أبو مازن أمام النكبة الثالثة .. الله يستر!!

بقلم: سلطان الحطاب

كانت تلك العبارة آخر ما أتم به لقاء قيادته.. وجاءت تحمل دلالات ما بعدها.. فالرئيس أبو مازن أثبت بالوقائع أنه فوق الابتزاز والضغط ومحاولات النيل من قضية شعبه من خلاله.. لقد استعصى عليهم في مواقفه التي لم تكن جديدة، فمواقف أبو مازن كانت مختبرة في “كامب ديفيد” حين كان السند الحقيقي والمشجع للرئيس عرفات بان يتماسك ويتجلد ويصبر ويرفض المساومة على القدس، حتى حين كان الرئيس الراحل عرفات يخرج ليتصل بالقادة العرب ويريد أن يخص بالاتصال الملك فهد ملك المملكة العربية السعودية كان أبو مازن يصر على رفض الفكرة الإسرائيلية – الأميركية المعروضة بخصوص القدس سواء جرى الاتصال مع بعض القادة العرب أو لم يجر..

أبو مازن الذي دخل المستشفى لإجراء عملية في الأذن ولم يستمع لكلام طبيبه بالنقاهة علمت أنه مداوم في مكتبه صبيحة اليوم التالي أي اليوم الأربعاء 16/5، بعد رحلة مضنية في دول أميركا اللاتينية جاء فيها بحصاد وفير في خدمة النهج الذي آمن فيه وهو يوظف هذا الاتصالات في مزيد من تأييد دول العالم لقضية شعبنا ، وقد رأينا ذلك على شاشات التلفزيون وفي الاستقبالات الهامة التي رحبت به ومنحه شهادة الدكتوراه الفخرية تقديرا لجهوده في إحقاق السلام وفي الكفاح من اجل قضية شعبه العادلة..

لم يهرب أبو مازن من قبول التحديات أو المواجهة ولم يتعوّد الهروب وعلى الذين رطنوا في هذه المسألة أو هرفوا بما لا يعرفوا أن يتوقفوا، فالرئيس العائد من جولته الهامة هاجم الإدارة الأميركية التي يخشى خيالها العديد من المسؤولين العرب. وأدان موقفها المنحاز وهاجم سياسيات الاحتلال وحرض عليها ووصف إقامة السفارة الأميركية في القدس بأنها “بؤرة استيطانية جديدة في القدس”.

وأكد أنها تعني أكثر وهو من قبل كان قد شتم المستوطن الأميركي في إسرائيل وهو برتبة سفير لأميركا في إسرائيل وكشف مواقفه وادانها حين اعتبر ذلك السفير أن ما تقوم به إسرائيل من عدوان واستيطان هو من حقها وأن إسرائيل ليست محتلة وأن الأرض الفلسطينية المحتلة ليست في هذه الصفة..

لا أريد أن أتكلم عن مواقف الرئيس أكثر أو أشرحها أكثر فقد وضعت كتابا كاملا زاد عن أربعمائة صفحة في قراءة هذه الشخصية التاريخية الفذة التي أدرك بعمق طبيعة الحركة الصهيونية ومواقفها وسياساتها وأحيل القارئ العزيز الى كتابي المتوفر تحت عنوان” مجسد الدولة الرئيس محمود عباس”.

يؤمن أبو مازن بالسلام طريقا لحل القضية وبمفاوضات جادة تأخذ حقوق شعبنا الفلسطيني الثابتة وغير القابلة للتصرف بعين الاعتبار وهو يرى أن هذه الطريق وان طالت هي الأصوب والأسلم والموصلة الى الهدف وان غير ذلك أو دونه مزايدة أو مناقصة لن تصل وأن اسرائيل هي التي تحرص على القتل والموت والعنف وجرّ الشعب الفلسطيني الى مجازر يدفع ثمنها دون أن يكون لهذه المعارك توظيف ايجابي يحفظ ثمن هذه الدماء ويصونها، لا يرفض أبو مازن الكفاح المسلح لأنه يريد بذلك حماية اسرائيل ولكنه يرفضه في هذه المرحلة ولأنه يريد حماية شعبه من آلة الحرب الاسرائيلية يرى فيه خيارا تدفع اسرائيل الشعب الفلسطيني اليه لتنقض عليه قتلا واقتلاعا وتبديدا.

