الصحف اليومية – كإحدى أدوات تنمية التفكير ألابتكاري

علاقتي بالصحيفة علاقة صداقة قوية تعلمت منها الكثير، تعلمت منها قارئاً، وكاتباً.

هذه العلاقة دفعتني ودون تخطيط مسبق إلى ملاحظة الأشخاص الذين يقعون تحت نظري لحظة قراءتهم للصحف اليومية، والاستماع إلى تعليقات من أكون بقربهم.

منهم من يعامل الصحيفة باحترام سخيف، فيقرؤون في عمق كما لوكان كل مقطع منها ذا أهمية، وآخرون يتحدثون عنها باستخفاف معلقين: ليس فيها شيء، أنك تضيع وقتك سدى. وآخرون يمسك الواحد منهم قلماً أحمر أو اخضر ومقصاً صغيراً ثم يعلم بقلمه ويقص بمقصه، يأخذ القصاصات إلى الملفات الكبيرة ويلقي الباقي في سلة المهملات.

رأيت من يقرأ الجريدة على إشارات المرور، ومرة صادفت صحفياً يقرأها وهو يقود السيارة، وشاهدت أناسا يقرؤونها بالعكس من الصفحة الأخيرة وكثيراً ما سمعنا أناسا يقولون لبعضهم، أعطني صفحة كذا، وآخر يريد صفحة كذا فتتناثر صفحات الصحيفة على خمسة أو أكثر أو اقل ولكنها تفقد بهذا التناثر اسمها ووظيفتها كصحيفة .

الصحيفة (الورقية أوالالكترونية) هي وسيلة إعلام استثنائية، فيها تلخيص للأحداث التي تدور من حولنا. إنها إحدى الأدوات التي يمكن أن يوظفها الفرد في تنمية قدراته على التفكير ألابتكاري. يتطلب استثمار الصحيفة وتوظيفها في تنمية التفكير ألابتكاري إتباع منهج قراءة مكون من ست خطوات، وهي:

1- فحص معرفتنا. 2- إمعان الفكر. 3- الكتابة كإحدى أدوات تنمية التفكير. 4- محافظة الفرد على ما تعلمه أو كسبه. 5- المثابرة على التعلم. 6- التقرب إلى التفكير ألابتكاري.

1. فحص معرفتنا

تشكل زيادة البيانات والمعلومات في العقل أساس تطوير المعرفة واستخداماتها، وتعتبر الصحيفة مصدراً مهماً ومكثفاً ومتنوعاً للبيانات والمعرفة. علينا أن نعامل محتويات الصحيفة من البيانات والمعلومات على ثلاثة أوجه:

الأول: اكتساب معارف جديدة، لأن الصحيفة فيها يومياً ما هو جديد بالنسبة لقارئيها.

والوجه الثاني: زيادة المعرفة في المجالات التي تتناولها، فإذا أردنا أن نحسن من قدرتنا على التكفير فعلينا زيادة معارفنا في كافة المجالات وليس التركيز على مجال واحد.

أما الوجه الثالث فهو: فحص معرفتنا، لأن فحص سلامة ودقة معرفتنا أمر حيوي لتنمية التفكير، والفحص يأخذ شكلاً آخر وهو قدرتنا على تذكر هذه المعرفة وتوظيفها بالمكان والزمان المناسبين، وفحص المعرفة هام لدرجة كبيرة.

ولنأخذ مثلاً، عند وقوع حدث بعد الساعة الخامسة صباحاً من أي يوم، فإن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمحوسبة إضافة إلى خدمة الرسائل الإخبارية القصيرة على الهواتف النقالة ستتناوله بالتفصيل أو الاختصار.

