحات، ولكن القوات العربية منيت بخسائر كبيرة لمرورهم في أرض مكشوفة للنيران الإسرائيلية.
جذب صوت المدفعية المجاهدين من كل المناطق المجاورة، وكان هجومهم عنيفاً وسريعاً، فبدأت قوات الصهاينة بالانسحاب باتجاه قرية الشجرة. وطاردتها القوات العربية، وقصفت مستعمرة الشجرة بالمدفعية ودخلت القوات العربية الناصرة ولكن في هذه الأثناء توقف إطلاق النار بعد إعلان الهدنة الأولى.
قامت القوات الصهيونية بمهاجمة قرية الشجرة وقرى أخرى أثناء الهدنة، لكن قوات جيش الإنقاذ أحبطت الهجوم في 11/6، وقام الصهاينة باحتلال خربة راس علي يوم 20/6، لكن هجوماً مضاداً من جيش الإنقاذ استطاع إخراجهم منها.
صباح 8/7/1948، بادر الصهاينة بالهجوم وقد انتهت الهدنة، واحتدمت المعركة في الشجرة، ولأول مرة ظهر الطيران الحربي الإسرائيلي، وكذلك المدفعية الثقيلة.
استمرت المعركة دون انقطاع، وبدأت الذخائر تتناقض بسرعة في أيدي القوات العربية، وأخذ الصهاينة يصعدون جبهة الشجرة، وكان انسحاب القوات العربية من الشجرة يعني سقوط الناصرة، لذا فقد قام جيش الإنقاذ بمحاولة يائسة زج فيها جميع قطاعاته، تمثلت في الهجوم على قاعدة الشجرة للإفادة مما يتوفر فيها من عتاد وأسلحة، وذلك ليل 13/7/1948، تقدمت القوات العربية حتى الشجرة وسط كثافة نيران هائلة، لكنهم استولوا على الشجرة يوم 13/7/1948 بعد أن تكبدوا خسائر فادحة.
أعاد الصهاينة تنظيم أنفسهم وهاجموا من كفر سبت في نفس اليوم 13/7، ورغم ارتفاع عدد الشهداء إلا أن العرب استطاعوا في 15/7 استرجاع قرية تل التين. وما لبثت الناصرة أن سقطت في يد الإسرائيليين، 16/7، مما هدد بتطويق جيش الإنقاذ الذي انسحب بغطاء من فرقة يمنية وفرقة بدوية يوم 18/7. وتوقف القتال يوم 19/7/1948 بسبب من الهدنة الثانية.

معركة شعفاط
قام المناضلون بالهجوم على قافلة صهيونية تحمل الإمدادات من القدس إلى مستوطنة النبي يعقوب، وتحميها مصفحتان، هذا الهجوم تم عند منطقة شعفاط في 24/3/1948، وقام به مناضلون من جيش الجهاد المقدس، وتوقفت القافلة فتوافد إلى المكان مناضلون من القدس والقرى المجاورة، واقتحموا سيارات القافلة وقتلوا [14] صهيونياً وجرحوا [10] منهم، كما قاموا بإحراق المصحفتين والاستيلاء على الأسلحة التي كانت فيهما.
صادف الحادث مرور الجنرال ماكميلان قائد القوات البريطانية وغلوب باشا وأحمد صدقي الجندي، فتدخلوا لوقف المعركة، فأبقي المناضلون على حياة الستة الباقين من القافلة وسمحوا بإخلاء الجرحى. شارك في هذه المعركة ثلاثة من قواد ثورة 1936-1939، وأشرف عليها عبد القادر الحسيني. جرح من العرب في هذه المعركة إثنان فقط.

معارك الشيخ جراح:
حي الشيخ جراح من الأحياء العربية في القدس، وكان الصهاينة يعتمدون على الخط المار بالحي لإمدادات الأسلحة إلى يهود القدس والمستعمرات شمالها، وبسبب هذا الموقع شهد حي الشيخ جراح الكثير من المعارك بين العرب والقوات الصهيونية.
بسبب تعرض القوافل الصهيونية للهجوم، أقام البريطانيون موقعاً يسيطر على الشيخ جراح، وفي 13/4/1948 قامت عناصر من جيش الجهاد المقدس بتفجير ألغام تحت قافلة صهيونية مما دمر سيارتين وفتل 38 صهيونياً، انتقاماً لمصرع قائدهم عبد القادر الحسيني قبل أسبوع، فتحرك البريطانيون لمساعدة القافلة، فسمع المجاهدون في أنحاء القدس فتوافدوا إلى حي الشيخ جراح ليخوضوا معركة ضد الصهاينة والبريطانيين معاً.
شعر الصهاينة بقوة الهجوم فطلبوا الاستسلام وإلقاء السلاح، فوافق المجاهدون على ذلك وأرسلوا مندوباً لإبلاغهم بالشروط، لكن الصهاينة قتلوا المندوب العربي، فتجدد القتال بعنف أكبر، واستمر حتى ساعات المساء وقتل من الصهاينة 120 صهيونياً، وخسر الجيش البريطاني ستة جنود بين قتيل وجريح، ولم ينج من القافلة إلا 8 أشخاص، بينما خسر المجاهدون 12 شهيداً. وفي 18/4 استولى المجاهدون على مستشفى اوغستا فكتوريا في جبل المكبر وقرية العيسوية قرب الجامعة العبرية والمدينة القديمة، فطلب القائد الصهيوني الدعم فحركت الهاغاناة لواء هاريل وانطلقت قافلة من 350 سيارة إلى القدس بقيادة ديفيد بن غوريون، ووقعت القافلة في كمين عربي لكن القافلة استطاعت المرور بعد عدة ساعات بعد قدوم نجدة كبيرة لها.
في 24/4 هاجم الصهاينة حي الشيخ جراح ووقعت معركة استمرت طوال الليل وتراجع المهاجمون لبسالة المدافعين.
استمرت معارك الشيخ جراح حتى بعد انسحاب القوات البريطانية من القدس في 13/5/1948، أهمها المعركة التي جرت يوم 19/5/1948 والتي استطاع المجاهدون فيها مع بقية من جيش الإنقاذ منع القدس من السقوط الكامل في يد الصهاينة.
حاولت القوات الإسرائيلية بعد ذلك اختراق حي الشيخ جراح والاستيلاء عليه، لكن محاولاتها فشلت مما اضطرها لشق طرق بديلة بعيداً عنه.

معركة الصبيح:
الصبيح عشيرة تقيم بين كفركنا والناصرة وقرية الشجرة، وقد حدث اشتباك مع 8 رجال من أبناء هذه العشيرة في 3/1/1948، كانت نتيجة مقتل 7 صهاينة وفرار الباقين، فأصدرت الهاغاناة أمرها للمستعمرات المجاورة للهجوم على العرب لسحب القتلي الصهاينة، فشعر رجال عشيرة الصبيح بالأمر فطلبوا النجدة من القرى المجاورة.
بدأ الصهاينة المعركة في مساء ذلك اليوم بإطلاق المدافع لساعتين ثم بالهجوم مستخدمين السيارات والجرافات لغزارة الأمطار وكثرة الوحول، وكان العرب يكمنون لهم، ولما صار الصهاينة في مرمى نيرانهم فتحوا عليهم النار، فبدأوا يفرون باتجاه المستعمرات والجرافات تنقل قتلاهم وجرحاهم.
خسر الصهاينة في هذه المعركة 20 قتيلاً و20 جريحاً، ولم يتكبد العرب أي خسارة في الأرواح.

معركة صفد:
خطط الصهاينة لاحتلال صفد عبر عملية عسكرية أطلقوا عليها رمز “يفتاح”. فبعد أن تسلم الصهاينة حيفا من البريطانيين في 22/4/1948، أصبحت الطريق أمامهم مفتوحة إلى صفد. وقبل ذلك، أي ما بين كانون أول 1947 ونيسان 1948، كان القتال في صفد مستمراً على شكل اشتباكات خفيفة وأعمال قنص وكمائن.
كان أديب الشيشكلي قائد فوج اليرموك الأول التابع لجيش الإنقاذ هو قائد القطاع الذي يضم صفد، وفي 16/4/1948 انسحبت القوات البريطانية من صفد، فدخلها العرب واحتلوا القسم الأكبر منها، وكان فصيل من البالماخ قد تسلل في 14/4/1948 إلى الحي اليهودي في صفد لتنظيم المقاومة فيه.
قام هذا الفصيل بعدة محاولات للاستيلاء على أماكن حيوية في صفد، لكن القوات العربية أفشلت جميع هذه المحاولات وفي أحدها خسر الصهاينة 28 قتيلاً. وهنا قررت القيادة الصهيونية تنفيذ عملية يفتاح وذلك بهدف الاستيلاء على المواقع العربية الهامة وتحقيق السيطرة على المحاور الرئيسة وتنظيم الجليل للدفاع ضد أي هجوم عربي محتمل.
تولى ايغال ألون قائد البالماخ قيادة العملية بنفسه، فقام باحتلال بيريا وعين الزيتون مما ساهم في عزل صفد عن بقية القرى العربية. وفتح طريقاً إلى الحي اليهودي. وفي 3/5 وصت كتيبة بالماخ ثانية إلى صفد وتدفقت النجدات الصهيونية، في حين بدأت ذخائر العرب تتناقص، ولم تفلح جهود الوفد الذي أرسله الصفديون إلى دمشق لطلب الدعم.
تقدمت القوات الصهيونية إلى صفد نفسها في 6/5، وهاجمتها ولكنها لم تحرز إلا تقدماً بسيطاً، وتكرر الهجوم يوم 8/5، وأحبط العرب هذا الهجوم، وقام العرب بقصف المواقع الصهيونية يومي 9-10/5 وفي العاشر من أيار هاجم الصهاينة مرة أخرى والتحم الفريقان، واستمر القتال من دار إلى دار، فسقطت عمارة البوليس في 11/5، وسقطت بقية المواقع تباعاً نتيجة قوة الأسلحة بيد الصهاينة .
في 12/5 أخلى العرب مركز الشرطة وسقطت المدينة، بعد أن تكبد الصهاينة 850 فتيلاً، أما العرب فبلغ عدد شهدائهم مئة شهيد.