نعم اسرائيل تصمم الظروف التي تريد منها أن يغرق الشعب الفلسطيني في مزيد من الدم وهو على هذه الحالة من الانقسام الذي سببته حماس بالانقلاب على الشرعية ومتاجرتها بالقضية، ولعل ما يجري فيه كثير من رغبتها في تصدير أزماتها والاختباء وراء الدماء الغزيرة التي تسفك.

إن الصمود الأسطوري لأهلنا في الداخل على التراب الفلسطيني وخاصة في غزة وخروجهم لمواجهة الاحتلال بصدور عارية هو شكل من أشكال المقاومة الشعبية السلمية التي آمن بها الرئيس أبو مازن ودعا إليها شريطة أن لا توظف قوى فلسطينية لا تؤمن بالمقاومة الشعبية السلمية ولكنها تريد توظيفها مرحليا للهروب من أزماتها وإغراق الجهود السياسية الفلسطينية الناجحة بأسلوب جديد.

يدرك الرئيس أبو مازن أكثر من غيره أن اسرائيل لا تريد السلام، ولا تسعى إليه. وأنها تريد المزيد من العنف والارهاب والقتل وهي تواصل دفع الشعب الفلسطيني لذلك وتراهن على رغبة بعض الاطراف الفلسطينية للمضي في ذلك، وهو في إيمانه بالمقاومة الشعبية السلمية يريد أن لا يعطي الإسرائيليين ذريعة وفرصة مواصلة الاستعداء على شعبنا واظهاره كما لو أنه يمارس العدوان أو يعتدي أو يؤمن بالقتل، ولأن الخيط الأبيض من الاسود حساس في قضية المقاومة فإن الخيار الفلسطيني لا بد لأن ينصرف في هذه المرحلة الى ما يؤمن به الرئيس أبو مازن في اسقاط الذرائع الاسرائيلية وتفويت الفرصة عليها.

الرئيس عباس يعمل على تجنيد الرأي العام العالمي ودوله المختلفة في كل القارات للوقوف الى جانب الشعب الفلسطيني وإدانة الاحتلال بكل الوسائل وقد نجح في ذلك وما زال ينجح وهذا ما يزعج إسرائيل أكثر من أي أسلوب ووسيلة وهو ما يدفعها الى الهروب من إدانة العالم بالقفز الى الأمام ونقل السفارة الاميركية الى القدس وإقامة بؤرة استيطانية هي هذه السفارة وجعل القدس عاصمة لإسرائيل.

أبو مازن يدرك تماما كما أدرك الرئيس عرفات من قبل أن اسرائيل لا تريد السلام وأنها تبتدع كل أشكال الارهاب والخروج عن قرارات الشرعية الدولية لتكرس سياسات احتلالها وفي هذا السياق سأروي قصة شهدتها:

فقد قابلت الرئيس الراحل ياسر عرفات في غزة حين دخلها بعد بدء تطبيق اتفاق “اوسلو” الذي كان تنفيذه يتم على أكثر من مرحلة ، وقد تولت الادارة الأميركية ومبعوثها في ذلك الحين “دينس روس” الزيارات المكوكية وكان المبعوث متصهينا ويشبه المبعوثين الأميركيين في هذه الأيام .. دخلت على الرئيس في مكتبه وكان غاضبا فقد كان دخل عليه منذ دقائق أبو مازن وياسر عبد ربه وقالا له أن لديه موعدا مع المبعوث الأميركي “دينس روس” القادم إلى غزة من معبر “أرتز/ المنطار” وكان قد استشاط غضبا وتحدث بلغة صارمة وبلهجة قاطعة وقال: “مش عاوز أقابله.. مش عاوز.. عاوز أتكلم مع شمعون بيرس. هو أفضل منه..” لفت انتباهي قوله هذا واستمهلته حتى بدأ يهدأ فاستدار باتجاهي بعد أن كان مشغولا بملف بين يديه ثم أخرج من درج مكتبه الذي كان أشبه بدكان صغيرة حبّة من الملبس بالقهوة وكان يحتفظ بحبات منه، وناولني واحدة ثم نادى على الدكتور رمزي خوري مدير مكتبه وقال: هي المية بتاعتي فين” فطلب الدكتور رمزي أن يؤتى له بعبوات ماء بديلة لما قال أنها أخذت من درجه، ونظر إليَ وقال اسأل.. فقلت ألغيت كل أسئلتي يا سيادة الرئيس واريد ان اسأل سؤالاً واحداً بديلاً فقط فأنصت. فقلت: لماذا قلت لا أريد دينس روس. وقلت أريد شمعون بيرس بدله؟؟

كان ما زال يحرك رجليه وراء مكتبه حركة قوية كنت اشعر بها ثم قال: “دول مش عاوزين السلام وشمعون بيرس يمكن الحديث معه أفضل من دينس روس الذي يحمل إلينا أوامر جاهزة” ثم صمت وعاد يقول: اسمع يا حطاب والله لو عينا شمعون بيرس رئيساً لمنظمة التحرير ما أعطته إسرائيل شيئاً لنا، هم لا يريدون السلام، المشكلة ليست في ياسر عرفات او غيره المشكلة فيهم هم لا يريدون السلام!!.

اليوم ازعم أنني وأنا أتذكر تلك الصورة من غضب الرئيس عرفات أن أبو مازن يقولها في ظرف أكثر تعقيداً وابعد عن فرص السلام التي كان يعد بها أوسلو.

وكأني به يقول: لو جاءوا بنتنياهو رئيسا لنا ما أعطت إسرائيل شيئاً إذن عملية السلام لا يمكنها أن تسير على قدم واحدة ترفضها إسرائيل ويتمسك بها الفلسطينيون وحالهم كحال الذي يريد أن يتزوج ابنه الملك وهي لا تعرفه ويقول إنه أنجز خمسين في المائة، فهو يريدها وهذه نسبة 50% وهي لا تريده وهذه 50% النتيجة معروفة!!

يدرك أبو مازن ذلك وان اليمين الإسرائيلي المتطرف بقيادة نتنياهو لا يؤمن بالسلام إطلاقاً وانه يعيد احتلال القدس بأسلوب إجرامي الآن مهدت له الإدارة الأميركية وأقرته ودافعت عنه فما العمل ؟

لم يجانب أبو مازن الصواب أو الخيار الموضوعي وهو يتوجه الى العالم ويطلب نصرته انسانياً وسياسياً وبشكل بدا العالم فيه ينحاز الى العدل والى القضية وهذا ما استفز إسرائيل وأنصارها حيث بدأ العالم يحاصرها وبدأت الإدارة الأميركية معزولة بفعل السياسة الفلسطينية الحكيمة وهذا ما دفع إسرائيل للاستعجال في قطف ثمار تحالفاتها الإرهابية حين جاءت للإدارة الأميركية قيادة رعناء كانت إسرائيلية أكثر من إسرائيل وزجت حتى بإسرائيل في أتون قد لا تحسب حسابه وهذا ما أدركه بعض الإسرائيليين الان !!

