النكبة في الوجود والذاكرة

في ذكرى النكبة التي نستحضرها كل عام يفِد إلى الذاكرة مجموعات من الصور وكأنها بحر متلاطم ما بين تهجير قسري اختلط بمذابح ترويعية، تعاكسها صور خلابة وجميلة لبلاد حباها الله بالخضرة والهواء الحسن والجمال والتنوع البيئي، وتتدافع الصورة متراكضة وكأنك رقم في صفوف اللاجئين الناجين بحياتهم يقطعون الدروب مشيا على الأقدام أو محملين قسرا بالحافلات أو تحت قصف القنابل ينتقلون عبر بحر فلسطين من منطقة إلى أخرى، وتغيب كثيرا عن الذاكرة صور أولئك الغُزاة المعتدين قساة القلوب الذين استمرؤوا القتل فجعلوا من المذابح عنوانا وجعلوا من سياسة التهجير والإحلال وسرقة الأرض سياسة ما زالت كما هي حتى يومنا الحاضر في العام 2016.
الصورة الوافدة المتدافعة ما بين مخيمات البؤس والحزن وطوابير المنتظرين للطعام المقدم من المؤسسة العالمية التي أسهمت في النكبة تكاد لا تنتهي في مخيلتك أثناء استحضار الذكرى، فإن غضبت على عصبة الأمم لك أن تغضب على الأمم المتحدة، وأن غضبت على بريطانيا باعتبارها التي رسخت المشروع الاستعماري الاستيطاني في بلادنا لا يمكنك أن تهمل فرنسا أيضا لاسيما وهما أي الدولتان معا من قسمتا المنطقة في (سايكس-بيكو) عام 1916 ثم في سان ريمو عام 1920 وكأنهم يتعاملون مع صفقة تجارية أو أرض متروكة تضج يوميا بالصراخ معلنة هنا فلسطين العربية، فمهما فعلتم فلن أكون إلا أنا لا كما تريدون.
إعلان قيام الكارثة
لم يمر يوم الجمعة الموافق 14/4/1948 كغيره من الأيام إذ أنه ما أن دقت الساعة الرابعة من عصر هذا اليوم المشؤوم حتى اعتلى (ديفد بن غوريون) منصة الكنيست الإسرائيلي ليعلن: (حقنا الطبيعي والتاريخي بموجب قرار الجمعة العمومية للأمم المتحدة ، نعلن إقامة دولة يهودية على أرض إسرائيل وهي دولة إسرائيل) في سياق مغالطات دينية وتاريخية قديمة وحديثة ربطت بين “المحرقة” النازية التي لا علاقة للعرب والفلسطينيين بها وبين إقامة كيانهم على أرض فلسطين.
في هذا اليوم الذي شكّل الكارثة العصرية للشعب الفلسطيني،وبداية حقبة جديدة من البطولات (يسمى الاسرائيليون المحرقة النازية ” الكارثة والبطولة ” أيضا) التي تمكن فيها ثوار فلسطين ليس منذ النكبة كعلامة فارقة وجرح نازف وإنما ما قبل ذلك وبعدها من تبديد الظلمة من حول سياسات سعت لإذابة هذا الشعب وتحطيم إرادته حيث أن فلسطين أو كما يزوّرون (اسرائيل) (هي أرض بلا شعب) وهم-أي نحن- من (رحلوا وتخلوا طواعية عن البلاد) وبناء عليه قالوا أن (الكبار سيموتون والصغار ينسون) وما كانت كل هذه الهرطقات إلا استمرارا لمسلسل الكذب والخديعة والتزوير الديني والتاريخي والإعلامي في محاولة استعمارية لطمس معالم جريمة اغتصاب أرض ووطن ولجريمة التطهير العرقي في فلسطين وما صاحبها من استعمار وحروب وكارثة حلت بالأمة منذاك وحتى اليوم .

أرض بلا شعب ؟
يُنسب هذا القول المخادع الشهير (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) إلى الكاتب الانجليزي الصهيوني (اسرائيل زانغويل) وعارض المذكور في مقولته المخادعة الكُتّاب والمثقفين حتى الاسرائيليين منهم ، إن التاريخ كفيل بالشهادة فقد لا تكفي آلاف السنين للوجود العربي الكنعاني اليبوسي الفلسطيني غير المنقطع لتقنع المستعمرين الغربيين والحركة الصهيونية باستحالة أن تنطلي الكذبة على أحد ، لذا كان لا بد من الاختلاق على ذات النسق الذي اخترع و ألّف فيه أحبار اليهود روايات التناخ (التوراة وملحقيها)، المشبعة بالأماني والأحلام والأساطير كما يقول عالم الآثارالاسرائيلي (إسرائيل فنكلستاين) وزميله (زئيف هرتزوغ).

إن فِرية (أرض بلا شعب) تعرضت للهدم حتى من مطلقيها أي من قادة الحركة الصهيونية أنفسهم وعلى رأسهم (دافيد بن غوريون) أحد ملوك وصنّاع الكيان الصهيوني الذي اعترف بذلك في أواخر عمره عام 1956م وهو يحادث (ناحوم غولدمان) قائلا (لماذا يعقد العرب سلاما معنا ؟ لو كنت زعيما عربيا يستحيل أن أعقد سلاما مع إسرائيل) ليلقى بالقنبلة التي أذهلت (ناحوم غولدمان) نفسه إذ قال له بعد أن أكد على قناعاته الدينية الرثة بأن الله وعدهم بها ومعقبا بتساؤل وحيرة لكن (هذا كان قديما من ألفي عام) استنادا للتوراة، ثم قال بوضوح (نحن أتينا هنا وسرقنا بلادهم لماذا يقبلون بنا؟) ومع الاعتراف بالسرقة وان متأخرا يظهر اعتراف بأنها ليست بلادهم هم، وعليه فهي حتى بهذا اللسان المحارب ضدنا كانت مأهولة بغيرهم على الأقل لألفي عام.
إن كان قول “بن غوريون” في أواسط القرن العشرين فهناك من سبقه في نقص كذبة (أرض بلا شعب) وهو المفكر اليهودي (آحاد هاعام) من (أحباء صهيون) الذي كتب في الصحيفة العبرية (هامليتس) (سان بطرسبرغ) عام 1891 ليقول بوضوح (لقد أعتدنا نحن في الخارج على الاعتقاد بان أرض اسرائيل مهجورة كليا تقريبا في الوقت الحاضر ، صحراء غير محروثة وأن أي شخص يرغب بشراء أرض هناك يمكنه أن يأتي ليشتري كل ما يريد . ولكن الحقيقة ليست كذلك في البلاد كلها يصعب أن تجد أرضا غير قابلة للفلاحة ولم تفلح بعد …. ) .

