الجبل الرئيس

بقلم: مراد السوداني- رئيس اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين

في الخروج الأخير من قيامة 1948.. والتشرّد المرّ، حدَّق في الزمان والمكان بوجع لافح ، حشود من شعبه تعبر مذخَّرة بناقع الرحلة وأهوال الطريق تلفحها الشمس بسياط لاهبة فتمضي إلى حيث لا أين؟ كان الخروج من صفد الإرث والذاكرة والطفولة المنهوبة وشماً على روحه الهتّافة بغد يليق بالبلاد وأهلها.. ومن صفد إلى لبنان إلى دمشق الشام إلى مغتربات ومنافٍ وهجاجٍ غير رحيم ترك في نفس الفتى إيلام الرحلة ومرارات الاقتلاع.
انحاز للوعي والدراسة مبكراً ملجأ ومعادلاً موضوعياً للحرمان والفقد والعذابات وشظف العيش، صوته كان المرجح لانطلاقة الثورة المعاصرة وهو الوادع كيمام الجبل، الهادئ كجمرة في موقدة الوعي .
ويبدو أن أعداءه لم ولن يغفروا له ذلك، وقد فتح ترجيحه الوازن على نقيضه نوافذ المواجهة والمنازلة في غير فضاء وساح عبر ثورة رجت الأقاصي.
تعمّق في تفكيك رواية النقيض الاحتلالي، وتوغّل فيها بحثاً ودَرْساً واعتمد التدوين سياقاً لحراسة الذاكرة من النسيان والخلخلة، إذ نأى عن المشافهة والشفاهيين، وهذه واحدة من أعلى فضائله، فقد دوَّنَ للأجيال القادمة رواية البلاد، وحكاية تُوثِّقْ ناغرية الحزن وسياقات الثورة ومحطات فارقة عاشها ورفاقه وعايشها .. فوثق بحق وصدق تفاصيل ويوميات شعبنا وهو يصوغ كتاب البلاد على اتساع فدائه وعطائه وعناده المكين .
في يده قلم السرد، وهو السارد الأتم للرحلة من أول المداد إلى آخر العناد.. ومن جمرة الشَّرْد إلى لفحة البرد .. ومن مبتدأ الندى إلى نهاية المدى .. فكان مُحَسّداً لتوثيقه ومدونته الراسخة والأصيلة.
وظل مواصلاً طريقه الصعب، ممسكاً بقلمه شراعاً على الرغم من الرياح الملغومة والمسمومة، وعصف الأمواج الهادرة.. مداده ساخن سخونة دماء الشهداء وهو الحبر الأسمى والأجل نحو فلسطين وقوس انتصارها.
في صوته هدوء الموج العذب، وفي ابتسامته الصادحة أمل الصغار على سواتر النار، وفي خطوته الواثقة اتساع البلاد مهما تواترت على جسدها الشهم نصال الغدر والغادرين والعابرين الغزاة.
له صمت بليغ، صمت العارف ودراية الحكيم, وفي لغته تحتشد سباع برّ مكتومة وصهيل خيلٍ رمَّاحَة.
عميق كبئر قديمة، واضح حدّ الجرح .. صادق كزيتونة رومية أصلها ثابت وفرعها في السماء.. لا يرتجّ أمام الأهوال الداهمة، ولا ينكسر كلما عصفت به الرياح اللوافح.. فنُّهُ الأنقى والأبقى التماسك.. يذهب إلى نفسه عميقاً منصتاً لنداءاته الجوانية ولغة القلب .. والقلب سرُّ النقاء والتجلّي والصدق الأجلّ.
والصدق على أشدّه، يعتمد القلب قنطرة للعبور إلى مسالك الوعي ليحسم قراراته، “ما كَذَبَ الفؤادُ ما رأى”.
قليل الانفعال، مصغٍ جيد، بليغ باقتدار، سلامة لغته تنبيك عن سلامة جوانيته وروحانية الثبات. التماسك جوهرته الألمع ، عصا سحره.
إذا غضب زمَّ شفتيه وأغمض عينه اليمنى محتشداً بإيقاع الغابات المستوحشة وفوران براكين الحسم الأكيد، في تجهّمه نَقْعُ السماء الملبَّدة بالرعد، وفي ابتسامته براءة العافية وبلاغة الفرح على فم الفتية الصغار.
