قراءة في المشهد الأردني

بقلم: عمر حلمي الغول

المراقبون السياسيون والإعلاميون الفلسطينيون في غالبيتهم العظمى يحرصون على تجنب الإقتراب من تطورات الأوضاع في عدد من الساحات العربية ومنها الوضع في الأردن الشقيق، وإن إقتربوا يحرصوا على عدم الغوص عميقا في قراءة المشهد، وذلك لإعتبارات جيوبوليتكية وأمنية، مع ان غالبية المراقبين في الأردن يتحدثون عن الوضع بشكل جدي، وبعيداً عن أهواء السلطات الرسمية أو المعارضة. طبعا مع القناعة ان الغالبية تحرص على المواءمة بين النقد ووضع اليد على مكامن الخلل، وبين مصلحة الشعب والنظام.

هذا المدخل شئت ان ارسل رسالة من خلاله لكل ذي صلة بمهنة الإعلام، مضمونها ان من مصلحة النظام السياسي في الأردن وفي فلسطين وحيثما كان تسليط الضوء على القضايا المثارة والتطورات الجارية هنا أو هناك بعين النقد البناء، والهادف لوضع الإصبع على الجرح، ورفض منطق التطبيل الساذج لمصلحة هذا أو ذاك من الأنظمة. لإن هكذا سياسة لا تخدم النظام، مطلق نظام في تصويب أخطائه ومثالبه، بل تحمل في ثناياها عملية إغراق لسفينته في شبر ماء.

ولكن قبل ولوج الحالة الأردنية، فإن الضرورة تملي التمييز، وإظهارالفرق بين النقد الهدام، المولد والمنتج لعمليات التخريب والتصيد في الماء العكر، وبين النقد الهادف والبناء، الذي يسعى وراء الإصلاح والتغيير والتطوير بشكل جمعي، ويصب في مصلحة الشعب والنظام إن أمكن، مع إبقاء مصلحة الشعب هنا أو هناك، هي العليا والأساسية دون مداراة او مواربة.

ما جرى من تطورات في الأونة الأخيرة داخل المملكة تمثلت بالمظاهرات الشعبية الحاشدة رفضا للفساد الحكومي، ورفضا لرفع قيمة الضريبة، ورفضا لرفع اسعار الخبز والمحروقات وغيرها من السلع الأساسية، لم يكن وليد الساعة، إنما نتاج تراكم ذاتي وموضوعي. حيث تداخل العاملان الداخلي والخارجي مع بعضهما البعض فولدا الحراك الشعبي، الذي قد يستمر بصور وأشكال مختلفة، رغم إقالة حكومة هاني الملقي، وتولي المسؤولية حكومة عمر الرزاز، ورغم قرار الأمن العام الأردني الداعي لوقف المظاهرات والإحتجاجات الشعبية. لإن تغيير الحكومة، هو اسهل الحلول، ولكنه ليس انجعها وأهمها في عملية الإصلاح. وبالتالي المشهد الأردني قد يشهد إنخفاضا في الحراك الشعبي، لكن منسوب إنخفاضه او صعوده مرتبط بإتخاذ سلسلة من الإجراءات الفورية والمباشرة وبعيدة المدى من قبل الحكومة الجديدة، مع ضرورة عدم المبالغة في قدرة تلك الإجراءات على الحد الكلي من الحراك الشعبي، لإنها (الإجراءات) على تماس مع الوضع القومي والإقليمي والدولي، وليست معزولة عنها. بتعبير آخر الحلول والمعالجات الحكومية جزئية، وليست كاملة، لأن هناك عوامل خارج قدرتها وإرادتها ومسؤولياتها، تتعلق بالبعد الموضوعي.

