القدس.. اقتصاد يشكو وطأة المحتلين

القدس المحتلة- بلال غيث كسواني

المكان: سوق باب الواد بالقدس المحتلة. الزمان: الثانية عشرة ظهرا منتصف اليوم الأربعاء.. عشرات من أفراد “حرس الحدود” الاسرائيلي يوفرون الحماية لزملائهم في بلدية الاحتلال الذين حضروا لتحرير مخالفات للمحال التجارية هناك.

هناك.. سرعان ما تغير المشهد، فأصحاب البسطات الجالسون لبيع مقتنياتهم وأصحاب المتاجر الذين يعرضون بضائعهم على الأرصفة، شرعوا بإغلاق محالهم، فيما شرع أصحاب البسطات والعربات المتحركة بالفرار من المكان.

آخرون تركوا بسطاتهم وبضائعهم وفروا بأنفسهم، أملا في الهروب من المخالفات الباهظة التي تفرضها دائرة الضرائب في بلدية الاحتلال عادة على التجار، وتصل في بعض الاحيان إلى مئات آلاف الشواقل.

بعد وقت قليل دخلت سيارات مخصصة للسير في شوارع القدس القديمة وحملت عددا من البسطات الموجودة، إيذانا بمصادرتها.

وتتعرض مدينة القدس لأخطر حملة تستهدف اقتصادها بشكل مباشر، وذلك ضمن مخطط التهويد والتهجير الذي تسير عليه دولة الاحتلال ويستند على مضاعفة الضرائب على أهل المدينة، وملاحقة التجار، إضافة إلى عزلها عن محيطها من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

ويشير التاجر عوض الهدمي، إلى أن كل التجار تعرضوا لمضايقات من الاحتلال، شملت فرض الضرائب الباهظة والمخالفات اليومية، وحملات التفتيش والاعتقالات المتكررة المذلة، والإغلاقات الممنهجة للمحال الخاصة بهم تحت حجة “الدواعي الأمنية”، ومصادرة الأملاك والبيوت وقطع الكهرباء والماء عنهم.

ويضيف الهدمي ان البلدة القديمة في ساعات المساء تصبح كمدينة أشباح باستثناء شهر رمضان المبارك الذي ينعشها بشكل كبير كل عام ويساعد التجار على الصمود، نظرا للحركة التجارية النشطة التي تشهدها المدينة.

“قوات الاحتلال تقوم بضرب اقتصادنا من خلال استقطاب السائحين الاجانب لمحلاتهم، ومصادرة بضائعنا”. قال أحد التجار في شارع صلاح الدين مفضلا عدم ذكر اسمه.

وتابع: “أكثر ما يؤرق التجار المقدسيين ويثقل كاهلهم، الضرائب والغرامات المالية الباهظة التي تفرضها عليهم بلدية الاحتلال مقابل خدمات محدودة جدا، لا تتعدى 10% فقط، وكذلك تراجع الحركة التجارية ومواصلة الاحتلال تضييق الخناق عليهم ضمن ما يصفونه بالترحيل الصامت، حيث إن مراقبي بلدية الاحتلال يرسمون خطوط صفر على الأرض أمام المتاجر داخل بعض أسواق البلدة القديمة في القدس، وتهديد التجار بعقوبات مالية إذا عرضوا بضاعتهم قبالة دكاكينهم”.

ويؤكد التاجر محمد أبو سنينة، من سكان البلدة القديمة، أن دولة الاحتلال وجهت ضربة قاسية وقوية للاقتصاد المقدسي من خلال الخطوات الظالمة والتعسفية التي تنتهجها منذ سنوات ضد سكان المدينة، فهو ونظراءه التجار لا يقاومون منذ سنوات القوانين والدعاوى القضائية التي ترفعها بلدية الاحتلال ضدهم.

وأضاف: “البلدة القديمة كانت تعج بالمحال التجارية، لكن خطوات الاحتلال القاسية والظالمة ضد التجار أجبرت أكثر من نصفهم على إغلاق كل محالهم وإيقاف تجارتهم”.

