كتاب: في النقد الذاتي د.خالص جلبي

تقدم لكم لجنة التعبئة الفكرية في حركة فتح، مفوضية الاعلام والثقافة والتعبئة الفكرية، عرضا لكتاب المفكر الدكتور خالص جلبي، بقلم اروى العبادلة، ونضع هنا ملخصا لبعض ما نراه من أفكار هامة وردت في الكتاب كالتالي:

1-كلمة فشل لا يعترف بها الإنسان المسلم لاعتقاده أن فيها حطّا من قدر الإسلام لاختلاط المبدأ بالشخص وبالتالي صعوبة الفصل بين الشخص المحاول وبين المبدأ الذي لا علاقة له بنشاط الفرد.

2- جو التربية الإسلامية يبني الروح النقدية بشكل إشعاع إلى الخارج: أي نقد المجتمع مسموح به وأما نقد الوسط الإسلامي فلا.

3- مكونات وحدة العمل الناجح: التصور النظري + الممارسة + النقد الذاتي أو المراقبة والمراجعة = النتيجة.

4-وعن الخصب الذي يشكله النقد الذاتي يقول ان: فكرة (أ) تتزاوج مع فكرة (ب) يتولد منهما فكرة (ج)، ولكن كما قلنا: إن شروط الزوجية هي أساس الخصب، كذلك تبادل الأفكار واللقاء والبحث؛ فاجتماع عاقلين يتبادلان الآراء ينتج منهما أفكار جديدة كما اجتماع جاهلين هو اجتماع عقيمين، والعقيم من طرف واحد يسبب عدم الإنجاب فكيف إذا كان من الطرفين؟!

5- رفع الصوت يتماشى بشكل طردي مع ضعف الحجة، بل قد يلجأ البعض إلى تخانة الصوت، وذبذبات الحبال الصوتية كتعويض عن عمق الحجة وبرهانها، بل أحيانأ رفع العصا، أو فوهة البارودة، بل وحتى سبطانة المدفع والرأس النووي الموجه، والقنبلة النيوترونية.

6-إن قيادة العقل وتوجيهه بطريقة صحيحة تشمل في أحد قطاعاتها الرئيسية جو المراجعة والنقد الذاتي وفي هذا الصدد أي الروح النقدية تميز ابن خلدون في مقدمته –كمثال- بعدم الاعتماد على مجرد النقل في الأخبار بل لا بد من إعادة النظر فيها وهي قاعدة ذهبية

7-إن النقد بالدرجة الأولى عمل عقلي شاق بعيد عن العاطفة فهو في صلابة وبرودة الحديد، وهو عمل عقلي ممنهج، أي أن طريقة توجيه العقل أول عمله

8-أعطى القرآن الثقة للعلم والعقل، وسحب الثقة من الظن والهوى، بمعنى أن العمل النقدي كما أنه تسلح بالعقل والعلم، يجب أن يتحرر من الهوى والظن.

9-إن اختلاط النقد بمعنى التجريح يستدعي الفصل بين الأمرين من خلال التحري الموضوعي وهذا يعني عمل عقلي جاد، وهدوء، وضبط نفس، والقدوم على أمر ما بغير مقدمات.

10-روح النقد الذاتي يجب أن تتسم بالشمولية لأنها أداة تنظيف للوعي والوجود الواعي ونموه متعلق بيقظة هذه الأداة، ويقظة هذه الأداة متعلق بنقدها الدائم.

11-تسليح عقول الشباب بالفكر القانوني أكثر من أيديهم بالعصى والأسلحة.

12-من مشاكل الفكر وانعكاسها على السلوك “الشخصانية” سواء مع أو ضد، ففي الصورة الأولى مازال روح الزعيم الملهم الذي يصنع المعجزات يسيطر على تفكيرنا فنحن إذن ما بين متأرجحتين.

(انتهى الملخص الميسر-لجنة التعبئة الفكرية في حركة فتح).

كتاب: في النقد الذاتي، د. خالص جلبي

مقدمة

معنى النقد الذاتي: هو إعلان الوعي العقلاني والتعامل مع الأفكار كقيمة ذاتية، أو كوحدات موضوعية انفصلت فيها عن الشخصية، والنقد الذاتي يفرض نقاشًا عقلانيًا صارمًا ودقة علمية فائقة.