في اليوم التالي سنقرأ الخبر في الصحيفة اليومية، وعندما يقع نظرنا على العنوان نكون نظرياً قد أشبعنا من تكرار الخبر بوسائل الإعلام المختلفة عندها سيقول البعض: هذا خبر قديم، والبعض الآخر سيقول ليس بالصحيفة شيء جديد. إن هذا السلوك بحاجة إلى فحص وتعديل وإن قراءة الخبر في الصحيفة من جديد ستوفر لنا المزايا التالية:

الأول: زيادة المعرفة بالاطلاع على التفاصيل والثاني: إن أسلوب الكتابة بالصحيفة والمفردات المستخدمة ستزيدنا معرفة بأساليب نقل المعلومات واستخدامها، إضافة الى أن معرفة مفردات جديدة سيزيد مخزوننا من المفردات وكلما زاد مخزوننا من المفردات زادت قدرتنا على التفكير وتطويع اللغة ومفرداتها في التعبير عما نريد.

أما الميزة الثالثة: فهي فحص معرفتنا أي قدرتنا على تذكر ما سبق أن قراناه أو سمعناه، أما الميزة الرابعة: فإن الخبر في الصحيفة يكون ضمن مجموعة أخبار فيها وهذا يعطينا فرصة للمقارنة ونقد مجموع ما نقرأه في الصحيفة وهذا غير متوفر في وسائل الإعلام الأخرى.

يشكل فحص ما نتذكره عقلياً من المعرفة أساساً لاستكماله وتنويعه وسد نواقصه.

2. إمعان الفكر:

ما الذي تريده من الصحيفة؟ أن تخبرك بشيء، ستجد ما تريده في أحد مجالاتها، ثم تلقيها، ولكن إذا طورنا رأينا في الصحيفة من ناقل للخبر إلى احد مصادر تطوير التفكير ستجد أنها ستوفر لنا المزيد من فرص إمعان التفكير.

يظن البعض أن الأشخاص الذين يكفون عن الكلام أو الكتابة أو القيام بأي عمل، أو يصمتون ولا يكونون نياماً هم في حالة من التفكير، قد يكون في هذا صواب، والصحيفة توفر لهم ذلك. على أن إمعان الفكر أكثر ايجابية من ذلك إنه معاودة التفكير في نفس الشيء والاستغراق فيه عدة مرات، والتكرار في إمعان الفكر يفيد في فهم المسألة الواحدة من وجوه متعددة، والأساس أن التكرار يدور حول مسألة واحدة تستحوذ على عقلنا، وفي الصحيفة المسألة الواحدة أمامنا نستطيع أن نقرأها أكثر من مرة وإذا لم تقدر على فهمها اليوم فستكون موجودة غداً، وبعد غد.

3. الكتابة كإحدى أدوات تنمية التفكير

كنت أكتب لفئات محددة من الناس في مجالي التعليم والتدريب، وفي إحدى الجلسات طلب مني أحد الحضور أن اكتب مقالة لمجلة اسمها الإنسان تصدر من باريس ، فارتجفت خوفاً، واعتذرت، وألح، وقال: سأراجعها. في عقلي الكتابة في الصحيفة هي تعريض رأيك لنقد الناس أو كل من يقرأ الجريدة، ثم تطور رأيي إلى أن الكتابة في الصحيفة هي أفضل وأسرع طريقة لتعريف الناس بوجهة نظرك أورأيك فيما يدور حولك. أنها أحد أهم الأساليب التي يمكنك بواسطتها مشاركة الناس برأيك.

الكتابة هي أحد أدوات تنمية المعرفة والتفكير، إنها أسلوب ملكي في تنمية الذات. وللراغبين في تنمية قدراتهم في الكتابة فإن الصحيفة ستوفر لهم ذلك.

يتشارك العشرات من الكتاب والصحفيين والأدباء والمثقفين والمفكرين والاقتصاديين والرياضيين والمصورين ورسامي التشخيص=الكاريكاتير….الخ. في الكتابة في جريدة واحدة، تكون بين يديك، وكل كاتب له أسلوبه في الكتابة، ويستخدم مفردات مختلفة. إذا ركزت انتباهك على الأسلوب والمفردات فإنك سوف تتعلم منهم كيف تكتب، ثم تقدم ما كتبته لمراجعين، ثم تتطور حتى يأتي اليوم الذي تنشر فيه ما كتبت، المطلوب منك التركيز والتعلم من هذا الحشد الكبير من الكتاب في الصحيفة الواحدة.