إذا الوضع الداخلي الأردني غير المستقر والناجم عن اسباب إجتماعية وإقتصادية وسياسية وأمنية عدة، لم يصل إلى ما وصل إليه، إلآ بعدما فقد المواطن الأمن الإجتماعي والإقتصادي، والذي نتج عن الآتي: اولا تراجع مستوى الدخل إلى حد كبير، وإنخفاض مستوى المعيشة، وإزدياد نسبة الفقر، وإضمحلال وتلاشي الطبقة الوسطى؛ ثانيا رفع أسعار المواد الأساسية بشكل غير منهجي منذ بداية العام الحالي 2018، حتى تجاوزت معدلات الغلاء أحيانا نسبة ال100% أو لا تقل عنها وخاصة الخبز والمحروقات؛ ثالثا رفع قيمة ضريبة الدخل بشكل غير مدروس؛ رابعا زيادة مظاهر الفساد الإداري والوظيفي وعلى أكثر من مستوى وصعيد؛ خامسا زيادة نسبة البطالة لإكثر من عامل منها: اللجوء إلى الأردن من دول الجوار العربي، قلة رقعة الأراضي الزراعية، شحة المياة، التراجع النسبي لدور الصناعات المحلية؛ سادسا إنخفاض واضح لمستوى الدعم العربي للأردن الشقيق؛ سابعا تردد وتلكؤ البنك وصندوق النقد الدولي عن منح الأردن القروض الميسرة، فضلا عن ربط اية قروض بشروط صعبة ومعقدة؛ ثامنا تراجع الدور الوظيفي للأردن في الإقليم بعد إنفتاح وتطبيع الدول العربية علاقاتها مع دولة الإستعمار الإسرائيلية؛ تاسعا رفض المملكة الأردنية التدخل الفض في الشؤون الداخلية للدول العربية الأخرى وخاصة في سوريا، والحرص على النأي بالنفس، لا سيما وان تجربتها في الأعوام الماضية كشفت للقيادة عقم وبؤس الرهان على الحروب البينية العربية؛ عاشرا لجوء بعض الدول العربية إلى تصفية حساب تاريخي قديم مع القيادة الهاشمية وبأثر رجعي؛ حادي عشرإنعدام اي افق للتسوية السياسية على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، مع تعاظم الإستعمار وما يولده ذلك من تداعيات على الشارع الأردني، فضلا عما يدور في الأروقة السياسية الإسرائيلية والأميركية حول مستقبل الأردن.

بقراءة جملة العوامل والأسباب انفة الذكر، يلحظ اي مراقب، ان المشكلة الأردنية ليست، مشكلة بسيطة، ولا تنحصر في البعد الأجتماعي والإقتصادي فقط، وهو البعد المتعلق بمسؤوليات الحكومة المباشرة. مع ذلك هذة العوامل على تماس عميق مع العوامل الخارجية، وهي مرتبطة معها بشكل وثيق. وعليه فإن تعاظم دور العوامل الموضوعية أثر بشكل كبير على دور الحكومة، وحد من قدرتها على ضبط إيقاع الشارع الأردني، وفي ذات الوقت، عدم تمكنها من وضع الحلول المناسبة للخروج من الأزمة العميقة. رغم ان بعض المراقبين اشاروا إلى ان معدل الدخل الوطني السنوي يتجاوز ضعفي مجمل النفقات، وحسب تقديراتهم يعود ذلك لوجود فساد متشعب وكبير نجم عنه إهدار المال العام في غير موضعه، وفاقم من تفشي مظاهر الأزمة.

وعليه فإن الأزمة العضوية، التي يعيشها الأردن ليست عادية، ولا يمكن الخروج من تبعاتها بسهولة، أو لمجرد تغيير الحكومة، الأمر الذي يفرض على الملك عبدالله الثاني وحكومته الجديدة البحث في جذور الأزمة، والسعي للخروج منها بأقل الخسائر، مع تدوير زوايا في المسائل الداخلية والخارجية على حد سواء، والبحث عن منافذ واقعية لوقف التدهور الحاصل حرصا على مصلحة النظام، وحماية للدولة الأردنية. ولعل الإجتماع الذي دعى له الملك السعودي سلمان اليوم الأحد في مكة بمشاركة الأردن وكل من دولتي الكويت والإمارات يسهم في التخفيف من حدة الأزمة، إذا تم تقديم مساعدات مالية عاجلة للمملكة.والمستقبل وحده كفيل الإجابة عن أسئلة الأزمة الأردنية.

oalghoul@gmail.com

a.a.alrhman@gmail.com

شاهد أيضاً

اغتيال استعراضي خائب …!!

بقلم: أكرم عطا الله لا أحد يصدق أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يكن …

اترك رد