لماذا يرفض الفلسطينيون صفقة القرن

بقلم: المحامي راجح ابو عصب

نشرت جريدة القدس يوم الثلاثاء الماضي عن موقع “ديبكا” الاخباري العبري اهم نقاط خطة السلام الاميركية المعروفة بصفقة القرن والتي تقول مصادر اعلامية ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب يعتزم الاعلان عنها في منتصف او اواخر شهر حزيران القادم ، وذكر الموقع الاسرائيلي ان الرئيس ترامب ناقش هذه الخطة مع عدد من الزعماء العرب والمسلمين ولكنه لم يناقشها مع الطرف الاساسي في هذه القضية الذي يمتلك مفتاح انجاحها او افشالها وهو الطرف الفلسطيني الذي يمثله الرئيس الشرعي المنتخب محمود عباس لانه يعلم مسبقا ان هذه الخطة مرفوضة اساسا لانها تتجاهل الحقوق الشرعية الفلسطينية الاساسية وتتجاوز الخطوط الحمراء الفلسطينية ايضا .

وقد اعلن الرئيس عباس مسبقا ومنذ ان بدأت الانباء تصدر من العاصمة الاميركية واشنطن من ادارة ترامب عن بعض من بنود هذه الخطة اعلن ابو مازن الرفض الفلسطيني البات لهذه الصفقة التي اسماها وعن حق صفعة القرن وليس صفقة القرن كما يحاول ترامب الترويج لها .

وعند استعراض بنود هذه الصفقة كما نشرها الموقع العبري نجدها تقدم وصفة للقضاء على عملية السلام وليست خطة لتحقيق سلام عادل شامل دائم يتطلع اليه الشعب الفلسطيني وكافة شعوب الارض المحبة للسلام .

وصفقة القرن هذه تتحدث عن اقامة دولة فلسطينية ذات سيادة محدودة على نصف الضفة الغربية وعلى كل قطاع غزة وهذا ما لم يتقبله الفلسطينيون بتاتا ذلك ان موقفهم الثابت والذي اكده ويؤكده الرئيس ابو مازن باستمرار ان الدولة الفلسطينية يجب ان تشمل كافة الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية وذلك ضمن حدود الرابع من حزيران من عام 1967 وذلك وفق قرار مجلس الامن والامم المتحدة وهذا ما تؤيده معظم دول العالم ما عدا قلة قليلة ليس لها اي تأثير باستثناء الولايات المتحدة تحت ادارة ترامب التي تبنت الموقف المتشدد لحكومة نتنياهو بل ان بعض المعلقين الاسرائيليين يعتبرون ادارة ترامب اكثر تشددا من اليمين الاسرائيلي وخاصة السفير الاميركي لدى اسرائيل دافيد فريدمان الذي يقيم في مستوطنة في الضفة الغربية والذي يعتبر الضفة الغربية جزءا من اسرائيل والذي ظهر يوم الثلاثاء الماضي وهو يتسلم صورة للقدس تظهر الهيكل المزعوم مكان مسجد قبة الصخرة الشريف فيما يبدو انه تاييد منه لهدم المسجد واقامة الهيكل مكانه .

ان الفلسطينيين قبلوا بالضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية كدولة فلسطينية والتي تشكل نسبة 28% من ارض فلسطين التاريخية بينما قرار التقسيم اعطاهم 48 % من تلك الارض وجعل القدس مدينة دولية ولذا فلن يقبلوا ابدا بالتنازل عن اية ارض في حدود دولتهم التي يريدون اقامتها الا في نطاق تبادل اراضي محددة كما اعلن الرئيس عباس ولكن هذا التبادل في اراضي يجب ان يكون في نفس قيمة الاراضي المتبادلة وبالذات المساحة .

ان الدولة الفلسطينية المحدودة كما تتحدث عنها صفقة القرن غير قابلة للحياة ولن تكون متواصلة جغرافيا وستعني بقاء المستوطنات والطرق الالتفافية والجدار الفاصل الذي يعزل القدس الشرقية عن محيطها الجغرافي في الضفة الغربية ويعني بقاء الحواجز فهذه ليست دولة قابلة للحياة انما معازل وكانتونات غير متواصلة جغرافيا وتعني ابقاء الوضع الحالي على ما هو عليه الان .

كما تتحدث صفقة القرن وفق موقع ديبكا عن احتفاظ اسرائيل بالمسؤولية الامنية على معظم ارجاء الضفة الغربية وعلى معابر الحدود الدولية وليست هناك دولة في العالم تقبل ان لا تكون لها السيطرة الامنية على ارضها وعلى معابرها الدولية فهذه لن تكون دولة ولا شبه دولة بل ستكون اشبه بمحمية .

لقد اثبتت السلطة الفلسطينية انها قادرة على ضبط الامن في كافة الاماكن التي تقع تحت سيطرتها في منطقة « ا» حيث ينتشر الامن ويعم الامان حيث سيادة القانون .

كما تشير صفقة القرن الى ان الاغوار ستبقى تحت السيادة الاسرائيلية وقد اعلن الرئيس عباس باستمرار رفضه البات باستمرار السيطرة الاسرائيلية على مناطق الاغوار والتي تشكل ما يزيد عن ربع مساحة الضفة الغربية كما ان الاغوار تشكل سلة فلسطين الزراعية حيث تضم اخصب اراضي الضفة كما تحتوي الكثير من مصادر المياه .