نقاط مهمة وردت في مقدمة الكتاب

طرح الفكر الإسلامي نفسه في صورة فكر وحركة، ووضع لنفسه هدف تغيير المجتمع وتولي قيادته للوصول إلى هذا الهدف، قام بتحليل الواقع ونقده ورسم تصورًا جديدًا ثم مارس نشاطًا للوصول إلى هذا الهدف، ومع كل الإخلاص الذي اندفع به العمل عجز عن الوصول إلى هدفه.

السؤال: لماذا؟

هذا السؤال يجعل بين طياته عنوان الكتاب لأنه في سبيله إلى المراجعة وليس إلى التزكية.

فالكثيرون لا يعترفون بالعجز والقلة تقرّ، ولكن ينبني على السؤال الكبير سؤال فرعي جديد:

ما هو سبب العجز أو الفشل؟

فالعمل الإسلامي لا يشذ عن كونه نشاطًا إنسانيًا، وبما أن الكون بما فيه قطاع النشاط الإنساني يقوم على سنن الله التي لا تتبدل أو تتحرف؛ فإن الفشل في الوصول إلى الهدف لا يشكل استثناء في هذا الأمر بمعنى أن الفشل له سببه الذي انطلق منه.

هناك عدة تفسيرات منها:

إما كلمة فشل لا يعترف بها الإنسان المسلم لاعتقاده أن فيها حطّا من قدر الإسلام لاختلاط المبدأ بالشخص وبالتالي صعوبة الفصل بين الشخص المحاول وبين المبدأ الذي لا علاقة له بنشاط الفرد.

أو إرجاع الأمر إلى إرادة الله، فالخطأ الذي يحصل يغطى تمامًا فلا يراجع لأنه طالما عزى إلى إرادة الله سبحانه فلا حاجة إلى المراجعة لأن الأمر لا دخل لنا فيه.

يأتي أيضًا انفصال السبب عن النتيجة.

ومن الأخطاء كذلك أن جو التربية الإسلامية يبني الروح النقدية بشكل إشعاع إلى الخارج: أي نقد المجتمع مسموح به وأما نقد الوسط الإسلامي فلا.

معظم الكتابات والكتب التي صدرت في الحقل الإسلامي كانت وما تزال في اتجاهها العام اتجاه التزكية والثناء فحسب، وبالتالي هناك أفكار مختبئة في اللاوعي عند عقلية المسلم بحيث يفسر ما يحدث وهو مطمئن لها فلا يراجعها، في الوقت الذي تكونت فيه حصانة لأي مبدأ ممثل في الإسلام، وأصبح النقد الذاتي غير مرحب به في الوسط الإسلامي فهو إما تجريح أو تشهير أو مروق في الإسلام أو مصطلح غربي غير إسلامي فلسنا بحاجة إليه.

إن هذه الحالة إن جاز لنا أن نسميها أزمة باعتبار أن الصراع ما زال قائمًا بين أصحاب الاتجاه الإسلامي والاتجاهات الأخرى، تلح في الوقت الحالي إلى الإقلاع باتجاه مزدوج بين ممارسة بث الفكر الإسلامي ورفع الوعي العام وبين أداة نقده حتى يستوي على قدميه.

الفصل الأول:لماذا النقد الذاتي؟

*لأن النقد الذاتي يعتبر أحد مكونات وحدة العمل فهو ليس نقلاً

مكونات وحدة العمل الناجح: التصور النظري + الممارسة + النقد الذاتي أو المراقبة والمراجعة = النتيجة.

وهناك فرق كبير بين التصور والممارسة؛ فالتصور يتألق وينصب في قالب ثم يتصحح بالممارسة إلى درجة التوقف فيه لاكتشاف عمق الخطأ وتكون إعادة النظر فيه أكثر شمولية فينضج؛ والنضج له درجات ومعه تتمكن الخبرة وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في أن العلم درجات ثم أشار إلى الراسخين في العلم.

**لأن النقد الذاتي يعيد ربط السبب بالنتيجة

مقولة شائعة: إن الأسباب قد تعقبها نتائجها وقد لا تعقبها.

وعند السؤال: لماذا؟ يكون الجواب: إنها إرادة الله الطليقة؛ والاستدلال: (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).

