تشوهات الديمقراطية– 3-

بقلم: عمر حلمي الغول

منذ البداية أكدت، كما أكد علماء الإجتماع وفلاسفة عصر النهضة أن النظام البرجوازي أَصل لوجود الديمقراطية، وحرية البيع والشراء لقوة العمل، وسمح بالمزاحمة والمنافسة الحرة في السوق الوطني بين السلع والبضائع المختلفة، وخلق شروطا إجتماعية وإقتصادية وثقافية جديدة، وأوجد ركائز لبناء معالم قوى وعلاقات إنتاج مختلفة تماما عن تلك، التي كانت قائمة في عصر الإقطاع. ولم يكن للنظام البرجوازي ان يحقق الربح وفائض القيمة دون وجود الحرية والديمقراطية. بتعبير أدق الديمقراطية والحرية، هما أداة النظام في تحقيق ذاته.وهما مصلحة برجوازية خالصة، ولم يكن وجودها كرم اخلاق من سادة النظام الجديد، أو حرص على حرية المواطنين من مختلف الفئات والشرائح والطبقات الإجتماعية وخاصة أولئك الفلاحين الأقنان، الخارجين من براثن عبودية وسخرة النظام الإقطاعي المتعفن، انما كانت مصلحة أهل النظام كي يدفعوا قطاعات الفلاحين المسحوقين للهرب من قهر وإستعباد الإقطاع إلى حاضنة قوى الإنتاج الجديدة في المصانع البدائية ومناجم الفحم وغيرها.