هل الفلسطينيون تركوا أرضهم طواعية؟
ولنا أن نتعرض لنقض مقولة أن الفلسطينيين تركوا أرضهم طواعية أوباعوها أوهاجروا بإرادتهم مما انتشر في مرحلة من المراحل –وربما من بعض الأصوات المرجفة حتى الآن-مترافقا مع ألم النكبة واللجوء والتشرد لنشير للتالي :
 عندما تمكنت بريطانيا عام 1839 (أي قبل أكثر من 90 عام من استيلاء بريطانيا على فلسطين) من إقامة قنصلية لها في القدس في ظل الضعف العثماني، لم يكن أتباع الديانة اليهودية في فلسطين يتجاوزون 9700 فرد فقط لا غير.
 بعد أن سمح العثمانيون بعقد صفقات شراء لليهود الغربيين في فلسطين منذ العام 1849 استطاعوا إقامة بعض المستوطنات، ولكنها في جميع الأحوال لم تتجاوز 0.8% من مساحة فلسطين لنسبة يهود بلغت في القرن 19 أقل من 3% من الفلسطينيين العرب أصحاب الأرض، وحتى عندما وصل عدد المستعمرات مع بداية القرن 20 الى 22 مستعمرة لم تزد النسبة وبقيت على حالها رغم تزايد أعدادهم إلى 34000 يشكلون 5.7% من السكان.
 رغم كل الدعم المادي الخارجي والصيحات الاستعمارية ظل عدد اليهود ومساحة الأرض المغتصبة في حدها الأدنى بحيث أنه في العام 1917 وكان عدد اليهود قد تزايد ما بين 60 – 80 ألف ليصبحوا في هاذا العام 7% معظمهم من غير الصهاينة ويملكون 2% من أرض فلسطين.
 كان للسياسة الاستعمارية البريطانية-الصهيونية عمق الأثر في سرقة أرض فلسطين وتسليمها لليهود من جهة، اضافة لدعم الهجرة اليهودية وتشكيل نواة الدولة العبرية القادمة على قدم وساق إذ ارتفعت أعداد اليهود (1919-1933) إلى 12% يملكون 3% من الأراضي.
 وفي فترة الانتداب (الاحتلال) البريطاني المشئوم (1923-1948) تزايدت الهجرة المنظمة المدعومة من حكومة الاحتلال البريطاني لفلسطين لتصل عام 1948 قبل إعلان “بن غوريون” إنشاء الدولة إلى 605 ألف يهودي من أصقاع العالم المختلفة ما يمثل 30% من السكان ، لم يستطيعوا أن يستولوا على الأرض رغم كل ذلك إلا بعد انشاء الدولة وتدمير 531 قرية (أو 400 حسب قائمة الرابطة الاسرائيلية للحقوق الإنسانية والمدنية ) وفي ظل بقاء 150000 فلسطيني تحت الحكم الاسرائيلي، إذ شرد قسرا 800 ألف من مجموع مليون و 400 ألف مواطن فلسطيني حينها.
 يشرح بدقة المؤرخ الاسرائيلي (إيلان بابيه) في كتابيه الثمينين (التطهير العرقي في فلسطين) والعرب المنسيون (فلسطينيو 1948) وأوري ديفيس زميلنا في المجلس الثوري لحركة فتح في كتابه (اسرائيل الابارتهايدية) آليات الطرد والترويع والقتل وسلب الحقوق التي اتبعت جنبا الى جنب في 3 اتجاهات ضد الإنسان وضد الأرض وضد الذاكرة.

يتضح لنا من كل ما سبق أن هذه الارض التي تحتفي بأصحابها العرب الفلسطينيين حتى اليوم ما زالت تسمع ضحكاتهم وهدير أيامهم الصاخبة، وملاعب صباهم وآمال مستقبلهم، ومازالت رغم الهدم والردم والاغتصاب الصهيوني تكذّب مقولة أن الفلسطينيين تركوا بلادهم أو تخلوا عنها طواعية عام النكبة بشهادة الأرض والتاريخ بل وبأقلام البحاثة والدارسين الجدد من المفكرين الاسرائيليين المنصفين أنفسهم.

هل الصغار ينسون حقا ؟
تقول المقولة الثالثة التي راجت في الخمسينيات من القرن العشرين وتعقيبا على النكبة وما لحقها من حرب (1948 – 1949) أن (الكبار يموتون والصغار ينسون) وهي المقولة المنسوبة لرئيس المؤتمر اليهودي ثم الحركة الصهيونية (ناحوم عولدمان) وتنسب أحيانا لوزير الخارجية الأمريكي آنذاك (جون فوستر دالاس) ، ولكن الواقع الذي يراه العالم اليوم هو أن الكبار والصغار تشاركوا معا في اطلاق ثورة في أقل من عشر سنوات من النكبة (نشأت حركة فتح عام 1957 وانطلقت عام 1965 وتجذرت عام 1968 إثر معركة الكرامة)، وهو ما كذب أيضا ادعاء رئيسة الوزراء (غولدا مائير) حين تساءلت مستنكرة من هم الفلسطينيون أوأين هم ؟ بل وأن عامل النسيان قد سقط كليا مع نهضة المارد الفلسطيني ليس فقط خارج الوطن حيث شكلت مخيمات اللاجئين مدارس للثورة وإنما في أرضنا عام 1967 ، وفي أراضينا عام 1948 التي أصبح عدد المواطنين فيها أكثر من مليون ونصف مليون صامد مرابط.