التركيب الخاطئ للفكرة، ثم الربط الخاطئ بالآية، ثم الفهم الخاطئ للنص كلها حلقات متسلسلة قادت إلى نتائج مفزعة! فعندما لا نرى ارتباطا بين السبب والنتيجة، ترانا نفكر بشكل غير معقول، مع أن الحياة بخطها العام تمشي في اتجاه تحصيل النتيجة؛ ثم إنه بهذه الطريقة حدث فك وكسر بين السبب والنتيجة بسبب هذه المقولة فيجعلنا أمام تحقق أي أمر وعدم تحققه سواء. ثم ثالثا: وهو أدهى وأمرّ يحرمنا من المراجعة طالما ألقينا المسؤولية على تلك الإرادة الطليقة التي تتدخل كل مرة ونحن لا نعرف، وبذلك كذبنا على الله.

وعندما نربط السبب بالنتيجة، فإننا لا نقيد إرادة الله؛ بل نقول: إن إرادة الله شاءت أن نتعامل مع الكون وفق سنن؛ وهو ما أشارت إليه الآية (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)

إن فهم الوجود الذي يقوم على السنن سوف يقود إلى ربط السبب بالنتيجة، لأن معنى السنة أنها الظاهرة التي إذا توفرت شروطها الأولية تحققت حتمًا؛ فالسنّة لها سمة الحتمية، ومعرفتها حتى الآن تتم في ضوء الاحتمالية.

فإذا تبلور ما مر، كان علينا أن نبحث الأفكار التالية مفهوم السنة “سنة التاريخ” لأنه مع ترسيخ مفهوم السنة يترسخ معنا بشكل تلقائي مفهوم ارتباط السبب بالنتيجة.

من أهم اعتراضات فك السبب عن النتيجة:

قصة نوح -عليه السلام- مع قومه: إنه مع كل الجهود التي بذلها نوح -عليه السلام -في مجتمعه فإنه لم ينجح في هداية قومه.

لتوضيح ذلك:

الحركة الإنسانية الواعية تنطلق بالأصل من تصور، ثم تمارس عمليا هذا التصور من أجل الوصول إلى الهدف، فإذا عجزت كان سببه إما أن الهدف غير قابل للتحقيق فكان التصور بالأصل خطأ، لأنه أقدم على عمل ليس في طاقته، بمعنى أن الهدف بشكل مطلق مستحيل الوصول إليه، أو أن طاقة العمل تعجز عن الوصول إلى الهدف وهي بدورها إما كمية ثابتة فلن تصل قطعا،ً وإما كمية متطورة، وهذه ستصل فيما إذا أمكن تطويرها إلى مدى طاقة تحقيق الهدف.

ولكن الشيء الثابت في قصص الأنبياء في القرآن هو انتصار الرسول، وانتشار دعوته بمعنى أن هذا المبدأ إذا أحسن فهمه وممارسته كانت له حتمية النصر، وهذا قاعدة تتكرر بدون شذوذ في قصص الأنبياء جميعا، وكلما عانت الحركة الإسلامية من نكسة وعدم انتشار في المجتمع لسبب أو آخر لجأوا إلى مثل نوح -عليه السلام- يستقون منه دليلا على عدم جدوى الفكرة لهذا المجتمع ، وتركوا مثل محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي نجح في تكوين مجتمع جديد من أعراب الجزيرة.

إن نفس هذا المثل الذي نفهم منه الفشل كان يقرأه صاحب الرسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي نجح .

إن قصة نوح تمثل مرحلة بدائية من تاريخ البشرية، ومستوى معين من التطور البشري تظاهرت بشكل حالة استعصاء اجتماعية مزمنة، لم تنفعها إلا عملية استئصال جراحية اجتماعية، بأدوات الطبيعة، بيدي العلي القدير.

الذي حصل هو خلاف ما طرحه الذين اعترضوا حين قالوا بفشل نوح في التغير الاجتماعي، إن ما حصل هو أمر مضاعف توقف مهمة نوح في هذا المجتمع من أجل المباشرة في عملية جديدة، فالذي حصل أن جسم البشرية أجريت عليه عملية جراحية هائلة ألقت ما فسد منه، ثم بوشر ببناء جديد للإنسانية.

إن نوحا لم يفشل بدليل قوله تعالى: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ) فجاء النصر الإلهي في صورة (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر).

صورة انتصار نوح هي الاستئصال الاجتماعي الكامل، وحمل نواة المجتمع الجديد في صورة (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن ءامن وما ءامن معه إلا قليل). هؤلاء القليل كانوا هم البذرة الجنينية الحية لتكوين المجتمع الصالح الجديد.

(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد).