معركة صور باهر:
صور باهر قرية عربية تقع جنوب مدينة القدس، وبعد امتداد مدينة القدس أصبحت تعد حيا من أحياء المدينة. في عام 1948 كان يقطنها 2450 نسمة، ولم يكن لليهود فيها غير 540 دونماً من مجمل مساحتها البالغة 9471 دونماً، أي حوالي 6% فقط، وكانت القرية محاطة بثلاث مستوطنات من الشمال والجنوب والغرب هي تل بيوت ورامات راحيل وميكور حاييم.
في يوم 26/1/1948 تمكن المناضلون العرب من محاصرة الحي اليهودي في البلدة القديمة، ودمروا ثلاثة منازل وأخذوا يطلقون النار على الحي وعلى الجنود البريطانيين المكلفين بحراسته، وضيقوا الخناق على معظم الأحياء اليهودية خارج السور حتى منعوا وصول المواد التموينية لهم. واستمر هذا الحصار إلى أن بلغ ذروته يوم 4/2/1948، فأشرف الصهاينة على الموت، ولم يستجيب الصهاينة لنصيحة البريطانيين بإخلاء الحي ولم يستجيب العرب لطلب فك الحصار واشترطوا أن يسلم الصهاينة أنفسهم. وفي يوم 17/2 نشب قتال عنيف عند مدخل الحي اليهودي في البلدة القديمة، استشهد فيه عربي وجرح آخر، وجرح عدد من الصهاينة والبريطانيين، وتحت حماية البريطانيين تمكن الصهاينة من نسف منزل آل نمر وأطلقوا الرصاص على ساحة الحرم، ليتضح فيما بعد أن إطلاق الرصاص على الحرم كانت تغطية لهجوم على قرية صور باهر انطلق من المستعمرات الثلاث.
تصدي مناضلو صور باهر للهجوم ومنعوا الصهاينة من احتلالها، رغم أن الصهاينة قاموا بحرق مطحنة وقتل حارسها ونسف منزل في طرف القرية .

معركة طبريا:
في عام 1947 كان أغلب سكان طبرية من اليهود، بلغ عددهم 6000 نسمة فيهم عدد كبير من المحاربين المدربين، وكان العرب يعدون 5000 نسمة ولكنهم تقريباً بدون سلاح.
تألفت في العاشر من نيسان 1948 لجنة قومية لتدبير شؤون الدفاع عن الأحياء العربية، وانتدب كامل الطبري لقيادة المناضلين، ووصل عدد من المجاهدين من دمشق يقودهم صبحي شاهين وهو من أصل طبراني أيضاً، نشب القتال يومي 13-14/3/1948، ثم تهادن الطرفان شهراً، وفي الأسبوع الثاني من نيسان تأزم الموقف، فبدأت المناوشات وحاول الصهاينة القيام بهجمات محدودة صدها العرب، لكن الصهاينة قاموا ليلة 15-16/4 بهجوم كبير، واستمر القتال حتى صباح 16/4 حين تدخل الإنجليز وفرضوا حظر التجول في المدينة، وأمروا بهدنة لمدة 3 أيام.
في اليوم الثالث للهدنة شن الصهاينة هجوماً مركزاً على الأحياء العربية، فتغلبوا على المدافعين واحتلوا فندق كروسمان، ومعظم البنايات الضخمة مثل بنك باركليس، وقتلوا عدداً من العرب، لكن المقاومة استؤنفت صباح 19/4 ولكن القتال لم يدم طويلاً فدخل الصهاينة الأحياء العربية وقاموا بالاستيلاء عليها فراح السكان العرب يرحلون من المدينة.

معركة عطروت:
عطاروت: مستوطنة صهيونية على طريق رام الله/ القدس.
في أوائل آذار 1948، أراد سكان عطاروت قطع طريق رام الله القدس، فعلمت قوات الجهاد المقدس أن بعض المسلحين الصهاينة تحصنوا في المحاجر الواقعة شرق المستعمرة وهم يطلقوا النار على المارة والسيارات في طريق رام الله/ القدس.
توجهت قوة من جيش الجهاد المقدس بقيادة كامل عريقات وقوة أخرى من جنين بقيادة فوزي جرار وقوة أخرى من السوريين بقيادة مصطفى السباعي إلى قرية الرام شرق المستعمرة، وبدأ المجاهدون في 15/3/1948 بقصف منطقة المحاجر، واستمر الاشتباك بضع ساعات ومن ثم تقدم المجاهدون على المحاجر وطردوا الصهاينة منها، ثم وجهوا نيرانهم إلى المستعمرة نفسها، وظل إطلاق النار ممتدأ حتى الصباح، وعاد المجاهدون وقد أصيب منهم شخص وأحد بجراح.
قام العرب بقطع أي اتصال للمستوطنة بالقدس حتى أوائل أيار، فتكدست محاصيلهم ومنتجاتهم، وكان سكان المستعمرة يتوقعون سقوطها فوجهوا نداء إلى البريطانيين الذين قاموا بنقل النساء والأطفال من المستوطنة إلى القدس.
انسحب الجيش البريطاني من تلك المنطقة في 14/5/1948، وأخلوا مطار قلنديا، فاحتله سكان المستعمرة، لكن قيادة الهاغاناة أمرتهم بالانسحاب من المستوطنة فوراً.

معركة عكا:
أرسل جيش الإنقاذ قوة للدفاع عن عكا، لكن اللجنة القومية قالت إن هذا سيكون سبباً يجعل الصهاينة يعتدون على المدينة، ولكن اللجنة عدلت عن رأيها حين كمن الصهاينة لقافلة عربية تحمل سلاحاً من لبنان بتاريخ 17/3/1948، وأطلق الصهاينة النار على القافلة بجوار مستعمرة موتسكين وقتلوا 14 رجلاً من رجالها، من بينهم الشهيد أحمد الحنيطي قائد منطقة حيفا، وفي صباح 18/3 كمن عدد من سكان عكا لسيارة صهيونية وقتلوا ركابها الأربعة، وبعد أيام أحرق العرب سيارة نقل صهيونية مصفحة وأحرقوها.
بعد سقوط حيفا في 21/4/1948، استتب الأمر للصهاينة، وبدأوا بتنفيذ خطة “بن عامي” لاحتلال عكا، وذلك بتطويق المدينة واحتلال تل الفخار شرق عكا، وبعد قصفها بالمدافع هاجم الصهاينة المدينة يوم 25/4 واحتلوا المقبرة الإسلامية جنوب شرق عكا. فبدأ سكان عكا بالنزوح فزاد الصهاينة ضغطهم على المدينة ولوثوا مياه نبع الكابري بجراثيم التيفوئيد. وفي صباح 15/5 شن مناضلو عكا هجوماً على الصهاينة لكن المدفعية أجبرتهم على الانسحاب بعد أن خسروا 60 شهيداً.
انسحبت وحدة جيش الإنقاذ من المدينة يوم 16/5 فلم يبق فيها إلا قليل من المقاتلين الذين استسلموا في مساء نفس اليوم. ودخل الصهاينة المدينة وارتكبوا مجزرة راح ضحيتها 91 شخصاً بينهم نساء وأطفال وشيوخ. وبنى الصهاينة نصباً كتب عليه “تخليداً لذكرى 750 من المقاتلين الذين سقطوا أمام أسوار عكا”.

