هل يمتلك الأردن “ترف” القفز إلى المجهول؟

بقلم: عريب الرنتاوي

لغة غير مسبوقة، تلك التي استخدمها الملك عبد الله الثاني في توصيف الحالة الأردنية، التي تقف على مفترق طرق خطير: إما الخروج من الأزمة أو القفز في المجهول … وحين تكون البلاد أمام واحدٍ من هذين الخيارين، فلا مندوحة من استنهاض الهمم وشحذ العزائم، للخروج من المأزق، فالقفز في المجهول ليس خياراً، ولا يمتلك الأردنيون “ترف” تجريبه أو المقامرة بولوج عتباته.

ولدينا كل ما سيمكنّا من تجاوز الأزمة، إن توفرت لدينا الإرادة والدراية لفعل ذلك، ولا أحسب أنه ينقصنا شيئاً من هذه وتلك … فالأيام الستة التي هزت الأردن، أظهرت أفضل ما لدى شبانه وشاباته، من طاقات ووعي وانضباط وغيره على مستقبل البلاد والعبادة وحرص على صون الأرواح والممتلكات والنظام العام، فكانوا نموذجا حضارياً ملهماً ومدعاة للفخر والاعتزاز.

والدولة الأردنية، أظهرت أنها ليست “لقيطة”، ولا نظامها السياسي “أزعر” و”هجين”، كما شهدنا في دول ضربها طوفان الربيع العربي، قبلنا ببضع سنوات … فالإدارة الناعمة للأزمة، والتعليمات الصارمة لأجهزة إنفاذ القانون، والاستجابة السريعة لنبض الشارع ومطالبه، في حدها الأدنى على أقل تقدير، جميعها عوامل تظافرت لصنع “الاستثناء الثاني” في المنطقة العربية، بعد الاستثناء التونسي الأول.

والأردن، شعباً ونظاماً، من بين دول قليلة في المنطقة، التي يمكنها أن تجمع الأمن والاستقرار، والحرية والديمقراطية، على سطح واحد، دون تناقض حقيقي أو مفتعل … فلا خصومة بين النظام وشعبه، ولا دماء تتسلق جدران المدن والشوارع … صحيح أن لدينا أزمة اقتصادية خانقة، ولكن من قال أنها اقتصادية محضة، وأن حلولها مستحيلة … هي صعبة بلا شك، ومن النوع الذي يستوجب مزيداً من الصبر وشد الأحزمة على البطون، بيد أنها أزمة قابلة للعلاج، إن توفرت الإرادة والإدارة والدراية على حد سواء.

دعونا، ولو لمرة واحدة، نجرب بعضاً من “الحلول السياسية” لأزماتنا الاقتصادية … فلا يقتصر أداؤنا على حث “الأشقاء” وحفزهم لإبداء بعض السخاء حيالنا … فكلما أمعنا في ذلك، كلما ازدادوا تجاهلاً لنا ولنداءاتنا، بل وكلما أمعنوا في إظهار غرائز الشماتة والتشفي … والقصة لم تبدأ بترامب وصفقته وقراره حول القدس، القصة تفاقمت بعد ذلك، وإن كانت جذرها ضاربة في جبال اليمن ووديانه وقفاره، وربما تعود لرفضنا التضحية بمئات الجنود الأردنيين في “حرب ليست حربنا” … إذ يبدو أن “التجربة السودانية” هي وحدها المقياس والمعيار للتضامن العربي الذي يتطلع إليه الأشقاء، والوسيلة الوحيدة للتقرب منهم وتقريبهم منّا.

على أننا نتوفر على خيارات، يتعين تنويعها … ومن بينها تسريع العمل على فتح حدودنا مع سوريا والعراق على اتساعها، وبطاقتها القصوى، بما يقتضيه ذلك من “ضبط” في إيقاع الخطاب السياسي، وما يستوجبه من مبادرات لتذليل العقبات، وفي سوريا على وجه الخصوص، لدينا أدواراً نلعبها، إن نحن قررنا الكف على تجريب المجرب في علاقاتنا مع الأشقاء الأثرياء.

ولدينا على الساحتين الإقليمية والدولية، منافذ وفرص يتعين استنفاذها، من روسيا والصين وحتى تركيا وإيران، المهم أن نجرؤ على ممارسة استقلالنا، وأن نكف عن مراعاة غيرنا بأكثر مما ينبغي … المهم أن نخرج من حالة الرهان والارتهان، فالتحولات التي عصفت في المنطقة، أغلقت صنابير “الأموال السهلة” مرة وإلى الأبد على ما يبدو، حتى أنه بات علينا الاستعداد لمواجهة السيناريو الأسواء، وربما التحضر لاستقبال مئات ألوف الأردنيين العائدين لأسباب، إن لم تكن سياسية، فاقتصادية لا محالة.

وعلينا في الداخل، أن نعيد النظر بصورة جذرية، في أنماط استهلاكنا، الحكومية بشكل خاص، وأن نطلق حرباً على الفساد بالأفعال لا بالأقوال فقط، وان نتخذ من الإجراءات ما يكفي لـ”تصفير” الهدر وإنهاء مظاهر البذخ والتوسع في تقليص ميزانيات انتفخت على نحو غير مسبوق، ومن دون جدوى أو نتيجة.

علينا ترجمة سياسة الاعتماد على الذات بمختلف محاورها، واعتماد نهج تنموي في التعامل مع الأزمة، وعدم استسهال البحث عن إصلاحات مالية وضريبية، أرهقت المواطن، ولم توسع موارد الدولة المحلية … علينا الانخراط في حوار، جاد وجدي، مع المواطنين، لشرح الخيارات وتوضيح البدائل، فلا استعلاء بعد اليوم، ولا قطع أو قطيعة مع الرأي العام.

وعلينا حفز مسار الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، فالأردنيون أظهروا نضجاً وحكمة ومسؤولية، لم يتحل بها كثير من كبار المسؤولين، وبرهنوا أنهم قادرين على انتخاب خيرة الخيرة إلى مجالسهم النيابية وحكوماتهم البرلمانية، شريطة أن يتوفر الإطار القانون المناسب لذلك، وأعني به قانون انتخاب يضمن صحة التمثيل وعدالته وفاعليته … والأحزاب لن تتقوى وتتحول إلى لاعب رئيس، من دون هذا القانون، وعلينا أن نخرج بجرأة من أحجية “الدجاجة والبيضة” فالطريق لبناء أحزاب قوية وفاعلة، وتخطي أحزابنا القائمة لحالة الفشل المزمن التي تصيبها، هي عبر قانون الانتخاب، وليس عبر قانون الأحزاب، وتلكم حكمة يعرفها خبراء الانتخابات والأحزاب على حد سواء.

بعد أحداث أيام الستة الفائتة، بٍتُّ وكثيرون غيري، أكثر تفاؤلاً بالمستقبل، مستقبل الأردنيين والأردنيات، وبعد التقاء القيادة بشعبها في نقطة وسط، أحسب أن كفة الحلول التوافقية سترجح في المستقبل، وأن فرص الخروج من الأزمة، باتت أعلى بكثير من احتمالات “القفز في المجهول” … ولكن الأمر لن يحدث بين ليلة وضحاها، ولن يحدث وحده، من جهد واعٍ، منظم ومسؤول.

شاهد أيضاً

القدس بين الشرعية الدولية والتسوية السياسية

بقلم: د.حنا عيسى – أستاذ القانون الدولي بتاريخ 29/11/1947م اتخذت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة …

اترك رد