من المهم لنسقط هذه المقولة كليا أن نسمعها أيضا على لسان مؤسسي دولة “اسرائيل” اذ قال (بن غوروين) نفسه في ذات الحوار الذي عرجنا عليه له مع (ناحوم غولدمان) عام 1956 (ربما نسوا في جيل أو جيلين ولكن الآن لا مجال أن ينسوا …) ليُذهل غولدمان كما قال من كل ما سمع.
ولنا أن ننظر اليوم حيث قال الرئيس محمود عباس في افتتاح المتحف الفلسطيني في بلدة بيرزيت قرب مدينة رام الله بذكرى النكبة 68 و بتاريخ 18/5/2016 “نفتتح اليوم صرحا من الصروح الفلسطينية، وهو المتحف الفلسطيني الذي سيكون حافظا لذاكرة الشعب الفلسطيني، راويا للذاكرة الفلسطينية، مبلغا الأجيال القادمة أن فلسطين وشعبها موجودون هنا منذ الأزل، موجودون هنا منذ الكنعانيين، مغروسون في هذه الأرض، على مدى الزمان، على مدى العقود الطويلة، لم يتحرك من هذه البقعة لحظة واحدة”.
وأضاف الرئيس، “هذا المتحف سيقول للعالم، لكل العالم نحن كنا هنا ونحن باقون هنا، وسنبقى هنا لبناء دولتنا، ولا أحد يستطيع أن ينكر حقنا إلا الناكرون، ولن نلتفت إليهم، ولن يستطيع أن ينسى أحد أننا هنا إلا من يريد أن ينسى أو يتناسى، نحن هنا مغروسون منذ بداية التاريخ، منذ فجر التاريخ، إلى يومنا هذا إلى المستقبل لن يستطيع أحد أن يحول دون مسيرتنا، أن يحول دون تقدمنا إلى الأمام، للوصول إلى ما يريد هذا الشعب العظيم”.

من أين نبدأ الحكاية ؟
حاولنا في البداية أن نبدّد الغيوم أو ظلام التشكيك من مقولات زائفة راجت مستندين للتاريخ والواقع بل ولشهادات الاسرائيليين أنفسهم لنعرج على بداية القصة … هل كانت النكبة عام 1948 بداية القصة أم نهايتها ؟ وهل جاءت دفعة واحدة أم سبقها الكثير من الإعداد والتحضير ؟ وإن كانت ذات امتداد في التاريخ والثقافة والسعي الاستعماري لماذا ومنذ متى ؟ هذا ما سنجيب عليه.
لقد بدأت الحكاية تاريخيا منذ أكثر من 150 عام على الأقل وإن كان قبل ذلك بكثير ثقافيا وفكرا استعماريا لم يفارق العقل الأوروبي الذي آمن بالعرق الأبيض في عدائه مع الآخر وحروبه الصليبية التي استغلت الدين استغلالا بشعا ضمن المفهوم وشعار استعمار الدول والشعوب الأخرى، وفي إطار الرفض والاشمئزاز والاضطهاد بل والقتل والحرق الذي مورس لقرون في أوروبا ضد المخالفين في المذهب المسيحي ذاته عوضا عن المسلمين واليهود ، هذا من ناحية ثقافية فكرية دينية.
أما من ناحية تسلسل الأحداث فيمكننا أن نعتبر حروب الفرنجة الغربيين (الحروب الصليبية كما أسموها هم) بداية فكر الغزو والاستعمار المرتبط بأحلام التوسع الامبراطوري الروماني القديم، ويمكننا أن نجد في مراحل أخرى بذور واضحة ونوايا لتحطيم منطقتنا العربية الإسلامية ودق أسفين في وسطها ، ولكننا أيضا من الممكن أن نعتبر البداية مع الامبراطور المغامر نابليون عام 1798.
1) دخل نابليون أرض مصر أواخر القرن 18 وغزا فلسطين عام 1798 وسقط أمام أسوار عكا العربية الكنعانية الفلسطينية الأبية منذ الأزل، وحينها وضمن عقلية التوسع والاستعمار وتدمير العدو وجه نداءه ليهود العالم بالقول : (أيها الاسرائيليون ، أيها الأمة الفريدة فرنسا تقدم لكم ورثة آبائكم، استعيدوا أما أخذ منكم بالقوة ودافعوا عنها بدعم فرنسا ومساعدتها).
2) في العام 1839 أقيمت أول قنصلية بريطانية في القدس وكان جل نشاطها ما تسميه (حماية الجالية اليهودية) التي لم تتعدى 10000 شخص في سياق الجهود لدق مسامير الاستعمار في بلادنا.وفي العام 1845 دعا الضابط الانجليزي [إدوارد ميتفورد] لإنشاء كيان للشعب اليهودي في فلسطين.
3) في العام 1881 جرت محاولة اغتيال للقيصر الروسي اتهم فيها اليهود الروس فقتلوا وهجروا بأعداد كبيرة حيث توزعوا بين أوروبا الشرقية والغربية، ليُغرق اليهود الروس أوربا.
4) مع ضعف السلطنة العثمانية أمام الدول الأجنبية وإذعانها سمحت بصفقات لليهود في فلسطين منذ العام 1849 فبدأت تظهر المستوطنات .
5) كان لتأسيس جمعية “أحباء صهيون” في روسيا دورا هاما في تشجيع الهجرة الى فلسطين ومحاربة اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها (والعودة إلى صهيون) وشكلت الجمعية صلة وصل بين ما سمي (طلائع الصهيونية) في منتصف القرن 19 وبداية الصهيونية السياسية مع ظهور “تيودور هرتزل” وتطورت (جمعية أحباء صهيون) لتعطي اليهود صفة “قومية” وإنهم جماعة مستقلة وعليهم التحرر من حياة الاضطهاد واستقلالهم بأرض يعيشون عليها ولم تكن هذه الارض بالضرورة فلسطين (أنظر المفكر اليهودي “ليوبنسكر” في كتابه التحرر الذاتي) واستمرت الجمعية منذ العام 1881 -1903 .