ودون إستطراد حول نشوء البرجوازية، وتلازم انبثاقها من رحم النظام الإقطاعي مع الحرية والديمقراطية، فإن الضرورة تملي تسليط الضوء هنا على التشوهات، التي حملتها وتحملها الديمقراطية، وخطر تلك التشوهات على العملية الديمقراطية نفسها. أولا الديمقراطية البرجوازية، هي ديمقراطية وظيفية إستعمالية، لها مهمة واحدة، هي خدمة وتطور النظام البرجوازي، وتامين الربح البدائي ثم الإحتكاري في مرحلة الإمبريالية، وبالتالي بقدر ما شكلت الديمقراطية مساحة من حرية الإختيار للإنسان في بيع قوة العمل، والتنقل والتعبير والتنظيم، بقدر ما كانت أداة إمتصاص فائض قيمة قوة العمل من خلال تحصيل الربح للبرجوازي صاحب المصنع والشركة والمعمل، ومالك قوة العمل؛ ثانيا الديمقراطية في حال تعارضت مع مصالح النظام البرجوازي، لا يتورع سادة النظام عن خنقها، وإخضاعها لشروط وأجندة النظام هنا أو هناك، ومن يعود في كل الأزمان للحروب، التي خاضتها الأنظمة الرأسمالية ضد أعداءها بما في ذلك الأنظمة البرجوازية فيما بينها (الحروب العالمية الأولى 1914/1917 والثانية 1939/1945) وغيرها، كانت كل الأنظمة تلغ الديمقراطية، وتعلي شأن سياسة تكميم الأفواة، وتخضع كل القوى لمشيئتها السياسية والإقتصادية والأمنية؛ ثالثا “ديكتاتورية الأغلبية”، الناتجة عن فوز حزب او قوة أو شخص (إن كانت إنتخابات رئاسية) في الإنتخابات العامة، مما يمنح الفريق الفائز بالأغلبية المطلقة، اي النصف زائد واحد إشتقاق السياسات الملائمة لإجندته الخاصة بغطاء وطني، ويفرضها على القوى الأخرى؛ رابعا الديمقراطية تسمح ينشوء ووجود قوى متناقضة مع مصالح الشعب. لإن حق التنظيم مكفول في القانون، ولا يجوز لإي نظام برجوازي ديمقراطي حرمان أي مجموعة من الأشخاص أو قوة من تشكيل إطارها الحزبي. لا بل ان النظام الديمقراطي الأميركي على سبيل المثال يسمح بتشكيل جيوش من المرتزقة، وميليشيات للإيجار بإسم الحرية والديمقراطية، وهي قوى خطرة وتهدد السلم الأهلي في كل لحظة من اللحظات، التي يمكن ان تخرج فيها الأمور عن سيطرة النظام وأدواته التنفيذية ؛ خامسا قد تدفع الديمقراطية وخاصة شقها الإنتخابي بوصول شخصيات عبثية ومدمرة للنظام والعالم على حد سواء، ومن أمثلة ذلك صعود هتلر النازي في 1933/1945 على سدة الحكم في المانيا، وموسوليني الفاشي 1922/1943 في إيطاليا، وترامب الشعبوي 2017 في الولايات المتحدة، والأمثلة كثيرة في التاريخ؛ سادسا النظام الرأسمالي يستعمل مفاهيم ومقولات الديمقراطية وحقوق الإنسان في حربه ضد الشعوب الفقيرة والمظلومة في العالم الثالث، ويتحدى قوانين ومواثيق ومعاهدات الشرعية الدولية وبإسم “الديمقراطية” لتحقيق مآربه الإقتصادية والسياسية والأمنية؛ سابعا لتشويه الحقائق، وقلبها رأسا على عقب وبإسم الحرية يستخدم النظام البرجوازي آلته ومكانته الإعلاميةلتطويع الرأي العام هنا أو هناك، وبما يخدم مخططات النظام البرجوازي أو أي نظام يتسلح بلعبة الديمقراطية؛ ثامنا لإعادة صياغة المنظومة الفكرية العالمية يقوم النظام الرأسمالي بين الفينة والأخرى وفي محطات تاريخية بعينها من خلال مفكريه وفلاسفته ومنظريه بإنتاج وإعادة إنتاج نظريات تخدم مصالح وأهداف النظام البرجوازي، مثل: “نهاية التاريخ” فوكوياما، “نهاية الفلسفة” و”سقوط الإيديولوجيا” او المابعديات: “ما بعد الحداثة” و”مابعد الليبرالية” أو “النيوليبرالية” و”ما بعد الثورة الصناعية” وحتى ظهرت “الما بعد الصهيونية” .. إلخ من المابعديات، وجميع تلك المقولات والمفاهيم والنظريات هدفت لخلط الأوراق في العالم، وإحداث فوضى فكرية سياسية بهدف إستباحة العالم. فضلا عن انها إنعكاس لحالة التشوه الفكري، التي تعم العالم بعد هزيمة الشيوعية الكلاسيكية وأنظمتها الدولانية مطلع تسعينيات القرن الماضي، وبهدف إدخال العالم إلى المجهول من خلال ولوج المرحلة الهلامية غير القابلة للتخيل، وإبقائه في دوامة اللاستقرار إرتباطا بمصالح ما يسمى “الأنظمة الديمقراطية” او الرأسمالية. مع ان هذا الغموض المسبب، لا يخدم بالمحصلة النهائية تطور المجتمع البشري، ويترك بصمات سوداء على المستقبل المنظور. لإن كل “النهايات” و”المابعديات” أثبتت فشلها وعقم مروجيها مع صعود دونالد ترامب سدة الحكم في الإمبراطورية الأميركية، كونه أعاد العالم وليس أميركا فقط إلى عهود سابقة على صراع القطبين 1945/1989، ووضع حد لنظريات “المابعديات” و”النهايات”.

إذا الديمقراطية بقدر ما تحمل الإيجابيات، بقدر ما تحمل السلبيات، وكما قال دو توكفيل في النصف الأول من القرن التاسع عشر، “أن الديمثرطية تشكل خطرا على نفسها”، وهي بالضرورة أداة هدم لذاتها ومجتمعها. ولكن هل يمكن حماية الديمقراطية من ذاتها الخطرة؟ السؤال برسم علماء الإجتماع ومنظري الرأسمالية وغيرها من المدارس الفكرية المادية والمثالية.

oalghoul@gmail.com

a.a.alrhman@gmail.com

شاهد أيضاً

حماس في الثلاثين من عمرها وحديث الأمنيات

بقلم: مصطفى ابراهيم حماس في مؤتمرها “حماس بعد ثلاثين عاماً.. الواقع والمأمول”، وكأنها مسكونة في …

اترك رد