هذا العيد!

بقلم: موفق مطر

تتقدم الأعياد الدينية عند كل الشعوب والأمم على الأعياد الوطنية، وهي مكون رئيس لثقافاتها، لكن السؤال المطروح هنا هل بإمكاننا تحويل الأعياد الدينية الى أعياد وطنية تتجاوز منطق المجاملة السائد حتى الآن بحيث نرسخ اعتقادا لدى كل مواطني الوطن على تنوع عقائدهم ان العيد لا يخص مؤمنين بعينهم، وانما يخص كل المواطنين باعتبار ايمانهم المعلن والثابت بوحدة الشعب وثقافته الحضارية الانسانية.

قد يكون ناجعا تكريس هذه الأفكار لدى الأجيال القادمة في مجتمعنا الفلسطيني لأننا بنظرة فاحصة للأعياد الوطنية فاننا ما زلنا نفتقر الى المضمون الحقيقي والفعلي للكثير منها، رغم قناعتنا ان العيد الوطني بمفهومه الحالي للتذكير بقضية أو بحادثة، او منعطف او انجاز تاريخي متعلق بمصير ومستقبل اي شعب.

لدينا عيد الاستقلال لكننا ما زلنا تحت الاحتلال ولم ننجزه بعد. لدينا عيد للأرض، فيما باتت كالفريسة في عيون المستوطنين المتوحشين، ينهشونها حية ، باسلوب لامثيل له الا لدى وحوش مفترسة في حياة البرية.

لدينا اعياد رأس السنة الميلادية والهجرية لكن مواليدنا الجدد ما زالوا يحلمون بالاستقرار وهم يطالعون سيرة آبائهم وأجدادهم الحافلة بمسيرات الهجرات ويأملون بيوم ميلاد السلام على أرض وطنهم وعودة ابدية لاهجرة من بعدها.

لدينا عيد للشهداء والأسرى .. كان يفترض أن يصبح ذكرى، لكن ذاكرتنا الجمعية الوطنية لم تتوقف منذ أكثر من مئة عام عن تسجيل اسماء جديدة كل يوم، أطفال وشباب ونساء ورجال.

لدينا عيد للعمال، فيما عمالنا مضطرون للعمل في المستوطنات اليهودية الاسرائيلية – المحسوبة في القانون الدولي جريمة حرب – وذلك لتحصيل لقمة عيش لأطفالهم، ولأننا لم نفكر بجدية، ولم نعمل باخلاص على توفير البديل لهم، ولأن سلطات الاحتلال مازالت تمنعنا من بسط سيادتنا على أرضنا واستغلال ثرواتنا ، فرضينا ورضوا بالخبز المر !!.

لدينا عيد للمرأة فيما حقوقها خاضعة لمفاهيم ومصالح ذكرة سلطوية، وسلوكيات عنف، وسادية يسوغها البعض ويشرعنها باعتبارها ارثا لا بد من تقديسه !!

لدينا عيد للمرأة فيما المتأصل يطيح المستحدث، ويسقطه بالضربة القاضية، كلما تقابلا في جولات على حلبة القانون !! فحق الذكر المضاعف يعلو وبلا نقاش، أما حق الانثى فمهر من ذهب يعود لجيب الذكر بعد لمعانه تحت اضواء الأعراس والأفراح.

لدينا أعياد للمعلم، والطفل، والشجرة، لكن المعلم يكاد يحرق نفسه لتضيء شجرة الوطن المباركة من دون نار، فيما ترانا نتخذ قضبانا من هذه الشجرة لقمع اطفالنا، وسد منافذ الرؤية عندهم، وتجفيف منابع الابداع لديهم.

لدينا اعياد رسمية وغير رسمية ، لا نعرف قيمتها سوى انها (ايام عطلة). وكأن تعطيل منهج حياتنا، وكبح دوران ايامها المتزن هو شغلنا الشاغل، فيما الأصل أنها الفرص الأنسب لاستئصال معطلات الأمل والفرح والتفكير والابداع والنظام في حياتنا ، فرصة لتعطيل شرايين وأوردة الأنانية ونزعها تماما كلما امكننا ذلك ، واستبدالها بشرايين واوردة الروح (الانسانية) الخالصة التي فطر ابن آدم عليها.

نحتاج الى عيد للمحبة والحرية والسلام، نعيشه كل يوم، من شروق الشمس حتى مغربها، في ليله وكذلك في ساعات المنام.. فنحن ان فعلنا سيصبح لأعيادنا الدينية معنى، فلا عيد لميلاد نبي ما لم تفيض قلوبنا بالمحبة والسلام، بلا حدود او قيود، اذ يكفي تطهير قلوبنا من النوايا الفاسدة، ونحب للآخرين ما نحب لنفوسنا، ونضي نبراس الأحاسيس والمشاعر الانسانية حتى لا نتعثر ونحن سائرون في طريق الحرية .. فهذا هو العيد الذي نريده كلنا، وتريده كل نفس ، وتريده كل روح ، كما اراده الأنبياء والرسل والمناضلون الشهداء منهم، والأسرى الذين مازالوا يعتقدون بالانكسار الحتمي لقيود وزنازين المحتل.

شاهد أيضاً

 “من يحكم غزة”

بقلم: كمال الرواغ لقد استطاعت الصواريخ الاسرائيلية، ان تهدم سجن غزة المركزي في ساحة السرايا …

اترك رد