الصورة:(ليون بينسكر (مواليد 13 ديسمبر 1821 – مات 9 ديسمبر 1891) طبيب وناشط صهيوني رائد ومؤسس وقائد حركة أحباء صهيون.
6) مع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897 برئاسة “تيودور هرتزل” وهو ما مثل نهاية المائة عام الأولى منذ وعد نابليون تقرر التالي :
 تعزيز الاستيطان في فلسطين
 تنظيم وتوحيد اليهود في مؤسسات
 تقوية الشعور والضمير القومي
 الحصول على البراءة وموافقة الحكومات لإنشاء دولة يهودية, وتبع ذلك إنشاء الصندوق القومي اليهودي لشراء الأراضي ثم نشاط الجمعيات اليهودية ورؤوس الأموال.

7) في بريطانيا التي انتفضت ضمن وثيقة مؤتمر (“كامبل-بانرمان” 1905-1907) لمواجهة التمدد اليهودي في أوربا الغربية، ولضرورة تقوية العقلية الاستعمارية قررت استعمار الدول العربية وإيجاد البؤرة اليهودية في فلسطين، إذ رأي المؤتمر (أن مصدر الخطر الحقيقي على الدول الاستعمارية، إنما يكمن في المناطق العربية من الدولة العثمانية، لا سيما بعد أن أظهرت شعوبها يقظة سياسية ووعياً قومياً ضد التدخل الأجنبي والهجرة اليهودية والحكم التركي أيضاً….)

8) وقد تلى كل ما سبق المسلسل المعروف من وعد بلفور عام 1917 ثم صك الانتداب على فلسطين وممارسته فيها (1923 – 1948) على مدار ربع قرن أسود.

الصورة: (سير هنري كامبل بنرمان رئيس وزراء بريطانيا (1905-1908)
السياسة البريطانية الاستعمارية
بلا شك أن السياسة الاستعمارية البريطانية كان لها اليد الطولى في إنشاء الكيان الاسرائيلي على أنقاض الشعب الفلسطيني وفي أرض فلسطين ضمن السياسة الاستعمارية المنهجية التي أعطت الأولية للمصالح الغربية في ضوء الهيمنة الانجليزية (وهنا لا نعفي الفرنسية التي وقعت على اتفاقية سايكس بيكو) والسيطرة التي طالت قارات العالم جميعها، ومن هذه النظرة العنصرية يمكننا أن نجمل سياساتها حين احتلالها لفلسطين وحين تطبيقها لهذه السياسة منذ العام 1919 بالتالي:
1) تشجيع الهجرة اليهودية بكل السبل والوسائل بعد أن أغلقت أوربا وأمريكا في وجه اليهود، وقد نجحت هذه السياسة اذ استطاعت في الفترة ما بين (1922 – 1946) من إدخال نصف مليون يهودي ليتحول عددهم من عشرة بالمائة إلى ثلث السكان (من84 ألفا إلى 608 ألفا) وتحت سيطرتهم 300 مستعمرة.
2) توظيف الضباط والعسكريين والإداريين في مؤسسات (الانتداب) لا سيما وأن اليهودي (هربرت صموئيل) كان المندوب السامي الذي منح كل الافضلية والامتيازات لهم فشكل في حقيقة الأمر طاقم الإدارة والقادة القادمين للدولة العبرية.
3) ايجاد قيادة سياسية صهيونية وإبرازها ودعمها بل وتقديم الدعم العسكري للقوات شبه العسكرية ما جعلها ولأسباب أخرى جاهزة لحرب سلب فلسطين(شكل الجيش الصهيوني المستعد والمدرب والذي يعرف جغرافيا البلد وسبق مشاركة أعداد منه في الحرب الأوربية (العالمية) الثانية 3 أضعاف الجيوش العربية مجتمعة في حرب 1948 -1949) حيث كانوا 106 ألف مقاتل مقابل 67 ألف عربي مقاتل).
4) طرد الفلسطينيين العرب أو التضييق عليهم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وتعليميا ودفعهم للهجرة.
5) خلق اضطربات لدفعهم للهجرة ، وقمع جميع الانتفاضات والهبات والثورات الفلسطينية الباسلة التي لم تتوقف للحظة ضد المهاجرين والاستيطان وضد الاحتلال الانجليزي.
6) تهيئة الأجواء والإمكانيات لتسليم اليهود المدن والقرى والموانئ والمطارات ومعسكرات الجيش والمؤسسات وهو ما حصل بجلاء مع الانسحاب البريطاني من فلسطين.
أما لماذا كل هذا فإن لم يكن لتفتيت الأمة العربية و(الحضارة العربية الإسلامية بالإسهامات المسيحية الشرقية) فلماذا يكون ؟ وإن لم يكن للسيطرة على الثروات والحقول والعقول فماذا يكون؟ وإن لم يكن لتأصيل نظرية التخلص من “المسألة اليهودية” في أوربا والتحلل من سنوات اضطهادهم الطويلة وفي ذات الوقت وضع كيان استعماري ومرتبط كليا بهم فماذا يكون؟.
ولربما نرى بوضوح أيضا وجود سبب آخر ذو طابع ديني توراتي لدى الكثير من منظري المسيحية الغربية خاصة البروتستانتية التي تؤمن بخرافات التوراة وأرض الميعاد والمسيح (الاسرائيلي) الموعود.