يحيا للبلاد وللبلاد ينحاز مقدِّماً إياها على الكثير من المغريات، يعبر الثمانين بعناد الماء، ويعرف متى يسيل دفّاقا ثرّاً زلالاً طيبا، ومتى يصير ثلجاً كاوياً، كرٌّ وفرٌّ بين السيولة والصلابة في روح المعاند الفذّ والجسور الأمين.
يعبر الثمانين بكامل لياقة العدّاء في زمن مالح، يحلّق كاشفاً ما تحت سمائه من خبايا متوارية موقناً بالنصر المبين لشعبه الذي يجترح الشهادة رياضة يومية صُعُداً نحو مرقى البهاء والحضور. يعبر الثمانين حاملاً بلاده أيقونة مقدسة معرِّفا بها أربعة رياح الأرض.. نحن هنا.. بالضبط هنا.. على الأرضِ السماء “جغرافيا السحر الإلهي” و “أرض الغزالة والأرجوان” كما قال الغاوي الفلسطيني.
ويكرر في كل مرة: هنا: صامدون .. ثابتون .. باقون ما بقي الليل والنهار، لا خروج ولا اقتلاع، نكتب الحكاية باكتمال نشيدها ولا نترك للنقيض فرصة لاستلاب وعينا وذاكرتنا.. إرثنا هو النووي الفلسطيني الذي نواجه به الطوطم النووي للنقيض الاحتلالي، هكذا يصرخ بصمته. يرفع لاءاته التي زادت على الثلاثين في وجه إسبارطة الجديدة، أمريكا وأخواتها.. “لا” كبرى بامتداد البلاد واشتدادها، ويحتمل “غمّة البرمكيين” عربا ومستعربين، خصوماً ونقائض وأعداء.. ويهتف: يا بلادي .. يا بلادي.
وارثاً راية أسلافه من الشقيري إلى ياسر عرفات وما بينهما وقبلهما من رايات العز والمواجهة والفعل المجيد ولا تسقط الراية، فجوهرها الأنقى القدس الثابت الباقي ومَتْنها التضحيات الوسيعة وهوامشها عذابات شعبنا في الوطن والشتات.
فالقدس .. القدس.. قال ويقول، ملوِّحاً بقلمه الذي لا يخطُّ غير فلسطين وقدسها العاصمة الأبدية مهما علت مشارطهم واشتراطاتهم الذابحة النابحة.
يعبر الثمانين بلا سأم، لأنه يحمل العناد على أشده، والصبر على أشده بما هو جدير ببلاده وشعبه، يشيح بوجهه عن الخائرين والغادرين، ممسكاً زمام اللحظة، ويوجهها يميناً أو شمالاً بما يليق بالثبات والجسارة. لا يسقط في اللحظة ولا تسقطه اللحظة، يعلو كنجم بعيد ويدنو فيصير أقرب من دمعة أم الشهيد.
تحتاجه البلاد التي منحها الوقت والجهد وظل وفياً لسياقاتها مهما تعاظمت حوله الألغام وأسداف العتمة ورماح المحاصرين، فله العافية والعنفوان والمضاء ، ضرورةً واجبة .
تحتاجه البلاد وهو المفرد بصيغة الجمع .. فلا تتركوا الحصان وحيدا أيها الأهل فقد صمد عندما تبع التابعون البيت الأسود، ورفض القبول عندما عمّ الرضى فاستحق أن يكون سادن الوصايا فلا بيع ولا تفريط.. والبلاد لنا لأننا لها، بها ومعها نكون أو نكون .
محمود عباس: أبو مازن ، سطر الضوء في كتاب العتمة الجاثمة. وارث العناد ..
فطوبى له وهو ينهض بكامل فيوضاته الصادقة وخطاه الواثقة لمنازلة ما بعدها من تداعيات كاوية.
طوبى للخُطى .. طوبى للطريق وطوبى للعابر الأشدّ. أيّوب فلسطين ومُسرِجُ زيتِ مرجلِها الوهاج.

شاهد أيضاً

قرارات “المركزي”…”نكون أو لا نكون”

بقلم: عماد فريج جاءت قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في ختام دورته العادية الثلاثين، …

اترك رد