معركة غور الصافي:
غور الصافي يقع جنوب شرق البحر الميت، على بعد 8كم من المستعمرة التي أنشأتها شركة البوتاس الصهيونية، وبعد أن أخلى الإسرائيليون كامل منشآت شركة البوتاس بناء على اتفاق مع السلطان البريطانية والأردنية، هاجموا غور الصافي فجر 2/6/1948، بعد أن زرعوا الألغام في طريق الغور ـ الكرك، وبعد أن قطعوا أسلاك الهاتف للحيلولة دون وصول النجدات الأردنية.
بعد أن استولت القوة المهاجمة على مساحة واسعة من الغور قامت بتطويق مخفر الدرك الأردني، وكاد المخفر يسقط في أيديهم لولاء وصول مفرزة من الجنود الأردنيين قامت بإصلاح خطوط الهواتف وطلبت النجدة ونظفت الطريق من الألغام وبعد ذلك راحت تصب نيرانها على القوات المهاجمة.
وبوصول الخبر إلى عمان، قامت 3 طائرات أردنية بالتحليق فوق مكان القتال، فانسحب المهاجمون تحت كثافة نيران المعركة التي اشتدت بسبب ارتفاع معنويات الجنود الأردنيين برؤيتهم الطائرات، وقد تكبد العدو حوالي 40 إصابة وطاردتهم الجنود حتى مداخل المستعمرة.

معركة قاقون:
قاقون قرية عربية شمال غرب طولكرم. في النصف الأول من عام 1948 جرت عدة معارك بين أهالي قاقون والصهاينة انتصر فيها أهالي قاقون ولم يخسروا غير 3 شهداء وبعض الجرحى.
بعد انسحاب الجيش العراقي من معركة غيشر، حط رحاله في مدينة طولكرم وأخذ يقصف المستوطنات القريبة المدفعية. وقرر الصهاينة زيادة عمق منطقتهم، فاختاروا قرية قاقون لهجومهم، وكلفوا أحد الألوية باحتلالها، وفي مساء 4/6/1948 بدأ الإسرائيليون بقصف القرية فاستشهد 10 من سكانها وجرح 10 آخرون، فرحلت النساء والأطفال إلى البيارات شرق القرية واستعد الرجال للقتال.
صباح 5/6 بدأ الإسرائيليون بالتحرك باتجاه القرية مستفيدين من ساتر السكة الحديد الترابي، ولكن ما إن تجاوزوا هذا الساتر حتى تعرضوا لمقاومة عنيفة، لكن المهاجمين وصلوا إلى مشارف القرية، ورغم تحرك بعض وحدات الجيش إلا أنها لم تتمكن من صد الهجوم الإسرائيلي، فسقطت قرية قاقون بعد استشهاد 40 من رجالها و 17 من المفرزة العراقية. وحاولت القوات العراقية استرداد القرية بعد ذلك لكنها فشلت فقامت بقصفها.

معركة القسطل:
ربما تكون معركة القسطل، وبغض النظر عن نتائجها، من أهم المعارك التي جرت على أرض فلسطين في عام 1948، لذا، سنتحدث عنها بقليل من التفصيل.
القسطل قرية على بعد 10كم إلى الغرب من مدينة القدس، تمتعت بموقع استراتيجي لتحكمها بطريق القدس/ يافا، وترتفع عن الطريق حوالي 200م. وكانت تعد البوابة الغربية للقدس.
استعد الصهاينة للقيام بعمليات واسعة لاحتلال أكبر مساحة من الأرض التي تنسحب منها القوات البريطانية، ومن ضمن خططهم كانت خطة “خشون” التي تهدف إلى فتح طريق القدس ـ تل أبيب وفك الحصار عن يهود القدس، وقد جهزوا لهذه العملية 5000 رجل مزودين بأحدث الأسلحة، وشمل هذا العدد قوات من الهاغاناة والبالماخ والأرغون وشتيرن وشملت الأسلحة دبابات خفيفة ومصفحات وبنادق آلية من تشيكوسلوفاكيا وسلطات الانتداب البريطاني. وقد قرر أن تبدأ الخطة في 6/4/1948.
توجه عبد القادر الحسيني قائد جيش الجهاد المقدس إلى دمشق أواخر آذار 1948 للاتصال باللجنة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية للحصول على أسلحة ومعدات للتصدي للهجوم الذي كان على علم به، وتولى القيادة مكانه كامل عريقات.
وصلت إلى قيادة جيش الجهاد المقدس أنباء بقرار الصهاينة تقديم موعد الهجوم إلى 2/4 بدلاً من 6/4، فعقد كامل عريقات مجموعة من الاجتماعات ووضعت فيها خطة لمجابهة الهجوم الصهيوني وذلك بمشاركة الشيخ حسن سلامة.
حشدت قيادة جيش الجهاد قواتها على مراكز باب الواد وبيت محسير والقسطل وساريس، ولم تغفل عن طريق بيت لحم الذي قد يفكر الصهاينة فيه للوصول إلى القدس. وحشد الشيخ حسن سلامة القوات في دير محيسن قضاء الرملة.
بدأ الصهاينة تنفيذ خطتهم ظهر يوم 2/4/1948، فاتجه قسم من قواتهم إلى دير المحيسن والقسم الآخر إلى باب الواد لاقتحامه والاستيلاء على القسطل، فتمكن الشيخ سلامة مع قواته بعد معركة عنيفة من صد الهجوم على دير المحيسن، وتأهب للسير إلى باب الواد لنجدة المقاتلين هناك، لكن نجدات صهيونية وصلت إلى دير المحيسن فمنعت ذهابه. اضطر الشيخ حسن سلامة لخوض معركة أخرى استمرت حتى منتصف الليل وانتهت بانتصار المجاهدين مرة أخرى.
أما القسم الثاني من القوات الصهيونية، فقد اشتبك معه المجاهدون في معركة عنيفة دامت ساعتين ونصف، تمكن بعدها الصهاينة من اقتحام باب الواد نتيجة تفوقهم الساحق في العدد والعدة، وتقدموا في المساء إلى مشارف قرية القسطل، وهاجموها عند منتصف الليل فدافع عنها أبناؤها حتى نفذت ذخيرتهم فتمكن الصهاينة من احتلالها وبدأوا في تحصينها على الفور.
كانت القسطل أول قرية عربية يحتلها الصهاينة عام 1948، سقطت بعدها دير المحيسن وخلدة، فاهتز الشعب الفلسطيني للحادثة، وانطلق المئات من الشبان يطلبون من قيادات جيش الجهاد المقدس إرسالهم إلى جبهة القسطل، فقامت قيادة جيش الجهاد بالإعداد لهجوم مضاد سريع فحشدت القوات من مختلف القطاعات في القدس، وتقدمت هذه القوات بقيادة كامل عريقات عبر بيت صفافا إلى عين كارم فانضم شبابها بقيادة خليل منون إلى القوات، وتابع الجميع التقدم باتجاه القسطل ليلاً، ووصلوا إلى بعد 2كم عنها صباح 4/4، تقدم المجاهدون فاحتلوا كاجر الياشار ثم تقدموا تحت وابل النيران الصهيونية، لكن ضغط الهجوم من قبل المجاهدين وتواصله أجبر الصهاينة على إخلاء عدد من المراكز الأمامية وتراجعوا نحو القرية. حاصر المجاهدون القرية واستمر تبادل النار طوال الليل، فيما استمرت النجدات في الوصول طيلة يوم 5/4، حيث شن المجاهدون هجوماً عاماً على القرية وتمكن المجاهدون بعد مقاومة عنيدة من حشر الصهاينة في مركز القرية، وأصبح المجاهدون على بعد 200م من مركز القرية. واصل المجاهدون حصارهم للقرية بمعنويات مرتفعة، وفي صباح 6/4 أصيب كامل عريقات بشظية فاضطربت صفوف المجاهدين، خصوصاً وأن ذخيرتهم بدأت بالنفاذ.
قام إبراهيم أبو دية بنقل كامل عريقات على ظهره إلى قرية صوبا ثم عاد ليجمع شمل المجاهدين منهياً حالة الفوضى وقادهم على هجوم جديد يعاونه عبد الحليم الجيلاني.
مال الموقف لصالح الصهاينة بعد وصول نجدات إليهم، لكن إبراهيم أبو دية استطاع مع عدد من الرجال اختراق القرية ونسف بعض البيوت والعودة بسلام.
صباح 7/4 وصل عبد القادر الحسيني من دمشق، وتوجه إلى القسطل ظهر نفس اليوم، وأمسكك بزمام الموقف وأعاد تنظيم المجاهدين. وزع الحسيني القوات على أربعة محاور بقيادته ونيابة كل من حافظ بركات وهارون بن جازي وعبد الله العمري وعلي الموسوس، كل شخص على جهة وبقيادته العامة. ورابطت مجموعات مقابلة للإسناد بقيادة صبحي أبو جبارة وعبد الفتاح المزرعاوي.
بدأ الهجوم على القسطل منتصف ليلة 7/4، وتمكنت قوات القلب والميسرة من اكتساح مواقع العدو واستحكاماته الأمامية، واتصلت قوات الفريقين وكادت تدخل القرية، ولكن تقدم القوات من الناحية الشرفية كان صعباً، إذ نفذت ذخيرة كثير من المجاهدين، وأصيب إبراهيم أبو دية و16 من رجاله، مما جعل المجاهدين يتراجعون أمام كثافة نيران العدو وقلة ذخيرتهم.
اندفع الحسيني لينقذ الموقف واقتحم القرية تحت وابل من نيران الصهاينة، واستمر القتال طوال الليل، وفي صباح 8/4 أعلنت القيادة أن عبد القادر الحسيني ورفاقه مطوقون في القرية، فأسرعت النجدات من جميع المدن والقرى المجاورة إلى القسطل وبينهم مجموعة من حراس الحرم وشباب القدس وجيش الإنقاذ وأخرى من الخليل وغيرها.
بدأ الاقتحام مجدداً للقرية بقيادة رشيد عريقات، صباح 8/4، وبعد ثلاث ساعات تمكن من دخول القرية وتحريرها وفر الصهاينة باتجاه القدس وغادروا القسطل، وبعد قليل وجد المجاهدون عبد القادر الحسيني شهيداً في أحد بيوت القسطل، مما جعل الارتباك يسود صفوف المجاهدين وفقد القادة سيطرتهم على الأفراد وأخذت النجدات تغادر القسطل وبقي فقط رشيد عريقا وعبد الحليم الجيلاني وقواتهما. ولم يستجيب أحد لطلبهما التعزيزات لانشغال الناس باستشهاد الحسيني.
غادر عريقات والجيلاني القرية ليلة 9/4، فعاد الصهاينة واحتلوها في 9/4/1948.