النكبة والتطهير العرقي
إن الكارثة التي حلت بفلسطين وعبر نكبة عام 1948 قد نقرأها من زاوية الفشل العربي أو التقصير الشديد، ويربطها البعض بالتآمر، وقد نقرأها من زاوية المخطط الغربي-الصهيوني مسبق الإعداد والاستعداد وتهيئة المناخ للاستيلاء على فلسطين.
إن مشاركة عدة جيوش من الدول العربية والمتطوعين من الأحزاب أوالهيئات المختلفة دلّل على حيوية القضية، وبطولة المشاركين في هذه الحرب من معظم الشعوب والدول العربية، ما نحسب من ماتوا منهم وأمواتنا شهداء بإذن الله تعالى.
ولكن يمكننا أن نطلع على عجالة فقط على شهادة لمناضل عربي ليبي هو محمد حسن عريبي حول القصور العربي وهو الذي يكتب في كتابة (الفدائيون العرب في حرب 1948) ص171 قائلا بألم (قضينا أياما في دمشق الأبية العربية ، حصن الأحرار وملاذ الثوار وملجأ الليبيين الذين قاتلوا الطليان ، ومن دمشق عدنا إلى عمان فإلى نابلس ، وهنالك شاهدنا الجيش العراقي العظيم ، وكم تمنيت لو كنت قائدا لهذا الجيش ، أحارب الصهاينة به وحده ، وبسلاحه هذا ، ومدافعه هذه التي نراها ومدرعاته ، إذن لجعلت دولة “إسرائيل” تذكر في الأساطير قبل شهرين اثنين.
ومر بنا أحد الضباط على وحدة من وحدات الدفاع ، وأشار إلى مستعمرة صهيونية راقدة على البحر واسمها ناتانيا ، لا تبعد عن مواقع الجيش العراقي سوى عشرة أميال ، وقال : في استطاعة الجيش العراقي أن يحتلها في ليلة … وباحتلالها تصل البحر ونفصم “إسرائيل” إلى قسمين . وبذلك نشتت قواها ونحطمها في مدى أيام ….
وقلت : ما يمنعكم من تنفيذ خطة ناجحة مثل هذه ؟
فأجاب بلهجة تقطر غيظا : أعطني سياسة وطنية أعطك فلسطين عربية … لماذا لا نتحرر من ضغط الغرب واحتكاره ، إنه سلبنا الحرية . وها هو أخيرا يسلبنا حتى شرفنا العسكري … لماذا لا نتحرر يا ناس؟
قلت في نفسي : ما له ثائر على هذا النحو؟
وكأنه أدرك ما يجول في خاطري .. فاستطرد يقول : و الله ما أنا شيوعي : ولكن يجب أن نضرب العدو المستعمر بأي سلاح.)
ولسنا في هذا المبحث في مجال تقييم الأداء العربي العاجز آنذاك لدول في طور التشكل وجيوش ضعيفة ومتطوعين خاضوا البطولات، ولكن هيهات، لسنا في مجال التقييم بقدر ما نستعرض فيه الحقائق على الأرض والتي كرسها الاستعماريون الغربيون مع الصهاينة حتى وصلنا لنهاية المشروع القديم بالنكبة.

إن ابلغ استعراض للكارثة التي حلت بالفلسطينيين عام 1948 وما تلاها من سنوات نجدها واضحة في كتاب المؤرخ الاسرائيلي التقدمي (ايلان بابيه) الموسوم (التطهير العرقي في فلسطين) الذي يتناول بالتفصيل سرقة ارض فلسطين وطرد الفلسطيني بشكل منهجي وكلي وما رافق قيام “اسرائيل” من عزل للفلسطينيين في معازل (غيتوات) وانتهاك حرمة الأماكن المقدسة والاعتداءات الجسدية وصولا الى تكريس ما يسميه “بابيه” (محو الذاكرة) بطمس المعالم العربية بل واختلاق الروايات التي تنكر وجودها.
وللإجابة عن السؤال الكبير الذي طالما حيّر الكثير من الفلسطينيين والعرب حول كيفية تمكن الأقلية اليهودية في فلسطين عام 1948 من هزيمة الأغلبية العربية الفلسطينية فإن (إيلان بابيه) في كتابه يجيب بعرض عدد من الأساليب والتكتيكات الصهيونية الناجحة كالتالي :
[أولا : إعداد ملفات استخبارية عن عدد كبير من القرى الفلسطينية . يخبرنا “بابه” أنه مع نهاية الثلاثينيات كان إعداد الأرشيف قد اكتمل . وقد تضمن ملف كل قرية تفصيلات دقيقة عن موقعها الطوبوغرافي ، وطرق الوصول إليها ونوعية أراضيها وينابيع المياه ومصادر الدخل الرئيسية وتركيبتها الاجتماعية – الاقتصادية والانتماءات الدينية للسكان وأسماء المخاتير والعلاقات بالقرى الأخرى وأعمار الرجال (من سن 16-50) ومعلومات كثيرة أخرى (ص 19) وتوجد اليوم ملفات مشابهة تحمل النمط نفسه من المعلومات عن جميع القرى في الضفة الغربية وقطاع غزة ، ويضيف بابه أن آخر تحديث لملفات القرى قد جرى سنة 1947 وكان التركيز فيه على إعداد قوائم بالأشخاص “المطلوبين” في كل قرية . وقد استخدمت القوات اليهودية هذه القوائم في سنة 1948 في عمليات تفتيش واعتقال كانت تتم أثناء احتلال قرية ما، وكان الأمر يتم على النحو التالي : يوقف رجال القرية في صف ، ومن ترد أسماؤهم في القائمة يتم التعرف عليهم في معظم الاحيان من جانب الاشخاص الذين وشوا بهم لكن هذه المرة تكون رؤؤس الواشين مغطاة بكيس القماش فيه فتحتان عند العينين فقط ، كي لا تعرف هويتهم وكان الرجال الذين يتم فرزهم يقتلون على الفور (ص21) واستخدم الأسلوب نفسه خلال الاجتياح الاسرائيلي للبنان سنة 1982 واحتلال جنوبه ، لتحديد من سيتم توقيفه في معتقل “أنصار” وسجن “الخيام” اللذان أقامتهما “إسرائيل” وتواصل استخدامه في الضفة الغربية وغزة لتحديد أولئك الذين سيكونون ضحايا السياسة الاسرائيلية في “القتل المستهدف”.
ثانيا : إن استخدام العملاء يقود بنا إلى التكتيك الآخر الذي يذكر أيضا بما هو سائد حاليا في الضفة والقطاع من أنشاء شبكة من المخبرين وكان أحد المنخرطين في هذا الجهد ، “موشيه باسترناك” الذي أوضح لاحقا بعد عدة أعوام انه صار لدى “الهاغاناه” في سنة 1943 “شبكة من المخبرين تستحق التسمية” (ص20).
ثالثا : أمر ثالث ثبت أنه كان له أهمية كبرى في سياق “إنشاء منظمة عسكرية فعالة” وهو [التدريب] بمساعدة ضباط بريطانيين متعاطفين وكان أشهرهم “أورد تشارلز وينغيت” الذي بحسب “بابه” “جعل القادة الصهيونيين يدركون بصورة أفضل أن فكرة إقامة دولة يهودية يجب أن تقترن بشكل وثيق بتحضيرات عسكرية وإنشاء جيش أولا وقبل كل شيء من أجل حماية الأعداد المتزايدة من الأراضي والمستعمرات اليهودية في فلسطين […] ولكن أيضا […] لأن الأعمال المسلحة الهجومية من شأنها أن تشكل رادعا فعالا ضد المقاومة المحتملة للفلسطينيين (ص15).