اعتراض آخر متمثل في قصة أصحاب الأخدود:

وهو: إن الدعوة وأهلها قد قضي عليهم، فلم يبق إلا خبرهم، وهذا لا يعني نصرا في الدنيا بحال إذا فهمنا ما معنى النصر في تغيير المجتمع وتولي قيادته؟

الجواب: القصة تفهم معكوسة؛ فلو رجعنا إلى القصة نستنتج أن: المسيحية ازدادت انتشارا مع كل الاضطهاد؛ هذا بغض النظر عن الانحرافات العقائدية التي دخلت إليها، والكلام هو عن الاتجاه العام.

إن التاريخ يقول: “إن اضطهاد أي فكرة هو عامل مسرع في انتشارها، واعتناق الناس لها، والموت في سبيلها، خاصة إذا كانت الفكرة دينية شاملة”.

وفكرة أخرى عن الإسلام في الوقت الحاضر وانتشاره العالمي، هل يعقل أن نتصور إمكانية محو الإسلام من الخريطة العالمية في الوقت الحاضر؟ إن نمو الإسلام وصل إلى مرحلة استحالة القضاء عليه، قد يتوقف النشاط الإسلامي أو يضرب هنا وهناك، ولكنه يبقى الدين الخالد، المقاوم الذي ينتشر دوما إلى الأمام (يريدون ليطفئوا نور لله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون).

***النقد الذاتي يخصب جو الحركة

(ومن كل شيء خلقنا زوجين) فالإنسان يولد من زوجين أب وأم، وكذلك الحيوان والنبات، وكذلك الأفكار؛ فكل فكرة هي مولود له أب وأم، وفروع وأصول.

ففكرة (أ) تتزاوج مع فكرة (ب) يتولد منهما فكرة (ج)، ولكن كما قلنا: إن شروط الزوجية هي أساس الخصب، كذلك تبادل الأفكار واللقاء والبحث؛ فاجتماع عاقلين يتبادلان الآراء ينتج منهما أفكار جديدة كما اجتماع جاهلين هو اجتماع عقيمين، والعقيم من طرف واحد يسبب عدم الإنجاب فكيف إذا كان من الطرفين؟!

والكثير لا يتصور خلاف الرأي إلا في صورة النزاع، مع أن الله خلق البشر بالأصل مختلفين، لأن في الاختلاف تفاعل، وصحة، وخصوبة، وكشف لصورة الحق، وإذا حصل النزاع تبادل الجهل وارتفعت الأصوات، وعم الصخب، وتفشت المهاترة، لذا كان من الأفضل في مثل هذه الأجواء أن يتوقف العقل عن المتابعة، لأن العتبة العقلية تتوقف هنا، وتبدأ عتبة الحنجرة والحبال الصوتية.

وجرت سنة الله في خلقه أن رفع الصوت في مثل هذا الأسلوب وهذا الجو يتماشى بشكل طردي مع ضعف الحجة، بل قد يلجأ البعض إلى تخانة الصوت، وذبذبات الحبال الصوتية كتعويض عن عمق الحجة وبرهانها، بل أحيانأ رفع العصا، أو فوهة البارودة، بل وحتى سبطانة المدفع والرأس النووي الموجه، والقنبلة النيوترونية.

(ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لايسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون) كذلك الصمم الثقافي عندما يتحاور شخصان بلغة واحدة ولكن بخلفية ثقافية متباينة، وكما أن الحروف لها شيفرتها الخاصة بها لكل حرف وكلمة في الدماغ، ولكل لغة.. كذلك عالم الأفكار.

إذا اجتمع شيوعي يتكلم بمادية التاريخ، وفائض القيمة، ووسائل الإنتاج، مع مسلم من طريقة صوفية، عاش عمره لا يتحدث إلا في إطار أدب الحضرة، وتربية المريد بين يدي الشيخ، وعذاب القبر، ومنكر و نكير، فإن ما يحدث بينهما سيكون عجبا، ليس لأن الحروف والكلمات غير مفهومة؛ بل لأن موجة الحديث كلها متباينة تماما كما في جهاز الراديو عندما يوضع على الموجة القصيرة ۱۹ أو ۳۱ أوبعد تحويله إلى الموجة المتوسطة بتغيير موجة الاستقبال كلها.

كذلك حتى يحصل تبادل الآراء وإمكانية التفاهم لابد من تغيير موجة الاستقبال الفكرية بكبس أزرار خاصة في تلافيف الدماغ.. ولله في خلقه شؤون!