معركة القطمون:
حي القطمون جنوب غرب القدس، على رابية تشرف على معظم الأحياء اليهودية فيها، والحي مقر الكرسي البطريركي الصيفي للروم الارثوذوكس، ولذا فقد كان للحي قيمة عسكرية كبرى جعلت الصهاينة يحاولون احتلاله منذ أواخر نيسان 1948.
كان في الحي قلة من المجاهدين بقيادة إبراهيم أبو دية وهم غير مزودين بذخيرة كافية. فقام الصهاينة بالاستيلاء على معظم المباني والمرتفعات المشرفة على الحي.. وبعد عدة مناوشات قطع الصهاينة الكهرباء عن الحي والهواتف كذلك وهاجموا الحي يوم 10/3/1948 ونسفوا 3 منازل عربية لكن المجاهدين دافعوا ببسالة وأجبروا المهاجمين على التراجع، وتكرر ذلك أكثر من مرة خلال شهري آذار ونيسان 1948.
مع اقتراب موعد انسحاب القوات البريطانية، وضعت القوات الصهيونية خطة رمز لها باسم “يبوس” وهو اسم القدس الكنعاني، وكان هدف الخطة الأساسي فك الحصار عن يهود القدس والاستيلاء على مجموعة مناطق في المرحلة الأولى من الخطة من ضمنها القطمون.
بدأ الهجوم يوم 27/4 على بيت اكسا وشعفاط، وفي 28/4 هاجم الصهاينة حي الشيخ جراح، واحتلت دير مار سمعان في ليلة 29-30/4 بعد معركة قصيرة مع عراقيين من جيش الجهاد المقدس، إلا أن العراقيين تمركزوا في البنايات المجاورة واخذوا يطلقون النار ومنعوا الصهاينة من توسيع رقعة احتلالهم، ثم عاود العرب الهجوم على الدير في 30/4 بعد الظهر، وذلك بعد فشل محاولة في الصباح، وفشل هذا الهجوم أيضاً ولكن الصهاينة خسروا الكثير من الأرواح فيه.
في مساء 30/4 وصلت قوات لواء عتصيوني إلى الدير، وفي صباح 1/5 تابع اللواء تقدمه من بيت إلى بيت حتى سيطر على حي القطمون بكامله.

معركة كفار عتصيون:
كفار عتصيون مستوطنة تقع على طريق القدس- الخليل، وقد أنشئت بالأساس كي تؤدي دوراً عسكرياً منذ صدور قرار التقسيم.
قام سكان المستوطنة باحتلال بناية تابعة للكنيسة الأرثوذوكسية وأخذوا يطلقون النار على السيارات العربية، ومن ضمن هذه السيارات كانت سيارة القنصل العراقي التي أصابوها في 13/1/1948. هاجم مناضلو المناطق المجاورة المستوطنة فاستشهد منهم 14 وجرح 24 لقلة تنظيمهم.
هاجم المناضلون أيضاً في 13/2/1948 قافلة بين كفار عتصيون والقدس فقتلوا اثنين وجرحوا اثنين وأحرقوا سيارتين وأنقذها الجيش البريطاني.
تعرض صهاينة كفار عتصيون في 6/5 لقافلة عربية متجهة إلى الخليل فحضرت نجدة من الجيش الأردني وأمطرت كفار عتصيون بالنيران فاضطر الصهاينة إلى التراجع، لكنهم تعرضوا في اليوم التالي لقافلة قادمة من الخليل فتصدى لها الجيش الأردني، ولكن الصهاينة استمروا في عدوانهم.
في 13/5/1948 هاجم الجيش الأردني ومجموعة من المناضلين بالهجوم على كفار عتصيون والمستوطنات المجاورة، فأرسل الصهاينة نجدات للمستوطنة وأنزلوا جنودا بالمظلات، لكن المهاجمين فتحوا ثغرات في الأسلاك الشائكة وعبروا إلى المستوطنة.
سقطت المستعمرات الأربع وقتل 200 صهيوني وأخذ 287 أسيراً، وخسر الجيش الأردني 14 شهيداً واستشهد عدد كبير من الأهالي في حقول الألغام المحيطة بالمستوطنات قبل اقتحامها.

معركة كفر كنا

معركة عين ماهل
في 13/1/1948 حدثت معركة بين رجال عشيرة صبيح وقوة من الهاغاناة، وقد هب لنجدة آل صبيح مجموعة من المناضلين كبدوا القوة الصهيونية خسائر كبيرة.
علم الصهاينة أن المنجدين يتمركزون في قرية كفر كنا شمال شرق الناصرة، فاعتزموا احتلها، فقاموا في 15/1/1948 بالتقدم نحو القرية، وقسموا الهجوم إلى قسمين، قسم يتجه مباشرة على القرية وقسم يلتف حولها، فنجح جنود القسم الأول بالتسلل حتى مدخل معسكر المناضلين لكنهم لم يتقدموا أكثر لأن المناضلين انتبهوا لهم واشتبكوا معهم في قتال عنيف وأجبروهم على التراجع سريعاً، فوصل الخبر إلى القسم الثاني الذي توقف قبل أن يتصدى له أحد.
قررت القيادة الصهيونية القضاء على المعسكر العربي قي عين ماهل، فهاجمت القرية فرقة من الهاغاناة، وما أن أغار جنود العدو على القرية حتى سقطوا الواحد تل الآخر بنيران المناضلين. واخفق الهجوم على عين ماهل.

معركة كوكب الهوا:
كان الصهاينة يمتلكون حاميتين قويتين في كل من مشروع كهرباء روتنبرغ ومستعمرة جيشر، وبعد الإنذار الذي وجهته الحكومة الأردنية إلى هيئة إدارة المشروع، انسحب الصهاينة على مستعمرة جيشر وعززوا دفاعاتها، وكان من ضمن دفاعات المستعمرة حصنها المنبع الذي أقامه البريطانيون خلال الحرب العالمية الثانية.
بعد دراسة الواقع الجغرافي للمنطقة، استنتج الصهاينة أن الدفاع عن المستعمرة يستوجب احتلال قرية كوكب الهوا وذلك لمنع المناضلين من معاونة الجيش العراقي في هجومه المرتقب على المستعمرة.
نسف الصهاينة جسر المجامع على نهر الأردن لإعاقة تقدم القوات العراقية، وفي يوم 15/5/1948 طوقت القوات الصهيونية كوكب الهوا بقوات كبيرة، فتصدى لها رجال القرية وأوقعوا بها خسائر كبيرة إلا أنهم اضطروا للانسحاب لنفاذ ذخيرتهم، فدخل الصهاينة القرية فور إخلائها، وفي تلك الأثناء تمكنت سرية عراقية من عبور النهار وإقامة جسر تحت جنح الظلام، وتوالي عبور القوات العراقية بقصد مهاجمة جيشر، وتيقن القائد العراقي أنه لا يمكن مهاجمة المستوطنة دون استعادة كوكب الهوا، فكلف سرية بمهاجمتها، ونجحت السرية في تحرير القرية بعد معركة عنيفة تكبد فيها الطرفان خسائر كبيرة. هاجمت القوات العراقية المستعمرة عدة مرات دون أن تتمكن من احتلالها، وقد استمر وصول النجدات إلى جيشر من قبل الصهاينة، وهاجموا العراقيين بعنف، فسقط منهم 23 شهيداً بينهم الرئيس الأول طالب العزاوي، وانسحب العراقيون بعدها من القرية في 18/5/1948 وبعدها سيطر الصهاينة على القرية نهائياً.