وأنا أكتب هذه المقالة كانت أمامي صحيفة «الحياة الجديدة» العدد 8018 الصادرة يوم ألاثنين الموافق 1932018 وأحب أن أعطي مثالا عن عدد الكتاب الذين أنجزوا لنا هذا العدد، وإننا لو تعلمنا من كل واحد منهم كلمة فإننا نتعلم الكثير.

على الصفحة الأولى، وفا (ثلاث مرات)، عواصم وكالات (أربع مرات)، رام الله الحياة الجديدة (سبع مرات)، القدس المحتلة (مرتان). هذا يبرهن على ان عدا كبيرا من الصحفيين والكتاب والأدباء والمفكرين يعملون بجد لإخراج الصحيفة بالشكل الذي نعرفه. دعونا نفكر فيما يمكن أن نتعلمه منهم في مجال الكتابة, أما بقية الصفحات فهي على لا تقل وزنا من الأولى.

أما الصور فإنها جهد كبير من مصورين نقلوا لنا بأعينهم ما أحبوا أن يشاركونا به، والدعايات والإعلانات، كلها يمكننا أن نتعلم منها كيف نطور قدرتنا على الكتابة لتطوير وتنمية تفكيرنا.

4. محافظة الفرد على ما تعلمه

يحصد الفلاح غلال أرضه بعد أن يكون قد حرث وبذر وروى، ومن لم يحصد زرعه يكون قد صرف جهداً ومالاً بلا فائدة.

هذا هو قارئ الصحيفة الذي لا يحافظ على ما تعلمه منها تدويناً أو توثيقاً. فنحن نتعلم لننمي تفكيرنا ونحسن حياتنا. إن الذاكرة كما يقول أصحاب الفكاهة هي الموهبة التي تعلمنا النسيان، وإذا تعلمنا من الصحيفة ولم نحفظه على الورق طار ما تعلمناه في دهاليز الذاكرة.

نحن نتعلم مما نقرأه في الصحيفة حتى نوظفه في حياتنا وأفكارنا وإذا لم نوثقه طار ما تعلمنا.

تزودنا الصحيفة أيضا بالأفكار أو تساعدنا على توليد أفكار جديدة. إذا كانت يدك تصافح قلماً وتتكئ على ورقة وأنت تقرأ الجريدة فأنت قد قيدت صيدك الثمين بكتابته، وبدون ذلك سامحنا فالنسيان جزء من موهبة الذاكرة.

تجربة وخبرة

كنا في ريعان الشباب سجناء أمنيين في إحدى الدول العربية، وكنا نشتري صحفها الثلاث، وكنا نوثق بطريقة علمتنا الكثير، وهي طريقة بسيطة، أحضرنا مجموعة من الدفاتر وخصصنا لكل موضوع دفتراً، السياسة_ أوروبا_ أميركا….. الخ، الاقتصاد _ الشعر _ ….. الخ.

وأعددنا على كل صفحة من كل دفتر جدولا به خانة لاسم الموضوع وخانة لكاتبه وتاريخ نشره واسم الصحيفة ورقم الصفحة وملخص شديد عن الموضوع وعندما تعقد جلسات حوار كنا نستعين بالدفتر ثم نختار ما نريد أن نتذكره مما قرأنا ونحضر الصحف المجدولة بالدفتر ونقرأ المواضيع التي نريد.

لم نجز عنق صحيفة، ولم نلون وجهها الجميل بالألوان الفاقعة أو الباهتة، احترمناها فاحترمتنا.

اليوم تصدر الصحف مجلداً سنوياً يكون جميلاً ويمكن الاحتفاظ به فإذا كان دفترك موجوداً فإنك قد حافظت على مرجع لمعرفتك.

إذا كانت العلاقة بين اللغة والتفكير وحدة متداخلة لا تنفصم، فإن الوقائع المكتوبة على الصحف هي مادة الفكر. فالاحتفاظ بالوقائع على الورق يساعدنا على الاحتفاظ بما نتعلمه ويساعدنا على تنمية تفكيرنا.

