معركة الاستشاري، وسلامة الرئيس

بقلم: د.مازن صافي

“اذا القدس أدخلتنا المستشفى، سندخل المستشفى من أجل القدس”.، كانت هي الكلمة الأولى التي صرح بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بعد مغادرته من المستشفى الاستشاري بمدينة رام الله، بعد ثمانية أيام من علاجه فيها تحت اشراف طبي فلسطيني، وقد ظهر متمسكا بالاصرار والحلم والأمل والتحدي لتحقيق الدولة الفلسطينية وزوال الاحتلال ورفضا للمشروع الصهيوني وخطة القرن وقرارات ترامب والمؤامرات التصفوية لقضيتنا .

لقد كان المقطع المسجل من المستشفى وبثه في منتصف الليل وتصريح الطبيب حول وضعه الصحي جديدا على شعبنا، وكما انه كان محاطا بولديه طيلة الوقت، ولم يتوقف توافد القيادة اليه، وممارسته لما يتمكن من مهام، ولم يخل الأمر من استقبال لاتصالات من كل العالم، فيما احتشد العشرات خارج المستشفى وداخله وكان هناك ارتياح واضح على مرافقيه مما يعكس استقرار الحالة المرضية للرئيس واستجابته للعلاج تدريجيا، أما خارج المستشفى فكانت هناك معركة اعلامية رأسها في تل أبيت حيث الاعلام العبري الموجه والعدائي وبثه لرسائل اخبارية وتحليلات ومقالات وصلت ذورتها في الليلة الأخيرة حين اعلنت القناة العبرية العاشرة أن الرئيس يلفظ أنفاسه الأخيرة ومن ثم أعلنت وفاته وان هناك تكتيم قيادي على الأمر لحين ترتيب الإجراءات، وظهر أن بعض من الاعلام الفلسطيني قد تأثر وتجاوب مع المحطة العبرية العدائية، فوقع شعبنا في أتون التصريحات السوداء وبقي الاعلام الفلسطيني الرسمي هادئا وثابتا ويسجل له ذلك، كما بدأ واضحا صمود قيادي فلسطيني ورسائل متلفزة تخرج وبعض التصريحات المطمئنة دون الحاجة للتعامل مع ردود الأفعال المتشنجة وهذا أدى لهزيمة الاعلام العبري ومن التحق به دون علم أو رغبة في توتير الأجواء وتسجيل قفزات في الفراغ بهدف إحداث فوضى سريعة التأثير على القرارات وتربك منظومة العمل اليومي الذي كان يسير بنجاح بالرغم من وجود الرئيس في المستشفى.

غادر الرئيس المستشفى بكامل عنفوانه ومخاطبا شعبه وكل من سأل عنه ومتحديا أعداء شعبنا ومروجي الاشاعات والتحريض، قائلاً وبكل ثقة ” أنا بخير، وسأبدأ منذ الغد ممارسة عملي”، وبهذا فقد اعاد الثقة والفرح الى من كانوا لا يتوقفون عن الدعاء والصلاة من أجل سلامته، وبهذا استطاع الرئيس أن يجتاز مرضه وأن ينتصر على الاعلام العبري بكل ما فيه من قوة ومن إمكانيات، وليس غريبا أو خافيا على أحد أنه كان يتابع تفاصيل الحياة الفلسطينية، ويصغي جيدا للقيادة ويقوم شخصيا بالاشراف على تنفيذ أي من الأمور المستجدة والمستعجلة، ولهذا حين خرج تم الاعلان عن اجتماع للجنة المركزية لحركة فتح والاطلاع على نتائج وحيثيات عمل اللجان التي تم تشكيلها قبل دخوله المستشفى، لاقرار قرارات هامة على صعيد العمل السياسي والدولي والداخلي الفلسطيني.

كثيرة هي التفاصيل التي يمكن أن نكتب عنها، والأهم أن الرئيس ابومازن وهو خليفة الشهيد الرمز أبوعمار، قد تحققت فيه صفة الازدهار في الأزمات، ويخرج من أزمة الى أزمة في طريق صعب وأفق دولي يكاد ان يكون مغلق وواقع عربي ضعيف وانقسام فلسطيني داخل وهجوم اسرائيلي ضده شخصيا وضد المشروع الفلسطيني، ويعمل للوصول الى حقوق شعبه الثابتة والعادلة بالرغم من العوسج والشوك والصخر والطحالب والطفيليات والاستيطان والتحريض والتهديد والمتناقضات وكل ما يمكن أن تملأ النفس يأسا واحباطا وضعفا، وبالتالي ليس سهلا أن يكون الانسان قائدا للشعب الفلسطيني في واقع يراد به انهاء الوجود الفلسطيني، وفي ظل منعطفات قاسية وحادة، فلقد استحق من شعبه لقب “ايوب فلسطين” وهو بالفعل عملاق في السياسة وقراءة أبعاد الأمور.

لقد نجا الرئيس أبومازن من محاولة إغتيال في معنوياته، كما نجا شعبنا من محاولة اغتياله في قدرته وثباته وصموده، وكوضوح الشمس كان الهدف الاحتلالي لاغتيال القرار الفلسطيني، ولتمرير خطة القرن التصفوية، وبهذا فلقد كان لخروج الرئيس من المستشفى وقع الصاعقة والصدمة على من إعتقدوا وأوهموا انفسهم أنه قد حان اعلان وفاة القضية الفلسطينية وتفتيت واضعاف القيادة الفلسطينية والنيل من كل مَن أعلنوا ثورة الفرح في كل اماكن تواجدهم وعبر كل الوسائل ابتهاجا بسلامة الرئيس وعودته الى شعبه واسرته وممارسة مهامه.

د.مازن صافي
غزة

شاهد أيضاً

72 General Debate – 20 September

الرئيس عباس وخطاب الصمود والسلام المُرتقب

بقلم: محمد أبوقايدة كاتب ومختص بالشأن السياسي الفلسطيني يحبس العالم بأسره أنفاسه في هذه الأيام، …

اترك رد