ويستنتج “بابه وتكتب بابيه أيضا” “ومن هنا إلى التفكير في طرد جميع السكان الاصليين بالقوة بات الطريق […] قصيرا جدا (الصفحة نفسها ) ولقد نجح “وينغيت” في ربط قوات “الهاغاناه” بالقوات البريطانية خلال الثورة العربية كي تتعلم على نحو أفضل ماذا يجب أن تتضمن (مهمة تأديبية) ضد قرية عربية (ص16) فعلى سبيل المثال “عرفت قوة يهودية في حزيران / يونيو 1938 أول مرة ماذا يعني احتلال قرية فلسطينية ، إذ هاجمت وحدة تابعة “للهاغاناه” وسرية بريطانية معا قرية على الحدود بين “إسرائيل” ولبنان ، واحتلتها بضع ساعات (الصفحة نفسها).]

نكبة الرواية والأسماء
لم يتوقف العقل الصهيوني المتمثل بالجريمة والكارثة والمتمثل بالفصل العنصري وتواصل الاحتلال ليطال كل التاريخ والرواية والذاكرة التي يحاول (نتنياهو) اليوم واليمين الديني المتطرف أن ينقض -عبر خرافاته وأساطيره التوراتية وأكاذيبه- على الحقائق التي يكرسها العلم والآثار والمسار الحقيقي للتاريخ كلها تلك التي تثبت بالقطع عدم إقرار حبة رمل واحدة لوجود قبيلة بني اسرائيل العربية اليمنية المنقرضة هنا لا كإمارات (مخاليف) ولا كأساطير نشأت عنها كما أثبت الكُتاب الاسرائيليون المنصفون أنفسهم حيث أن لا صلة أصلا بين (يهود) التوراة ويهود فلسطين اليوم، عوضا عن ان الديانة لا تورث قومية والقومية لا تصنع ديانة ، وتعدد الأعراق اليهودية التي تقطن فلسطينينا اليوم لا صلة تاريخية أو دينية بينها إلا الانتماء لديانة واحدة واحتلال بلادنا في السياق الاستعماري الاستيطاني .
وفي إطار محو أو تدمير الذاكرة أيضا لا يتوقف الإعلام الصهيوني والمتآزر معه عن بث الاشاعات والمصطلحات المضللة التي لا ننتهي من مثل تكرار أسماء لا صلة لنا بها ولا تمثل واقعا ولا تاريخا كتكرار مصطلح (أرض إسرائيل) والتي تضم كل فلسطين وهي أرض فلسطين و(يهودا والسامرة) أي الضفة الغربية، ومصطلح قبر النبي يوسف (بفرضية أنه قبر نبي ما هو غير صحيح) وقبة راحيل بدلا من مسجد بلال، و”جبل الهيكل” بدلا من المسجد الأقصى (المسجد الأقصى هو كل ما دار حوله السور في 144 دونما تضم المسجد القبلي ومسجد قبة الصخرة والمسجد المرواني والمباني المغطاة والصحن) وهكذا الكثير مما يتساوق معه البعض العربي.
لقد محى الصهاينة 531 قرية عربية في بلادنا فكيف يوافقون على إحياء ذكراها عبر احتفالات النكبة التي نقيمها ؟ وغيروا الأسماء والشواهد واللافتات فهل يقبلون أن نعيدها للحياة ؟ لا بل وهم يوغلون بنفس العمل في الضفة الغربية التي تخترقها المستوطنات بأسمائها العبرية المسروقة وهي كلها تقريبا (المحوّرة) عن الاسم العربي الكنعاني الأصلي في محاولة تتجسد عبر لافتات الشوارع ومحركات البحث على الشابكة (الانترنت) وعلى تطبيقات الهاتف النقال، وفي موقع (انستغرام) وفي الكتب والخرائط وليس أدعى للذكر من وجود عشرات المنظمات الارهابية التي تسعى لتدمير المسجد الاقصى وإقامة أسطورة ما يسمونه الهيكل الثالث وما كان هنا لا أول ولا ثاني، وغيرها من عصابات المستوطنين الارهابيين في الضفة الفلسطينية، وما سبق ذلك من تغيير لمئات للأسماء والمواقع المختلفة في القدس (وقبلها في فلسطين 1948) التي يتم تهويدها يوميا بلا هوادة وبسبل متعددة.