معركة اللد والرملة:
إن وجود مطار عسكري صغير وآخر مدني ومحطة الهاتف الرئيسة في فلسطين في مدينتي اللد والرملة إضافة إلى بعدهما 15كم عن تل أبيب عند ملتقى خطوط المواصلات، جعلا من هاتين المدينتين هدفاً مغريا للصهاينة. وضع الصهاينة خطة للاستيلاء على المدينتين في وقت مبكر، فيما أدرك سكان المدينتين الخطر المحدق بهم فبدأوا بتحصين الدفاعات بالتعاون مع قوات جيش الجهاد المقدس بقيادة الشيخ حسن سلامة.
قامت اللجنة القومية بإشراف الشيخ حين أبو السعود بمساع لتنظيم وتوحيد جهود الدفاع والتسلح، فيما انضم لحامية المدينتين من شرق الأردن، وأصدرت اللجنة العسكرية في دمشق في 16/2/1948 أمراً على سرية من جيش الإنقاذ بالتوجه إلى اللد والرملة مع فصيل من المتطوعين المصريين. نشبت عدة اشتباكات بين الصهاينة ومناضلي المدينتين بعد صدور قرار التقسيم، انتصر العرب فيها، كما أسقطوا طائرة واستولوا على المطار ومحطة السكة الحديد ومخزن للوقود ومعسكر بيت نبالا.
ظل الأمر على حالة حتى إعلان الهدنة الأولى، ويوم 18/6/1948 وفي أثناء الهدنة، تحركت سرية مشاة أردنية إلى اللد والرملة لمساعدة الحكم العسكري الأردني في إدارة المدينتين.
بعد استئناف القتال في 9/7/1948، سعت إسرائيل على احتلال اللد والرملة، لفتح طريق القدس بالقوة، وأعطوا لهذه الخطة الأسبقية، وقد أطلق على الخطة رمز “داني” وخصص لها نخبة من الجيش الإسرائيلي هي “البالماخ”.
بدا الهجوم يوم 9/7/1948، ودخل الإسرائيليون قرية عنابة يوم 10/7 ثم قرية جمزو وقد احتل المهاجمون مطار اللد، وهكذا تم تطوير المدينتين وعزلهما، وتعرضت المدينتات لقصف جوي ثقيل وجه إلى مركز شرطة الرملة بشكل خاص، وقصف مدفعي للأحياء الآهلة بالسكان، وألقت الطائرات يوم 11/7 منشورات تدعو الأهالي للتسليم وطلبت منهم إرسال وفد عنهم للقيادة الإسرائيلية.
شن الإسرائيليون هجوماً قوياً على اللد أولاً، لكن مجاهدي المدينة صدوا الهجوم وخسر الإسرائيليون 60 قتيلاً، ثم عاود الإسرائيليون هجومهم ودخلوا المدينة واحتلوها وهم يطلقون النار في شوارعها فسقط عدد كبير من الشهداء.
في 11/7 استطاعت قوة من الجيش الأردني طرد الإسرائيليين من قرية جمزو وقتلوا 10 من أفرادها لكن الإسرائيليين عادوا إلى القرية بعد انسحاب الأردنيين منها.
تمكن الصهاينة من احتلال اللد بعد أن قتلوا 426 مواطناً منهم 176 في مذبحة في مسجد المدينة.
أحكم الإسرائيليون الطوق على الرملة وحشدوا مزيداً من القوات وزادوا من قصفهم الجوي والمدفعي لها، فذهب وفد من أهالي المدينة ليعرض التسليم للإسرائيليين بعد انسحاب السرية الأردنية، واستمرت المفاوضات في مستعمرة النعاني من 11/7 على 12/7، وتم الاتفاق على تسليم المدينة بشروط مكتوبة منها عدم التعرض للأهالي وعدم المساس بالأملاك.
في 13 تموز طلب الإسرائيليون من السكان إخلاء الرملة فرفضوا، لكن العدو لم يلتزم بالاتفاق ووضع السكان في شاحنات ونقلهم إلى جهة الشرق في عملية ترحيل استمرت 3 أيام.

معركة الماصيون:
عبر عشرون صهيونياً من مستوطنة عطاروت جنوب رام الله في 1/3/1948 إلى شمال قرية رافات وكمنوا لسيارة نقل ركاب وقذفوها بالقنابل وأطلقوا عليها الرصاص، لكنهم لم يصيبوا أحد من ركابها، فانسحبوا عن طريق وادي الدير، وفيما هم يتسلقون سفح تل الماصيون تصدى لهم أبناء البيرة ورام الله، فنشبت معركة قتل خلالها خمسة صهاينة وفر الباقون، فوصل إلى المكن عدد كبير من سكان القرى العربية المجاورة فحاصروا الفارين وقتلوا ستة منهم، فاستسلم من تبقى من الصهاينة، ولما اقترب المناضلون منهم ألقوا عليهم قنبلة يدوية ففتح المناضلون النار عليهم وقتلوهم جمعياً.
تم تسليم جثث القتلى إلى القوات البريطانية، وتبين أن خمسة من القتلى هم من موظفي مصلحة البريد.

معارك المالكية:
تقع قرية المالكية على بعد نصف كم من الحدود اللبنانية مع فلسطين، شمال مدينة صفد، وقد كانت حتى عام 1923 تابعة للبنان.
وحسب خطة وضعتها القيادة العامة للقوات العربية في عمان، كان مقرراً أن يدخل الجيش السوري من الحدود اللبنانية للاستيلاء على صفد وعزل مستوطنات الحولة عن طبريا والقيام بهجوم مشترك على حيفا مع الجيش اللبناني وجيش الإنقاذ. وصلت هذه المعلومات إلى الصهاينة، فأصدر قائد لواء “يفتاح” وإيغال ألون أمراً في 13/5/1948 إلى قائد الكتيبة بالتقدم لاحتلال المالكية والتلال المحيطة بها لإغلاق الطريق أمام الجيش السوري واللبناني، وقام قائد الكتيبة ليلة 14-15/5 باحتلال قدس والمعسكر البريطانيين خارج المالكية، لكن مفرزتين من الجيش السوري واللبناني قامت بهجوم معاكس أجبر القوات الصهيونية على التراجع بعد أن خسرت عدداً كبيراً من رجالها، وبذا تم استرداد المالكية والمعسكر وقدس، لكن القوات الصهيونية المنسحبة أعادت تجميع نفسها وهاجمت النبي يوشع بعد قصفها وتمكنت من احتلالها. وفي 19/5 تحركت قوة إسرائيلية معززة إلى داخل الأراضي اللبنانية والتفوا على المالكية واستطاعوا احتلالها رغم المقاومة العنيفة للقوات اللبنانية، واحتل قدس ونسف الجسور التي تؤدي إلى تلك المنطقة.
ألقيت على عاتق فوزي القاوقجي مهمة استرداد المالكية، وبدأت مدفعية جيش الإنقاذ ظهر يوم 6/6/1948 بقصف الصهيونية في المالكية ودارت معارك عنيفة بين الجانبين اشترك فيها أيضاً الطيران السوري، واستطاع العرب استعادة المالكية وفي اليوم التالي تم استعادة قدس أيضاً.