لن يتنازل الفلسطينيون عن الاغوار لاهميتها الاستراتيجية ذلك ان حدودها مع المملكة الاردنية الهاشمية تبقى المتنفس الوحيد للدولة الفلسطينية المنتظرة وهي بوابة فلسطين إلى العالم الخارجي كما انها مصدر مهم للسياحة جراء مناخها الدافىء شتاء واحتوائها العديد من الاماكن الاثرية السياحية والمناظر الطبيعية الخلابة هذا عدا ما تحتويه ارضها من كنوز معدنية كثيرة .

فتنازل الفلسطينيين عن الاغوار يعني خنقهم داخل الضفة ومنع تواصلهم مع العالم الخارجي وخسرانهم اخصب اراضيهم وسلتهم الزراعية واكثر من ربع مساحة ارضهم وكذلك خسرانهم مصدرا مهما من السياحة وثرواتهم الزراعية والمعدنية ولا يقبل اي شعب في العالم التنازل عن شبر من ارضه فكيف يتنازل الشعب الفلسطيني عن ربع اراضي دولته .

وتتحدث خطة صفقة القرن ايضا عن ابقاء القدس القديمة تحت السيادة الاسرائيلية باعتبارها جزءا من القدس الاسرائيلية على ان القدس القديمة هي قلب القدس الشرقية وهي جوهرة التاج في المدينة المقدسة حيث تضم المقدسات الاسلامية وفي مقدمتها المسجد الاقصى المبارك اي الحرم القدسي الشريف بكامل مساحاته وساحاته ومسجديه الاقصى وقبة الصخرة المشرفة كما تضم العديد من المساجد والزوايا والتكايا الاسلامية عدا عن العمائر الاسلامية الاثرية كما تقع داخلها كنيسة القيامة اقدس مقدسات المسيحيين ومئات الكنائس الاثرية الاخرى وكذلك عشرات الاديرة .

وتشير الصفقة الى ان ابو ديس هي العاصمة المقترحة للدولة الفلسطينية وان عليهم ان يتخلوا عن القدس عاصمتهم الابدية وهل يقبل اي شعب في الارض ان يتخلى عن عاصمته او عن اي حي او شارع فيها , هل يقبل ترامب وادارته التخلي عن واشنطن عاصمتهم ؟؟ !!

ان ابو ديس هي ضاحية من ضواحي القدس وليست عاصمة انما القدس الشرقية كانت هي العاصمة وستكون مفتوحة امام اتباع جميع الديانات السماوية يؤدون فيها شعائرهم الدينية بحرية وامان وسلام ولن تعود مقسمة كما كان قبل حرب الخامس من حزيران من سنة 1967 .

كما تنص خطة ترامب (صفقة القرن) على الاعتراف بيهودية الدولة العبرية وهذا ما رفضه الرئيس عباس بشدة لان ذلك يعني تهديد مصير اكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني من عرب 48 يعيشون داخل اسرائيل بحيث تكون اسرائيل دولة لليهود فقط . وفي ذات البند تقول الخطة ان ” فلسطين سيادة محدودة كوطن للفلسطينيين “يعني عدم الاعتراف بسيادة الفلسطينيين على ارضهم ودولتهم وان سيادتهم ستكون منقوصة واي دولة في هذا العالم تقبل ان تكون سيادتها في ارضها ودولتها محدودة ؟؟!!

والاغرب من كل ما سبق من بنود تتضمن خطة ترامب التي تتجاهل كافة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني انها ستعلن في الموقع المقرر لها رغم مقاطعة الرئيس عباس والقيادة الفلسطينية لها اي انها ستفرض على الشعب الفلسطيني رغما عنه وستملى عليه املاء فكيف ستنجح , ان ادارة ترامب لن تجد فلسطينيا واحدا يقبل بهذه الخطة ولن تجد قائدا فلسطينيا واحد داخل الوطن ولا خارجه يقبل بها ولن تجد قيادة بديلة عن القيادة الشرعية للشعب الفلسطيني الذي يمثله الرئيس عباس واركان السلطة الفلسطينية كما ان الشعب الفلسطيني لن يتعامل تماما مع هذه الخطة ولا مع اي فلسطيني اياً كان يقبل بها اويتعامل معها وسينبذه ولن يقبل به ممثلا له .

ان الشروط الاساسية لتحقيق سلام عادل وشامل معروفة تماما وهي اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة والمتواصلة جغرافيا والقابلة للحياة التي تنوي السيطرة على مياهها واجوائها واراضيها وامنها وحدودها ومعابرها ومقدساتها وقد استطاع الشعب الفلسطيني ارساء هذه الدولة بنجاح وشهدت له مؤسسات دولية بانه قادر على اقامة دولته وادارتها بنجاح كما ان اكثر من 135 دولة اعترفت بالدولة الفلسطينية .

وسيبقى الشعب الفلسطيني يناضل بالوسائل السلمية حتى اقامة تلك الدولة متمسكا بالقرارات الشرعية الدولية وبصبره الطويل , والله الموفق

المصدر – جريدة القدس

شاهد أيضاً

زياد… أعطى الأرض عمره

بقلم: موفق مطرعاشق الأرض المقدسة، شجرة زيتون فلسطينية اصلها ثابت في الأرض وفرعها ينير السماء …

اترك رد