سياسة الفصل العنصري (الابارتهايد)
عليه وفي إطار السياسة الإسرائيلية المتواصلة ما قبل العام 1948 ، وما بعدها ، وحتى اليوم في الضفة وأرض فلسطين 1948 ظلت هذه السياسة تتمحور حول ثلاثية اغتصاب وسرقة الأرض أولا ثم طرد العرب ، وإحلال المهاجرين اليهود في آلية تمييز عنصري بحيث يمكننا النظر إليها كالتالي :
1. تهجير العرب من فلسطين 1948 بالقوة عبر المذابح أو التضييق المستمر أو النقل ، ورفض عودة أي منهم لوطنهم، وهو مازال يمارس بتقنيات مختلفة في الضفة اليوم
2. محو البيوت والشواهد والآثار والمساجد والمباني القديمة والمقابر..الخ، وإحالة القرى (تلك التي دمرت) إلى أكوام ثم تسويتها بالأرض.
3. محو الأسماء العربية من السجلات في فلسطين 1948 واختلاق أسماء توراتية (هي بالحقيقة عربية) واستبدال كل الأسماء العربية في الوثائق والكتب والخرائط وعلى اليافطات في كل مكان.
4. تشريع سرقة الأرض تحت دعاوى متنوعة لأغراض عسكرية وأمنية، أو كغابات ومتنزهات أو تزوير البيع والشراء .. الخ. (الأرض مازالت حتى اليوم في أراضي ال48 تسرق كما الحال منذ النكبة، وبنفس المعنى تسرق في الضفة)
5. سن قوانين ضد الوجود الفلسطيني وفرض قانون الطوارئ (فرض في “اسرائيل” ضد العرب بعد احتلالهم أرضنا عام 1948 واستمر حتى 1968) وما زالت القوانين في الضفة مشتقة منه الى اليوم.
6. لقد آثر الاسرائيليون اليوم أن يتحللوا من “العمق القومي لليهودية” كما شاء المؤسسون الأوائل وافترضوا أن الغطاء الديني المتطرف المغموس بالقومية هو الحل ما يظهر بعمق في الاتجاه الإسرائيلي نحو اليمين، وما مطالبات (نتنياهو) المستميتة للاعتراف بالدولة (يهودية قومية) إلا تعميقا لعقلية التوراة الخرافية من جهة ذات البعد الديني الذي يُقصي الأغيار ويكرس الأرض لهم، ولرغبة مقيته بتواصل التطهيرالعرقي باحتلال كل بلادنا، وإغلاق الباب نهائيا على حق العودة ما لا يقبله أي طفل عربي أوفلسطيني.

خاتمة :
قال القائد الكبير صلاح خلف (أبو إياد): (بعد اللجوء والتشرد عام 1948 وجدنا أن لا سبيل أمامنا لا كفلسطينيين وإنما كعرب إلا أن نتجه للسلاح ، وكنا نعلم أن هذه الرصاصات التي أطلقناها وحدها لن تدمر “إسرائيل” ولكنها رسالة للأمة تشير إلى مكامن الضعف فيها، وهي إعلان تحرير لإرادة الإنسان الفلسطيني من أي ضعف ، إنها تمرد على أنظمة الخنوع)
وأضاف في خطبة أخرى له (نحن ثوريون وطنيون أكثر من هذه الأنظمة – مشيرا لأنظمة تصف نفسها آنذاك بأنها تقدمية – وليس هناك حق إلهي لأحد منهم)
وأضاف أيضا (كنا نعرف أن هذه العمليات التي يقوم بها الفدائيون لن تحرر فلسطين لوحدها ولكن مجموع قدرات الأمة العربية تستطيع) وقال (إن العمل العسكري من أجل أن نحصد ثمارا سياسية كما قال أخي هاني الحسن وبدمنا نستطيع أن نحرك الجيوش العربية ، ولكننا دوما نكون في المقدمة)

في إقرار ما سبق من احتلال استعماري استيطاني اسرائيلي إحلالي غاشم وجرائم وإثارة رعب وحرق منازل وهدم بيوت … الخ من مسلسل (التطهير العرقي) يقول وزير خارجية “اسرائيل” ورئيس وزرائها الأسبق (موشية شاريت) عن تلك الفترة (لقد كنت شريكا في السلسلة الطويلة من الحوادث التي اختلقناها ، بل وفي العديد من الاشتباكات التي اشعلناها والتي كلفتنا الكثير من الدماء ، بل وفي انتهاكات القوانين من قبل رجالنا والتي كلها أسهمت في إحداث المصائب العظام وحدوث المسار الكلي للأحداث ….).
ورغم كل هذا المسار الكلي الصعب والكارثي لم تنتظر طلائع الثورة والتحرير والعودة كثيرا لتعلن فتح بوابة الصمود والثبات وحرب الشعب طويلة النفس والتحرير منذ العام 1957 حيث نشأت حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح كرد فعل موزون وحقيقي على مخطط الاحتلال الصهيوني لبلادنا، وعلى تخاذل وتراجع من حولنا، فما استطاع الاسرائيلي محو وجودنا رغم كل فعله التدميري حتى اليوم وما استطاع أن يزور الرواية أو أن يمحو الذاكرة كما يجتهد القادة الاسرائيليين صباح مساء لأن الارادة العربية الفلسطينية التي أنجزت بعثها حركة فتح مثلت فجرا حقيقيا أعاد وضع فلسطين على الخارطة السياسية، فبعثت كوامن الفعل والإبداع والثورة لدى الجماهير، وكرست نضالية القضية وفخار هذا الشعب البطل الذي لا ينسى أبدا، وسيستمر في الكفاح حتى يتحقق النصر بإذن الله تعالى.