معركة مشمار هعيميك “حامية المرج”
كانت خطة جيش الإنقاذ في الهجوم على مستوطنة مشمار همعيميك تهدف إلى اختبار مناعة المستعمرات وقياس قدرتها الدفاعية ومعرفة أساليب التنسيق بين المستعمرات ومدى قدرة الصهاينة على خوض معركة في العراء بعد استدراجهم.
سبقت عملة الهجوم على المستعمرة عملية هجوم مخادعة على مستعمرة زراعيم ليلة 4/4 ودمرت مجموعة من المنازل وبرك المياه، وتمكن أفراد وحدة جيش الإنقاذ من أخذ مواقعهم بسرية جوار مشمار هعيميك، وذلك لأن الأنظار اتجهت إلى زراعيم.
في مساء نفس اليوم 4/4، فتحت مدافع جيش الإنقاذ نيرانهم على المستعمرة، وتقدمت سرية من المشاة إلى الأسلاك الشائكة وبدأوا يقطعونها، اقتربت مصفحات جيش الإنقاذ من أبراج الحراسة وقصفها بكثافة حتى أسكنتها نهائياً.
انسحب القاوقجي بعد حلول الليل إلى التلال المجاورة ووجه إنذاراً إلى المستعمرة بإرسال وفد للتفاوض لوضع المستعمرة تحت حماية جيش الإنقاذ، فأرسلت المستعمرة مندوباً يعلمهم بأن هيئة تمثل المستعمرة يصحبها ضباط بريطانيون سيصلون للمفاوضة ظهراً.
اضطر القاوقجي لإرسال نجدات إلى القسطل بسبب تطورات الموقف هناك، وجاء وفد من المستوطنة إلى القاوقجي الذي أمهلهم 24 ساعة لنقل قتلاهم والتقرير بشأن الاستسلام.
لكن السيارات التي كانت تنقل جثث القتلى كانت تعود محملة بالرجال والسلاح، وفي صباح 10 نيسان قام الصهاينة بأعنف هجوم عرف حتى تلك الفترة، فطوقوا قوات جيش الإنقاذ وعزلوها عن مواقعها واضطروها للعودة مسافة 4كم عن مواقعها.
أعادت قوات جيش الإنقاذ تنظيم نفسها، وفي صباح 11/4 فتحت المدفعية العربية نيرانها على المستعمرة وقام المشاة بهجوم قوى عليها فبدأ أفراد الهاغاناة بالتراجع باتجاه المستوطنة والمستوطنات المجاورة، وراح جيش الإنقاذ يتقدم متجاوزا الجثث والأسلحة المتروكة، وعادت في هذه الأثناء القوة التي شاركت في معركة القسطل، وفي نفس الوقت وصلت قوات دعم صهيونية جديدة، وقام الصهاينة بهجوم مضاد، فنجح مأمون البيطار في إحباط الهجوم لكنه استشهد في المعركة، وتوقفت قوات جيش الإنقاذ عند قرية منسي وأعادت تنظيم نفسها، وقامت بهجوم ثان واستردت المواقع التي خسرتها وألحقت الهزيمة بالقوات الصهيونية، واستمر القتال 7 أيام دون انقطاع تم خلالها تحرير التلال المحيطة بالمستعمرة وقتل قائد الحامية الصهيونية، وهاجر على إثر ذلك عدد كبير من سكان المستوطنة إلى مناطق أخرى.

معركة مشمار هايردين:
بعد تولي حسني الزعيم قيادة الأركان السورية، قرر تحقيق نصر عسكري في فلسطين مهما كان الثمن، لاسيما وأن مجلس الأمن كان على وشك اتخاذ قرار بوقف إطلاق النار.
وقع اختيار الزعيم على مستعمرة مشمار هيردين وهي مستوطنة على نهر الأردن قريبة من جسر بنات يعقوب أقيمت عام 1890، وهي موشاف زراعي محصن.
نصت الخطة على إبقاء منطقة المستعمرة هادئة والقيام في نفس الوقت بهجمات مخادعة يمين ويسار المستعمرة، وبالفعل في صباح 7/6/1948 عبرت الوحدة السورية نهر الأردن وتمركزت باتجاه المستعمرة دون أن يشعر لها أحد.
تحركت القوة باتجاه الأسلاك الشائكة المحيطة بالمستوطنة وفتحت فيها عدة ثغرات فتنبه لها الصهاينة وراحوا يطلقون النار لكن ذلك لم يكسر حدة الهجوم، وتابعت القوة تقدمها وأسكتت أبراج الحراسة وانتشرت بين أبنية المستوطنة وخاضت معركة بالسلاح الأبيض، وفي هذه الأثناء عبرت قوة سورية أخرى نهر الأردن فساهمت في القضاء على فلول المنسجين، وقد وصلت القوات السورية إلى مستعمرة روشينا ثم عادت بعد أن كبرت المسافة بينها وبين المشاة.
سيطرت القوات السورية عل المستوطنة وتحت تصفية جيوب مقاومة صغيرة بقيت فيها، وفي صباح 8/6 قام الإسرائيليون بهجوم معاكس، فتصدت لهم القوات السورية بقيادة النقيب عدنان المالكي وطاردوهم حتى تل أبو الريش، وقد دعي هنا التل في ما بعد “تل المالكي”. وقد فشلت كل المحاولات الإسرائيلية اللاحقة في إجلاء أي جندي سوري عن موقعه. وظل الوضع هكذا حتى دخول الهدنة الأولى 11/6/1948.
وضعت القيادة الإسرائيلية خطة رمزها “بيروش” تنص على تطويق القوات السورية التي تحتل المستعمرة، وما أن انتهت الهدنة الأولى في 8/7/1948، بدأ الإسرائيليون في 9/7 برمايات غزيرة من النيران وبقصف مدفعي بعيد، وحلقت 4 طائرات إسرائيلية فوق المواقع السورية، وأخذت تقصف بالقنابل، وفي العاشرة ليلاً نجح رتل مهادي في عبور النهر إلى الضفة الشرقية وبدأت من هناك عملية قصف مدفعي للقوات السورية مما قطع اتصال القوات مع القيادة.
فتحت القوات السورية نيرانها على الأرتال التي هاجمت مواقعها وأجبرتها على التراجع مما دعا القائد الإسرائيلي إلى الانسحاب السريع، وفي 10/7 تحركت الدبابات السورية وطاردت المنسجين، فدب الذعر في صفوفهم وأخذوا يفرون، مما اضطر القائد الإسرائيلي إلى تهديد الفارين بإطلاق النار عليهم كي يجبرهم على البقاء في مواقعهم.
استمرت المعركة ستة أيام خسر خلالها اللواء الإسرائيلي المهاجم نصف قواته بين جريح وقتيل قبل أن تنتهي عملية “بيروش” بالفشل التام رغم النجدات التي وصلت يوم 14/7/1948.
لم تنسحب القوات السورية من مواقعها إلا بموجب اتفاقية الهدنة النهائية، بشرط أن تبقي مشمار هيردين منطقة مجردة من السلاح.

معركة المصرارة
في 24/2/1948، قام الصهاينة بقصف المصرارة بالهاون مما أدى إلى استشهاد بعض سكانه وكان ذلك رداً على الانفجار الذي وقع في حي بن يهودا.
رد العرب على النار بالمثل، فتدخلت القوات البريطانية وفرضت الهدنة، ووصلت أخبار هزيمة الهاغاناة في كفار عتصيون يوم 27/3/1948، فقام يعود القدس بالانتقام وأطلقوا قذائف الهاون على حي المصرارة مما أدى إلى قتل سبعة من العرب وجرح 40، وقد قام العرب بقصف حي مئاشعاراية بمئة قنبلة أشعلت الحرائق فيه، وقتل وجرح كثيرون فبدأ أهل الحي اليهودي بالنزوح عنه. فاندفع المناضلون العرب لاقتحام الحي، لكن تدخل القوات الإنجليزية منعهم من ذلك.
بعد سقوط حيفا ويافا، عاد المهاجرون إلى الحي اليهودي، وعاودت القوات الصهيونية قصف حي المصرارة طوال ليلة 27/4 الأمر الذي جعل سكانه يرحلون عنه.
ولم يبق في الحي سوى 130 مناضلاً من جيش الإنقاذ وجيش الجهاد المقدس حين احتل الصهاينة المستشفى الإيطالي يوم 14/5، وسيطرت الهاغاناة على مبنى النوتردام فأصبحوا يشرفون علي حي المصرارة والأحياء المجاورة، فراحوا يطلبون من السكان العرب الانسحاب على البلدة القديمة بمكبرات الصوت، وادعوا أنهم احتلوا القطمون والبقعة والشيخ جراح.
فشل المناضلون في استعادة المباني التي احتلها الصهاينة، وفض قائد جيش الجهاد المقدس الانسحاب الذي أمر به قائد جيش الإنقاذ العراقي، وعندما تقدمت القوات الصهيونية يوم 15/5 وطوقت القوات العربية، قام المناضلون بهجوم معاكس أدى إلى طرد القوة الصهيونية من الأماكن التي احتلتها لتطوق القوات العربية، بدب الذعر في صفوف الإسرائيليين، ولما تأكدوا أن الجيش الأردني لم يدخل كما كانوا يتوقعون قاموا بهجوم معاكس واحتلوا المواقع التي أخلوها.
في 16/5 شن العرب هجوماً معاكساً وطردوا الصهاينة من الحي وبلغوا حي مئا شعرايم، ولكن في 17/5 قام الصهاينة بهجوم واسع على الحي ونسفوا كثيرا من منازله وعادوا، وبقي الحي عربياً كاملاً حتى 8/6/1948 حين اشتبك الصهاينة مع الجيش الأردني واحتلوا قسماً من الحي.

