أربعة أيام رئاسية في المستشفى الاستشاري

بقلم : عكرمة ثابت

السبت 19/5/2018 , لم يكن يوما عاديا , السكون والقلق خيما معا داخل مبنى المستشفى الاستشاري في ضاحية الريحان بمدينة رام الله , الطواقم الطبية والإدارية استنفرت مع حرارة ظهر اليوم الثالث من رمضان المبارك .
الرئيس في قسم العناية المتوسطة غرفة 226 وأمنه الشخصي ينتشر بهدوء وانتظام , الحياة داخل المستشفى تسير بشكل طبيعي واعتيادي , الطاقم الطبي المشرف يعمل بمهنية وبضبط نفس عالي , فهم سبق وان اشرفوا على فحص وعلاج سيادته وعلى دراية تامه بوضعه الصحي .

محمود عباس (أبو مازن) , وقبل أن يكون قائدا مؤسسا ورئيسا منتخبا لفلسطين , هو إنسان ومواطن له ما له وعليه ما عليه , يفرح ويحزن , يشكو ويتألم , يخطيء ويصيب , يتعب ويمرض , هو إنسان كبقية الناس وان تميز عنهم بالمنصب والصفة فانه وبلا شك الأكثر عرضه للكد والتعب والإرهاق , فطبيعة المهام الملقاة على عاتقه ثقيلة كثقل الجبال , ويومياته وساعات عمله واهتماماته تفوق بكثير اهتمامات أي إنسان عادي , هو ليس ملك نفسه ووقته, لذلك فمن الطبيعي أن يتعب الرئيس وان يتعرض لوعكات صحية بحكم عمره ,
( أطال الله بعمره ) ولطبيعة عمله المرهق والمتابعات السياسية والأمنية والداخلية الشائكة التي تشغل تفكيره وتسرق سويعات الراحة منه ,
والمرض قدر من الله ( قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا ) .

أثناء مكوثه في العلاج , وحسب ما حدثني به أصدقاء اشرفوا على علاجه ,
كان فخامته صلبا متماسكا مؤمنا بقدره واثقا بما كتب الله له , كان يلاطف الجميع ويمازح الممرضين ويطلب منهم أن يعاملوه كمواطن عادي وان يبتعدوا عن مناداته بسيادة وفخامة الرئيس,ففي غرفته تعامل كأب يحيط به ابناؤه وزوجته وأحفاده , ابتسم للجميع وشكر الجميع على وقفتهم ، وقد مارس عمله الرئاسي بكل سلاسة ، استقبل اتصالات دولية وإقليمية وقابل شخصيات قيادية وأمنية وتابع جزءا هاما من بريده اليومي ، طالع الصحف وتابع الأخبار وتمشى طويلا في أروقة القسم الذي تلقى علاجه فيه ، تصرف كانسان مواطن وليس كرئيس .

لأربعة أيام متتالية ، كان الحضور داخل المستشفى مشغوفا بالتعرف أكثر على شخصية هذا القائد الذي تحدى العالم بلاءاته ووقف شامخا على المنصات الدولية يدافع ببسالة عن قضية شعبه ويطالب بعناد بحقوقه الوطنية ألمشروعه والمكفولة دوليا ، الكثيرون منهم انبهروا من إنسانية رئيسهم ورفعوا اكفهم داعين له بالشفاء العاجل .

أما خارج المستشفى ، فقد انشد الجميع داخل الوطن وخارجه وفي المخيمات وفي كل الدول لحالة الرئيس وسادت أجواء القلق على صحته ، ومع كثرة الإشاعات والتكهنات والتحليلات زاد الاهتمام أكثر وأكثر وانفردت وسائل إعلامية عديدة في متابعة الوضع الصحي للرئيس محمود عباس ( أبو مازن ) ، ومنها من هول وبالغ وافترى وجحد !!!!

كل ذلك كان متوقعا ، فالمستهدف هنا ليس شخصا عاديا ، انه الزعيم الدبلوماسي الذي تصدر حديث المرحلة ، انه المؤثر الرئيسي فيها وهو راس الهرم السياسي الفلسطيني في ظرف حالك وصعب تمر به القضية الفلسطينية ، اقدر عاليا واستوعب هذا الاهتمام الكبير والمتابعة الحثيثة والشغف المتواصل لمعرفة الوضع الصحي لحارس الحلم الوطني ” أيوب فلسطين ” .