5. المثابرة على التعلم

قليلون هم الناس الذين لا يطالعون الصحف، وكثيرون-ممن يطالعونها- يمسكون بها كل يوم، وإني عندما أفكر في هذا السلوك من الناس أصفه بأنه نشاط لا يقهر. ولكننا في الإدارة نميز ما بين النشاط والإنتاجية. مثابرة الناس على قراءة الصحيفة ملفت للانتباه، ويكاد يكون ظاهرة.

النشاط يلزمه إعادة التفكير فيما نتعلمه من الصحيفة، وكيف نتعلم؟ وبما أننا نمسكها ونقرأها فإننا أمام مصدر لا ينضب من المعرفة ذات التكلفة المالية التي هي بمتناول الجميع. إذا أدركنا الفوائد الكبيرة التي توفرها لنا الصحيفة في مجال التعلم والمعرفة والتفكير فإن مثابرتنا على قراءتها يومياً ستكون ذا فائدة أكبر، لأننا نحول النشاط إلى الإنتاجية.

المثابرة على التعلم من الصحيفة توفر أكبر فرصة لبناء شخصية مستقلة، تؤثر الحق على الرأي.

6. التقرب إلى التفكير الابتكاري

التفكير المبتكر هو ناتج منهج تفكير. ويطور الفرد منهجه في التفكير من خلال التجربة، على أن القاعدة الأساسية التي يبنى عليها منهج التفكير هي، تطوير القدرة الفردية على الإدراك الواعي، والفكر هو عملية جماعية يصوغها الفرد، تكون فيها الجماعة مرئية أو غير مرئية.

مرئية، كجلسات العصف الذهني، وغير مرئية عندما تطور فكرة من كتاب أو صحيفة، أو تضيف إلى فكرة سمعتها، أو تجمل أفكاراً قرأتها في فكرة واحدة.

إن الإدراك الواعي هو الذي يقود الفرد إلى رؤية الروابط بين الآراء أو بين الوقائع، ويطور قدرته على البحث عن هذه الروابط.

إن اكتساب عادة إيجاد الروابط بين الآراء أو بين الوقائع توصل الفرد إلى عدم رؤية أي شيء دون تصور شيء آخر مقابله أو خلفه أو بجانبه، إن هذه الطريقة هي التي تقود الفرد إلى الدمج بين المعرفة والخيال.

عندما سأل اينشتاين: من الأكثر أهمية المعرفة أم الخيال؟ أجاب الخيال، لأن المعرفة تعبير عن الماضي والحاضر أما الخيال فهو تعبير عن المستقبل.

إذا تعلمنا قراءة الصحيفة على قاعدة الإدراك الواعي باحثين عن الروابط بين الآراء أو بين الوقائع فإننا بذلك نوظف المعرفة لتحسين قدرتنا على التخيل. والتخيل أساس التفكير ألابتكاري.

إذا امتلكنا منهج تفكير مناسبا عند قراءة الصحيفة فإن الكتاب الذين زاد عددهم في صحيفة الحياة الجديدة الصادرة يوم 1932018 عن المائة يوفرون لنا القدرة على اكتساب أفكار جديدة ثم تطويرها أو البناء عليها.

من المهم التذكير أن الرسوم والتشخيص=الكاريكاتير والدعايات والإعلانات توفر لنا هي الأخرى فرصة تعلم حقيقية لتطوير قدرتنا على التقرب إلى التفكير المبتكر.

وأخيراً: تطوير قدرتنا على توظيف الصحف في مجال تنمية المعرفة والتفكير، هو استثمار خلاق منخفض التكلفة، لأداة متوفرة بسيطة، نمسكها أو يمسكها أكثرية الناس. نقضي معها كل يوم جزءا من حياتنا، المطلوب منا تطوير منهج مناسب لاستثمار الصحف وتوظيفها في تنمية معارفنا وقدرتنا على التفكير ألابتكاري.

محمد قاروط ابو رحمه

لجنة التعبئة الفكرية

مفوضية الاعلام والثقافة والتعبئة الفكرية

شاهد أيضاً

النكبة في الوجود والذاكرة

في ذكرى النكبة التي نستحضرها كل عام يفِد إلى الذاكرة مجموعات من الصور وكأنها بحر …

اترك رد