الحواشي
________________________________________
[1] نشرت الدراسة لأول مرة في العام 2016 من قبل أمانة سر اللجنة المركزية لحركة فتح، وهذه الطبعة الثانية للعام 2018 في مفوضية الاعلام والثقافة والتعبئة الفكرية.
[2] لم يكن بني اسرائيل القبيلة العربية اليمنية المنقرضة المذكورة في التوراة شعبا أبدا بل قبيلة في محيط عدة قبائل عربية أخرى، ولم يكن اليهود كديانة شعبا، فلم ينشأ عبر التاريخ ما يمكن تسميته (الشعب اليهودي) أو (شعب اسرائيل) كما لم يكن هناك قط ما يمكن تسميته (أرض اسرائيل)، واليهود الديانة المقيمين اليوم في بلادنا من أعراق وقوميات عدة غالبها خزري روسي اوربي، ولمن يشاء العودة لكتب الكاتب الاسرائيلي (شلومو ساند) وسابقة (آرثر كوستلر)، ولكتابات المؤرخين العرب الكبار أمثال فاضل الربيعي وفرج الله صالح ديب وأحمد الدبش.
[3] ناحوم غولدمان (1895-1982) أحد زعماء الحركة الصهيونية، والمؤيدين للتعامل مع ألمانيا في مرحلة، ورئيس الهستدروت (اتحاد العمال) بعد قيام الكيان، دعا لإقامة الكونغرس اليهودي العالمي، وتولى رئاسته بين 1953 و 1977 وله كتاب هام تحت عنوان مذكرات ناحوم غولدمان، دعا الحكومة الاسرائيلية الى الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية والشروع في مفاوضات معها. توفي العام 1982 في القدس.
[4] لمراجعة كتاب المعضلة اليهودية (التناقض اليهودي) لناحوم غولدمان ذاته، ومقال جهاد الخازن في الحياة 29/12/2014
[5] أوري ديفس، “اسرائيل” الابارتهايدية وجذورها في الصهيونية السياسية، دار الشروق، عمان، 2015 في ص 22
[6] 21. بيان الحوت (1991). فلسطين (القضية-الشعب-الحضارة): التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى القرن العشرين. دار الاستقلال للدراسات والنشر. بيروت، لبنان. ط1. ص: 297-298.
[7] مازن قمصية (2011). المقاومة الشعبية في فلسطين: تاريخ حافل بالأمل والإنجاز. المؤسسة الفلسطينية لدراسات الديمقراطية (مواطن). رام الله. فلسطين. ص 48، وص 50
[8] دراسة الباحث عزيز العصا في جريدة حق العودة العدد 75
[9] إيلان بابه، مؤرخ إسرائيلي، ومحاضر رفيع المستوى في العلوم السياسية في جامعة حيفا. وهو أيضاً المدير الأكاديمي لمعهد “غفعات حبيبا لدراسات السلام”، ورئيس معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية في حيفا. وقد ألف عدة كتب، أخرى غير ماذكرنا منها: A History of Modern Palestine (تاريخ فلسطين الحديثة)؛ The Modern Middle East (الشرق الأوسط الجديد)؛ The Israel/Palestine Question (قضية إسرائيل/ فلسطين).

[10] موقع (إسرائيل بالعربية) ورسالة نابليون ذو العقل الاستعماري المصلحي إلى ما أسماه (الأمة اليهودية) على الموقع بالرابط التالي http://www.israelinarabic.com/%D9%86%D8%A7%D8%A8%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%A8%D9%88%D9%86%D8%A7%D8%A8%D8%B1%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF-%D9%88%D8%B1%D8%AB%D8%A9-%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86/
[11] دراسة عزيز العصا السابق الإشارة لها.
عن مؤتمر كامبل بانرمان في الموسوعة الحرة ويكيبيديا.[12] [13] رغم ذلك ظهرت نقاشات عدة لدى البريطانيين وأيضا في الحركة الصهيونية حول البدائل لإقامة الدولة اليهودية في سيناء أو ليبيا او كينيا او اوغندا او الارجنتين.
[14] فيدال، دمومينيك (2002). خطيئة إسرائيل الأصلية: المؤرخون الجدد الاسرائيليون يعيدون النّظر في طرد الفلسطينيين. ترجمة: جبور الدويهي. مؤسسة الدراسات الفلسطينية. بيروت، لبنان. ط1. ص: 2-3. وعن دراسة عزيز العصا أيضا
[15] محمد عريبي، صراع الفدائيين، الفدائيون العرب في حرب فلسطين 1948،دار السلام للطباعة، القاهرة، ص171
[16]يقول الباحث صلاح عويس من الجمعية الوطنية لمناهضة الصهيونية على موقع (المناهضة) ( يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يعتبر بمثابة شهادة تفصيلية موثقة وحافلة بالأسماء والأرقام والوقائع يقدمها المؤلف الذي ينتمي إلى المؤرخين الإسرائيليين الجدد حول حقائق التطهير العرقي الذي نفذته العصابات الصهيونية المسلحة قبل النكبة في 1948، حيث يوضح أن التطهير العرقي الذي نفذه الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني جاء في إطار إستراتيجية إسرائيلية متكاملة وتجسيد للنزعة الإيديولوجية الصهيونية التي استهدفت أن تكون فلسطين لليهود حصرا، عبر إخلائها من أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين).
[17]يعرض هذا الموضوع الباحث رجا شحادة في ورقته حول كتاب التطهير العرقي ل”بابه” لمجلة الدراسات الفلسطينية ، المجلد 18 ،العدد 71) صيف 2007 ،(ص 131 )
[18] منذ العام 1870 وبدعم الاستعمار الغربي قام أتباعه بإعادة تسمية الأماكن والمواقع التاريخية في فلسطين بأسماء عبرية ومحو الاسم العربي منها (من دراسة عزيز العصا المشار لها)
[19]أنظر خطابات ضمير الثورة صلاح خلف في شرائط المرئي على موقع (يوتيوب) https://www.youtube.com/watch?v=xrRnDN8JzzM
[20] أنظر عن “موشى شاريت” في الموقع http://www.creativity.ps/nakba/criminal-details.php?id=31
[21] حول حركة فتح والرواد والبدايات والارتباط بالنكبة، وحول الحركة اليوم مئات الكتب وإن كان لنا الإشارة نحيلكم للكتب التي دونت مسيرة الخالد فينا أبوعمار وهي كثيرة جدا ومتنوعة، وتلك عن القادة الكبار أمثال أبوجهاد وأبوالهول وأبوإياد وغيرهم، وكذلك الكتب المتخصصة بالقضية وبالحركة مثل السفر الذي أنجزه اللواء محمود الناطور تحت عنوان (حركة فتح من الانطلاقة إلى الاغتيالات)

منشورات
حركة التحرير الوطني الفلسطيني –فتح
فلسطين 2018

شاهد أيضاً

الصحف اليومية – كإحدى أدوات تنمية التفكير ألابتكاري

علاقتي بالصحيفة علاقة صداقة قوية تعلمت منها الكثير، تعلمت منها قارئاً، وكاتباً. هذه العلاقة دفعتني …

اترك رد