لكن ما لم أتوقعه ، هو تلك التصريحات البلهاء والكتابات الجوفاء التي بدأت تخرج من أفواه رائحتها كريهة … من أفواه ناقمة حاقدة حتى على نفسها ، للأسف لم يدرك هؤلاء المرتزقة أن المرض قدر قد يصيب أي إنسان ، ولم تعلم هذه القلة المأجورة أن الشماتة مصيرها مظلم وان الشامت لا يفرح بمصيبة غيره إلا من لؤم طبعه ، الشماتة بالمرض أو الموت أيها الصغار هي من أخلاق أهل النفاق قال تعالى ” إن تمسسكم حسنة تسؤهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا أن الله بما تعملون محيط ” صدق الله العظيم .
والحديث يقول (لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك ) .

إننا في حركة فتح وفي معظم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية ، لم نتعود على الشماتة بالمرض ولم اسمع يوما عن أي وطني فلسطيني تمنى الموت أو المرض لمناضل ووطني من أبناء شعبه وقضيتة ودينه ، فما بال أصحاب الفكرالتخويني والتكفيري والتامري , ينفثون سموم الحقد والكراهية ؟! ما بال أولئك الذين تلطخت ايديهم بدماء الابرياء ومارسوا القتل وبتر الاعضاء لابناء ملتهم ، يتمنون الموت للشرفاء والمناضلين ؟! وما حال هؤلاء الذين تعودنا أن نجدهم دائما في صفوف التخاذل والعداء ؟! ما حالهم وقد انقلبت أكاذيبهم وأحقادهم عليهم ؟! .

لقد لاحظت اثناء متابعتي لردود الافعال ان التهويل بصحة السيد الرئيس يأتي من جهات متآمره على قضيتنا ومشروعنا الوطني وتريد سقوطنا بعد ان سقطت في اصغر اختبار اخلاقي ووطني . منذ متى كان العرب والمسلمين يتهامسون بالمرض غير الدعاء بالشفاء . الا اننا ابتلينا بقوم لا يَرَوْن الا الخبث والحقد ولا يعرفون الا أنفسهم. هؤلاء غيروا القواعد ولعبوا في المحرمات وتمادوا في غيهم وحقدهم الاعمى .
الشعب الفلسطيني العظيم ،،،أنجب ابو عمار وأبو مازن ورجولة أبو مازن وعبقريته وحكمته وشجاعته وجرأته وصموده الأسطوري ، جعلت كل أعدائه من جبابرة الأرض ومن المرتزقة والانقلابيين والمتامرين مع الاحتلال يشمتون بمرضه وهذا ليس الا دليل على كم هم مرعوبين من وجوده .

أربعة أيام متتالية , كان فيها الرئيس رغم مرضه شامخا , عفيفا , حكيما , مسامحا لم يلتفت بالمطلق لسخافات هؤلاء المأزومين … أربعة أيام بلياليها مكث الرئيس فيها بعقول وقلوب الوطنيين من أبناء شعبه ومن أحرار العالم .

أربعة أيام رئاسية , مارس فيها الرئيس طقوس حياتة الاعتيادية بعيدا عن ضجيج الإعلام الاصفر وتصريحات الانقلابيين الهوجاء .. بعيدا عن مؤامرات الهاربين ودسائس المتخاذلين, أربعة أيام كان ولازال بها الرئيس أيوب فلسطين الثابت على الثوابت .

أربعة أيام بدا فيها الرئيس (أبو مازن) خبيرا بمعالجة حالة التهويل واللغط حول وضعه الصحي فلم يخرج بكلمة إلى أبناء شعبه رغم انه قادر على ذلك , واكتفى بالاهتمام بمتابعة الأخبار ومطالعة الصحف وقراءة القران الكريم , واصدر توجيهاته لوزير خارجيته بملاحقة إسرائيل وجيشها أمام محكمة الجنايات الدولية , الأمر الذي استفز خصومه السياسيين وفي مقدمتهم حكومة اليمين الإسرائيلية المتطرفة.
انتهى

شاهد أيضاً

ما الفرق بين السلطة الوطنية وسلطة الأمر الواقع؟؟؟؟

للحقيقة…..تساؤلات فقط؟! بقلم: طلعت الصفدي عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني السلطة الوطنية *لا زالت …

اترك رد