المخيب لأبو مازن هو بعض الموقف العربي الرسمي المتواطئ والذي أحسست بضيقه منه في خطابه حين قال (يحلُو عنا ) فقد تبارى بعض هذا النظام العربي في موالاة الولايات المتحدة وإسرائيل ليتماهوا في الموقف الإسرائيلي دون رادع أو وجل فرأينا هذا النظام العربي يهرول ليهنئ إسرائيل بعيد نشوئها واحتلالها قبل سبعين سنة ويشارك بفعاليات معها من خلال فرق رياضية وقبول دعوات واتصالات وستكشف الأيام القادمة من حضر من العرب مهنئاً ومن لم يحضر.

بعد سبعين سنة وكمراقب وباحث ودارس أستطيع القول ان النظام العربي الرسمي ظل ومنذ نشوء القضية الفلسطينية في معظم تكويناته إضافة سلبية للقضية الفلسطينية يستعمل إزائها لغتين واحدة معلنة وأخرى خفية وهو ما كشف عنه الرئيس الراحل لمنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسها احمد الشقيري الذي يحبه الرئيس ابو مازن ويقدر دوره وقد جاء في مذكراته عن النظام العربي انه يتأمر في الخفاء ويؤيد في العلن بقوله “لقد كانوا يتآمرون على قضيتي في الغرف المغلقة ويريدونني ان أصرح بانتصارهم لها “

اذن هذا هو الواقع المرَ المتكشف بعد سبعين سنه نظام عربي أصبح مُطوّعاَ كأداة في يد الولايات المتحدة الاميركية التي تقايضه على استقراره وكراسي حكامه مقابل موالاة اسرائيل وانفاذ خططها في القدس وتصفية القضية الفلسطينية فما العمل؟وكيف لشعبنا المحاصر بالاحتلال والصمت الرسمي العربي واشكال من التامر وقبول الصفقات ومنها صفقة العصر التي يجيز النظام العربي لنفسه ان يهرب من مواجهتها ورد تحدياتها كيف له ان يتصدى وان يفعل.

لقد سقطت ورقة التوت وما كان يجري منذ العام 1948 عشية النكبة وبعد سبعين ىسنة اصبح معلناً بلا خجل أو وجل وبدأت الأصوات المشبوهة والمقيتة والتصريحات المأجورة تخرج لتحمل الغثيان والتآمر على القضية وشعبها ..

لا يمكن لشعبنا امام هذا الخذلان الرسمي العربي وهو يشيع شهداءه بالعشرات وجرحاه بالألاف إلا أن يصبر ويرابط ويعتمد على نفسه وإذا كان الرئيس قد قال عن هؤلاء ممن ينازعونه قراره ويتدخلون في شؤونه “حلوا عنا” فلأنه يراهم يتآمرون عليه ويتحولوا الى اداة للاحتلال للضغط على القرار الفلسطيني منذ بدأت حكومات اسرائيل تأخذ بالنظرية الصهيونية وتفرضها في ان النظام العربي هو من سيجبر الفلسطينين على قبول عروضها و مشروعات الاحتلالية في القدس و غيرها ومنذ أدرك ابو مازن ايضاً ان الحركة الصهيونية التي يخدمها بعض اطراف النظام العربي لا تريد قراراً فلسطينياَ مستقلاَ ولا تريد لشعبنا ان يقوده ابناؤه من الوطنيين وان القضية الفلسطينية لا تعنى لاسرائيل ومن ولاها الانتصار للشعب الفلسطيني وانما لشعار هو “القضية” التي لا دلالات لها حينما يطلب منهم ان يعربوا هذه الجملة (القضية الفلسطينية) وفي هذه الايام السودا من النكبة الثالثة وأمام قيام بؤرة استيطانية سرطانية شديدة الخطورة في القدس هي السفارة الاميركية.

وأمام ما يواجه الرئيس من حصار وتأمر وعنت وإنهاك نقول معه أيضا ” الله يستر” مراهنين على إرادة شعبنا!!

شاهد أيضاً

لله درّك يا أبا مازن

كتب الاستاذ عمر الجندي قطعتْ أمريكا مساعداتها عن الأونروا فقال المتربصون والذين في قلوبهم مرض؛ …

اترك رد