معركة جبل المكبر:
يشرف جبل المكبر في جنوب القدس على معظم أحيائها، ولهذا فإن له ميزة عسكرية فريدة.
قام المندوب السامي بوضع دار الحكومة ومبنى الكلية العربية والمدرسة الزراعية اليهودية تحت تصرف منظمة الصليب الأحمر، وقبل العرب هذا الترتيب يوم 9/5/1948.
تسلم الصليب الأحمر مباني جبل المبكر، وقد اشترط يومها ألا يقيم في المنطقة المسلحة أي شخص في سن الجندية.
انتهك الإسرائيليون يوم 17/8/1948 الاتفاق، وتسللوا إلى جبل المبكر فتصدي لهم المناضلون العرب وساندتهم مدفعية الجيش الأردني، ومدفعية الجيش المصري، فتراجع الإسرائيليون إلى مبنى المدينة الزراعية، وعاد الصهاينة في نفس اليوم واحتلوا مبنى الكلية العربية، وفي 18/8 تجمع أبناء شرق القدس وانضم إليهم مجموعة من الأخوان المسلمين المصريين وسرية من الجيش الأردني وقاموا بهجوم مضاد عنيف، فندحر الإسرائيليون واحتموا بدار الحكومة، فطوقها المجاهدون وهددوا بتدميرها، فقام مراقبو الهدنة بترتيب وقف إطلاق النار.
حاول الإسرائيليون استعادة المواقع التي احتلها المجاهدون يوم 19/8 لكنهم فشلوا، وتم تقدير خسائر الطرفين بمئتي قتيل ومئتي جريح.
يوم 22/8 عقد الجنرال رايلي كبير المراقبين الدوليين اجتماعاً بين القيادات العربية والإسرائيلية، وأضيفت بناء على الاجتماع منطقة جديدة تحت إشراف الصليب الأحمر، وسحب الفريقان العسكريين وأزالوا المنشآت من المناطق التي حددت وتم تسليمها للصليب الأحمر .. وجدد اتفاق وقف إطلاق النار في 20/11/1948.

معركة ميكورحاييم:
أحاطت بحي صور باهر جنوب القدس ثلاث مستعمرات، ميكور حاييم، تل بيوت، ورامات راحيل، وعندما وصل خبر إلى المناضلين العرب بقيام الصهاينة بقتل امرأة وطفلها من سكان بيت صفافا، قرروا مهاجمة تلك المستعمرات .
اقتحم المناضلون تلك المستعمرات بقيادة عبد القادر الحسيني ودارت بينهم وبين سكانها معارك قاسية كان أعنفها معركة ميكور حاييم في 13/3/1948م. واستطاع المجاهدون تدمير كثير من منازلها بعد احتلال الجزء الأكبر منها، وقتلوا وجرحوا كثير من سكانها واستولوا على كمية من الأسلحة والذخيرة، واقتربوا من احتلال كامل المستعمرة ولولا تدخل القوات البريطانية من معسكر العلمين جنوبي القدس، وهددت بقصف المجاهدين بالمدفعية، فاضطر المجاهدون إلى الانسحاب ولكنهم فرضوا حصاراً على ميكورحاييم وتصدوا للنجدات القادمة إليها، ولم تتخلص المستوطنة من الحصار إلا بعد سقوط حي القطمون في 1/5/1948.

معارك الناصرة:
وضعت القيادة الصهيونية مخططاً عسكرياً باسم “ديكل” كان الهدف منه مهاجمة قوات جيش الإنقاذ المتمركزة في الجليل الغربي واحتلال مواقع دفاعية وشل خطوط المواصلات.
كلف حاييم لاسكوف بقيادة عملية احتلال الناصرة ضمن الخطة، وكانت حامية الناصرة قوية في الجانب العربي قياساً إلى الوضع العام للحاميات العربية، وبتاريخ 9/7/1948 استولى الصهاينة على مخفر أمامي يسيطر على أسفل التلال، واستولت كذلك في 11/7 على عدد من القرى العربية، فقامت قوات جيش الإنقاذ بشن هجوم مضاد باتجاه نهاريا وعكا، وركز لاسكوف هجومه باتجاه شفا عمرو تأكد من عدم قيام الجيش اللبناني بأي هجوم، سقطت شفا عمرو صباح 14/7 وهي بالطبع الطريق المؤدي للناصرة، وخطط لاسكوف للاندفاع نحو الناصرة قبل أن يدرك القاوقجي الأمر يحصن دفاعاته، وفي نفس القوت قامت قوة من لواء غولاني بالإيهام بهجوم على الناصرة من الجنوب لتشتيت تركيز قوات جيش الإنقاذ.
وصلت قوات لاسكوف إلى صفورية صباح 16/7، فأرسل أهل صفورية برقية إلى القاوقجي يطلبون النجدة، فأرسل سرية لحماية الناصرة، لكنه تسلم برقية أخرى تفيد بخطورة الحالة في طبريا، استعداداً لمهاجمة المغار، واحتلال المغار كان يعني عزل جيش الإنقاذ في وحدتين والفصل بينهما، فسحب القاوقجي سرية من ترشيحا وأرسلها إلى المغار ثم الناصرة، واشتبكت السرية مع الدبابات الإسرائيلية، وتم صد الهجوم ولكن المقاومة الإسرائيلية كانت عنيفة.
قام الإسرائيليون بهجوم مضاد فدمروا مصفحات جيش الإنقاذ، ولكن بعد أن توفر الدعم، فشل الهجوم الإسرائيلي، وأخذت مقاومة القوات العربية تضعف تحت وطأة التفوق الإسرائيلي، وفي المساء دخلت القوات الصهيونية المدينة من الغرب والجنوب، فانسحبت قوات جيش الإنقاذ وسقطت الناصرة.

معركة النبي يوشع:
النبي يوشع قرية شمال مدينة صفد، قريبة من الحدود اللبنانية، وسميت بهذا الاسم لوجود مزار فيها يعتقد بأنه قبر يوشع بن نون.
كان للقرية أهمية عسكرية خاصة لوقوعها على الحدود وأشرافها على طريق يؤدي إلى مرتفعات الجليل وجبل عامل في لبنان وتشرف كذلك على وادي الحولة وعلى الطريق العام لوحيد في الوادي.
في 15/4/1948 انسحب الجيش البريطاني من مركز شرطة بجوار القرية، فتصارع الصهاينة والعرب على احتلاله، واستطاع الملازم السوري شفيق عيسى احتلاله مع قوة صغيرة من جيش الإنقاذ، غير أن الصهاينة هاجموا المركز ليلة 19/4/1948 وحدثت معركة كانت نتيجتها ارتداد القوة الصهيونية، بعد أن خلفت وراءها عدداً من القتلى وكمية من الذخائر والأسلحة.
في 13/5 هاجمت المركز سرية من البالماخ واستطاع المناضلون ردها وقتلوا 10 من رجالها. وعاد البالماخ للهجوم ليلة 15/5 معززين بقوات إضافية فاستشهد الملازم عيسى، وانسحبت القوة العربية من المركز صباح 15/5 ودخلت القوات الصهيونية المركز يوم 17/5/1948.

معركة وادي الجوز:
فشل الصهاينة عدة مرات في احتلال وادي الجوز بعد عدة هجمات في 28/1 وفي 22/2 و23/2/1948، ولكن هذه الهجمات دفعت سكان الحي إلى مغادرته، ولم يبق غير عدد قليل من سكانه، لكن من بقي فيه صمم على الدفاع عنه وقاموا بتحصينه بشكل جيد للتعويض عن نقص المقاتلين. اعتقد الصهاينة أن الاستيلاء على الحي أصبح سهلاً، فشنوا عليه هجوماً يوم 26/2/1948 منطلقين من مستشفى هداسا والجامعة العبرية، وتمكنوا من احتلال تل العفيفي ونسف منزلين عربيين مما أدى على استشهاد 3 أطفال تحت الأنقاض.
حاولت القوة الصهيونية التقدم داخل الحي فتصدي لهم شبان الحي والمجاهدون العرب كبدوهم خسائر أجبرتهم على التوقف، وطاردتهم العرب حتى أخرجوهم من الحي كاملاً بعد أن سقط منهم 12 قتيلاً و18 جريحاً، ولم يخسر المقاومون غير الأطفال الثلاثة الذين نسفت البيوت فوقهم.

تصدى المناضلون لهجوم ثان في منتصف آذار وأفشلوه أيضاً.