في سياق متصل قال المحاضر في جامعة بيت لحم، د. محمود حماد، إن أبرز سياسات الاحتلال الاقتصادية في القدس تقوم على محاربة القطاع السياحي الفلسطيني وتشويه صورة الفلسطيني، وتقديم اغراءات للفلسطينيين للشراء من المحلات التجارية الإسرائيلية، مثل محل يدعى “الكنيون” ومحلات المستوطن رامي ليفي.

وتحدث د. حماد في دراسة له نشرت مؤخرا عن سياسة إغلاق المحلات التجارية والاستيلاء عليها واعتقال اصحابها في القدس، والتضييق على حركة التنقل التجارية داخل القدس، وعدم السماح بإدخال المنتجات الفلسطينية من الضفة الى القدس، وعدم اقرار المشاريع التنموية في القدس، وحرمان البسطات من البيع في القدس، ورفع قيمة فواتير الكهرباء والماء على المقدسيين.

وتحدث د. حماد، عن بناء مجمعات تجارية منافسة للسوق الفلسطينية مثل المجمع الملاصق لأسوار البلدة القديمة، وعن أجرة البيوت والعقارات المرتفعة، ومصادرة وحجز لمقتنيات فلسطينية، مثل الادوات الكهربائية ومصادرة بضائع من التجار وفرض ضرائب باهظة عليهم.

في معظم الأسواق القديمة في القدس لا تكاد تلحظ حركة للبيع، ويحيل أصحاب المحلات ذلك إلى جدار الفصل العنصري الذي منع الفلسطينيين من دخول مدينتهم إلا بتصاريح.

وقد تراجع اقتصاد المدينة المحتلة منذ بداية الاحتلال، ولكن مع الانتفاضة الثانية عام 2000 ازداد التراجع، ثم جاء جدار الفصل ليشكل ضربة قاسية له، فحال بين القدس و150 ألفا يقطنون خارج الجدار، وحرم سكان الضفة الغربية وقطاع غزة من دخولها.

من جانبه، قال كمال عبيدات، رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة القدس، إن هناك كما هائلا من الضرائب المفروضة على التجار وتتجاوز 21 نوع ضريبة، وهو أمر أوصل التجار إلى مرحلة لا يستطيعون فيها الإيفاء بفواتيرهم اليومية، عدا عن وضع الحواجز على مداخل المحال التجارية وبناء أسواق بديلة مجاورة للبلدة القديمة.

وأضاف لـ”وفا”، انه توجد منافسة شديدة على ماركات بأسعار أكثر من النصف، ما يعني أن الحكومة تهدف للتضييق على التاجر المقدسي ودفعه لترك تجارته، كذلك يحارب التجار في مجال السياحة حيث يتم الحديث للسياح أن التجار المقدسيين يجب عدم التعامل معهم والشراء منهم.

وأضاف ان بعض التجار وصل عليهم حجم الضرائب قرابة مليون شيقل، حيث من لديه محل 100 متر سيدفع 100 ألف شيقل سنويا، إضافة للضرائب الأخرى كالدخل والقيمة المضافة وغيرها بهدف دفع التجار لترك تجارتهم.

وناشد عبيدات الدول العربية والإسلامية، السياحة للقدس وزيارتها، لافتا الى أن زيارة السجين لا تعني التطبيع مع السجان. وطالب كل من يستطيع الوصول إلى القدس بأن يزورها ويتسوق منها، ذلك أن الحكومة الإسرائيلية رصدت ملياري شيقل لتهويدها.

وتشير إحصاءات إسرائيلية رسمية إلى أن 75% من المقدسيين فقراء، وأن نسبة البطالة في القدس تصل إلى 25%، ويعيش في القدس الشرقية نحو 320 ألف مقدسي يشكلون 36% من مجمل سكان القدس بشطريها، في المقابل يعيش نحو مئتي ألف مستوطن شرقي القدس.

شاهد أيضاً

فلسطين.. منارة الموسيقى العربية قبل النكبة

عُلا موقدي ضجت فلسطين بالموسيقى منذ العام 1936، من خلال منبر إذاعة “هنا القدس” التي …

اترك رد