معارك يافا:
كانت يافا من الناحية العسكرية ساقطة دفاعياً، بسبب وجود مدينة تل أبيب شمالها ومستعمرة بيت يام جنوبها وكذلك أجرو بانك وحولون، أما في الشرق فتوجد مستعمرة نيتر الألمانية والبحر المتوسط من جهة الغرب.
بعد صدور قرار التقسيم جرى تشكيل لجنة قومية للمدينة باقتراح من الهيئة العربية العليا وكانت مهمة اللجنة الإشراف على الدفاع والإعداد وجمع السلاح.
بدأت المعارك باشتباك بين مجموعة من المناضلين والصهاينة بين تل الريش ومستعمرة حولون، قتل فيها عدد من الصهاينة فيهم قائد المجموعة، ثم قام الصهاينة في 4/1/1948 بنسف دار الحكومة فقتل عشرات العرب وجرح كثيرون، فأثار هذا الحادث أهالي يافا فتوحدوا وأزالوا الخلافات.
كان الشيخ حسن سلامة هو المسؤول العسكري عن منطقة يافا، وقد دارت معارك بين المجاهدين والصهاينة استمرت شهرين ونصف بدأت في 4/12/1947، وقد اعترف مناحيم بيغن زعيم الأرغون في تلك الفترة بشدة معاناة تل أبيب من يافا وحي المنشية ووطأة الضرب من هاتين المنطقتين، وقد سقط من سكان تل أبيب حوالي ألف قتيل وجريح، وقد أقر بيغن أن القناصة العرب كانوا يرسلون الموت إلى كل مكان، حتى أن رصاصهم وصل إلى النيابة التي تعمل فيها بلدية تل أبيب.
قام الصهاينة يوم 20/3/1948 بهجوم كبير على ثكنة “أبي كبير ودمروا بعض المنازل العربية، لكن هذا الهجوم كلفهم 36 قتيلاً، وحاولوا بعد يومين اقتحام يافا بعد قصفها لكنهم فشلوا.
ذهبت وفود كثيرة إلى دمشق لتوضح عدم تكافؤ قوة المدينة مع قوة الصهاينة لكنها جميعها عادت دون أن تحصل على شيء.
قام الصهاينة يوم 28/4 بهجوم كبير من جهة تل الريش وآخر من جهة المنشية ودارت معارك طاحنة، فاستطاع المجاهدون رد الهجوم الأول في تل الريش بعد أن خسر الصهاينة 25 قتيلا وبعض الجرحى، أما هجوم المنشية فقد نحج فيه الصهاينة واحتلوا الحي فأخذ السكان يغادرونه، لكن قائد جيش الإنقاذ أقال قائد حامية يافا المقدم عادل نجم الدين وعين مكانة الرئيس ميشيل العيسي، فوصل إلى يافا يوم 28/4/1948 واستطاع دحر الصهاينة على طريق تقدمه ولكن بدأ واضحاً أن ميزان القوى يميل لصالح الصهاينة الذين احتلوا عدداً من القرى حول يافا.
في أوائل أيار بدأ الناس يغادرون إلى غزة بعد أن عم الاضطراب، فشدد الصهاينة من هجومهم على المدينة وأخذت المقاومة تنهار وازداد القتلى والجرحى.
في 13/5/1948 سلم الحاكم الإنجليزي مفاتيح الدوائر الحكومية إلى الحاج أحمد أبو لبن باعتباره مسؤولاً عن شؤون المدينة. وقدم الحاكم اقتراحاً باعتبار يافا منطقة مفتوحة فوافق العرب والصهاينة على الاقتراح، ووقعت اتفاقية في 13/5 بين وفد من أهالي يافا والهاغاناة في تل أبيب.
بمجرد انسحاب الإنجليز يوم 14/5، قام الصهاينة باقتحام المدينة وسقطت يافا.

حرب 1948:
هي الحرب الأولى بين الجيوش العربية الخمسة التابعة لمصر وسوريا والأردن والعراق ولبنان من جهة والقوات الصهيونية من جهة، فيما عرف بحرب 1948، بين جيش الجهاد المقدس وجيش الصهاينة الذي بلغ عدده حوالي 67 ألف مقاتل مقابل 24 ألف مقاتل للجيوش العربية مجتمعة.
أعلن بن غوريون يوم 14/5/1948 قيام دولة إسرائيل وشكل حكومة مؤقتة لها، واعترفت بها كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على الفور.
انسحبت القوات البريطانية يوم 15/5/1948 مخلفة وراءها عتادها وأسلحتها، وكانت الهاغاناه قد أكملت استعداداتها للاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من فلسطين، ورمزت لخطتها برمز “دال”، وأعلنت التعبئة العامة بين القوات الصهيونية منذ مطلع نيسان 1948. وخلال شهر ونصف تمكنت هذه القوات من السيطرة على الجزء المخصص لإسرائيل حسب قرار التقسيم وأجزاء خارج القسمة أيضاً، وأصبحت جاهزة لمواجهة أي هجوم عربي محتمل.
دخلت الجيوش العربية ولكن أقل بكثير مما كان متوقعاً وبدون خطة واضحة، وقد أجمع رؤساء أركان الجيوش في ذلك الوقت على أن جيوشهم غير جاهزة لخوض حرب. ولم يقتصر الأمر على غموض المهام بل تعداه إلى تغيير المهام في الساعات الأخيرة.
في منتصف ليلة 15/5/1948 دخلت الجيوش العربية على فلسطين، ورغم النواقص التي عانتها إلا أنها حققت نجاحات في الأيام الأولى لدخولها مما دعا أمريكا لأن تطلب من مجلس الأمن إصدار قرار لوقف إطلاق النار.
علنت أمريكا وبريطانيا أن الحالة في فلسطين تهدد السلم العالمي، وضغطتا على الدول العربية وبذلتا الوعود، فقبلت جامعة الدول العربية قرار مجلس الأمن رقم 50 في29/5/1948 القاضي بوقف إطلاق النار لمدة 4 أسابيع. وصلت إلى إسرائيل خلال الهدنة كميات كبيرة من الأسلحة، عاد الجانبان للقتال يوم 9/7/1948، لكن مجلس الأمن ما لبث أن أصدر قراراً آخر بالهدنة الثانية، يوم 15/7/1948، بدأت عملياً يوم 18/7/1948 بعد أن تمكنت إسرائيل في الأيام العشرة من احتلال مساحات أخرى من الأرض.
أنهمك الكونت برنادوت في تلك الفترة في إعداد خارطة لفلسطين عازماً على تعديل قرار التقسيم، فأعد مشروعاً عرف باسم “مشروع الكونت برنادوت” لكن الإسرائيليين لم يعجبهم المشروع فقاموا باغتياله في القدس يوم 17/9/1948.
تابعت إسرائيل خرق الهدنة، ونظمت هجوماً على القوات المصرية في الفالوجة 27-28/7/1948، لكنه أحبط وهاجمت عراق المنشية وأخفقت في السيطرة عليها ولكنها نفذت عدة عمليات على طريق النقب أدت على احتلاله والوصول إلى مرفأ “أم الرشراش” الذي سماه الإسرائيليون بعد ذلك “ميناء إيلات” وهو من خليج العقبة.
قام الطيران الإسرائيلي يوم 15/10/1948 بقصف مطار العريش وغزة وبيت حانون والمجدل والفالوجة لإخراج القوات المصرية من المعركة، وفي 16/10 قطعت خطوط المواصلات المصرية ودارت معركة أخرى حول عراق المنشية تمكنت المدفعية المصرية فيها من صد الهجوم الإسرائيلي، وفي 19/10 احتلت القوات الإسرائيلية الحليقات وأصبح بإمكانها التقدم نحو الجنوب مما دفع القوات المصرية لإخلاء المجدل خوفاً من التطويق.
أصدر مجلس الأمن مجدداً قرراً في 29/12/1948 بوقف إطلاق النار، وأعلنت بريطانيا أنها ستقوم بمساعدة مصر إن لم تلتزم إسرائيل بالهدنة، وبعد هذا توقفت الاشتباكات واستمر الصراع السياسي حتى انتهي الأمر بعقد اتفاقات هدنة دائمة فردية فيما عرف باتفاقيات رودس، وكانت هذه نهاية الحرب في تلك الفترة. تمت الاتفاقية برعاية الأمم المتحدة في جزيرة رودس في شباط 1949.

معركة رامات هكوفتش:
آخر معارك الجيش العراقي قبل انسحابه من فلسطين، وقد خاضها بمشاركة فلسطينيي قلقيلية والطيرة.
قام لواء جفعاتي في 2/1/1949 بالهجوم على قرية الطيرة من الشمال، فتصدي له مناضلو القرية القليلون، ولكن الإسرائيليين تغلبوا عليهم، وقامت قوة أخرى إسرائيلية باحتلال التلال الثلاثة شرق رامات هكوفتش، وفي الفجر شنت القوات العراقية هجوماً معاكساً وتمكنت من استرداد بعض المواقع، ولكن وصول نجدات للصهاينة أوقف هذا الهجوم وحوله إلى مجرد مناوشات يومي 3ـ4/1/1949، وحاول العدو بعدها احتلال كفار سابا، لكن محاولاته أحبطت. وفي صباح 7/1/1949 استطاعت كتيبة عراقية معززة بالمدافع والمدرعات مفاجأة المواقع الجنوبية للعدو وطردت منها قوات”يفتاح”، ومن ثم أخذت تركز القصف المدفعي على المواقع الشمالية وعلى مستعمرة كليمانية ورامات هكوفتش، وفي المساء تمكن العراقيون من استعادة جميع الأماكن التي احتلها العدو.
لم تنسحب القوات العراقية إلا بعد توقيع اتفاقية الهدنة الدائمة بين الأردن وإسرائيل في نيسان 1949، وذلك بعد شهرين من معاهدة رودس.

شاهد أيضاً

محللون: واشنطن تضغط على الفلسطينيين لقبول “صفقة القرن” وسط شكوك بنجاحها

استهدفت إجراءات متتالية اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية بحق الفلسطينيين زيادة الضغط الشامل عليهم، للقبول بما …

اترك رد