فالصمم هنا ليس فيسيولوجيًا ولا لغويًا، بل ثقافيًا ببعد جديد.

وهنا يرد سؤال: على ماذا يتوقف تعامل الإنسان مع الوسط المحيط به؟

والجواب: على ما عنده هو، وليس على ما في المحيط بالذات، أي ليس على رموز المحيط بقدر شيفرتها العقلية عند الإنسان.

العلاقة المشؤومة بين حدي المجاملات والمنازعات

كثير من الناس يدرجون في لقاءاتهم الفكرية على الانعكاس على أحد طرفي علاقة مشؤومة هي المجاملات أو المنازعات، وبذلك يتعطل الجهد العقلي في هذا اللقاء فلا يثمر.

إن جو المجاملة في البحث، يعني بكلمة أخرى الدخول في الموضوع بشكل مبطن، والاحتفاظ بالخنادق الفكرية، وبذلك لا تتعرض الأفكار للتجلية والتمحيص وبالتالي النمو والبلورة، فهو تهرّب لبق من البحث تحت ضغط فكرة: أن البحث سيقودنا إلى النزاع؛ فحفاظا على علاقتنا الشخصية يجب أن نتجنب البحث الجدي والحوار الفعال.

يجب أن نعترف أن الحوار الفعال يحتاج لأرضية فكرية خصبة وطاقة نفسية عالية، لكن مع ذلك فهو مفتاح دخول وتجاوز العقبة(فلا اقتحم العقبة) أي دخول عالم النمو.

إن العقل يتحرر تماما عندما يتجاوز عتبة الخوف من البحث، إن الأمان للعقل هو في البحث لأنه يتأسس على أرض صلدة.

أما الانعكاس على الطرف الآخر للعلاقة المشؤومة: فهو النزاع والانفعال في البحث، وفقد ضبط النفس، والحزبية، والأسلوب التبريري لدعم الأفكار، فهذا الجو يعتبر أيضاً غير منتج؛ فهو محاولة دفاع عن الآراء بأي ثمن من أجل الإحتفاظ بها، وليس أسلوب تنمية الأفكار أو تبيين وجه الصواب فيها.

****النقد الذاتي فيه التفات إلى العامل الداخلي الذي يلعب الدور الحاسم في ولادة الأحداث

إن المسلمين التفتوا وركزوا انتباههم حتى اليوم على خصومهم، وحذفوا أنفسهم من تكوين المشكلة، بمعنى أن العالم الخارجي هو المتهم حتى الآن، مع أن العامل الداخلي هو الأساس في ولادة الحوادث، معنى هذا: أن أمام المسلمين مراجعة قاسية لأنفسهم لأنهم من قطاع “العامل الداخلي”.

كمثال: قابلية الشعوب واستعدادها للاستعمار من أقوى أسبابه.

#مفهوم الاستضعاف والاستكبار: يتبادر إلى ذهننا دوما أن الظالم هو الذي يوقع الظلم بالآخرين فقط، إلا أن المفهوم أوسع من ذلك؛ فالظالمين ليسوا صنف واحد بل صنفين أو بالأصح صنف واحد في أعماقه ولكن منظره الخارجي مزدوج.

الآية: (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين).

إن نشوء هذه العلاقة المشؤومة يحتاج إلى مناخ نفسي، ولكن صورة تشكله الأولى هي من المستضعف، وهي حالة ديناميكية بين طرفين، فلا يرتفع طرف إلا بانخفاض الطرف الآخر إبتداءًا، أي مثل كفتي الميزان إذا ثقل أحد الطرفين بوزر الاستضعاف ارتفع الطرف الثاني بشكل آلي إلى موقف الاستكبار؛ فالاستكبار هو حالة تالية لحالة مرضية أولى كما يتراكم البعوض بشكل آلي حول المستنقع، أو هو اختلاط معروف لمرض سابق.

وإذا سقط مجتمع ما في مثل هذا المرض أي تحول قسم منه إلى مستكبرين في صورة آلهة كاذبة والقسم الأخير إلى عبيد مستضعفين كان معناه أن هذا المجتمع هو في حالة ما قبل الانهيار والتفكك.

عندما تناول القرآن مشكلة الظلم كان يردد بدون ملل بأن الظلم الأساسي هو ظلم الإنسان لنفسه.

رجل العصا ورجل الفكرة:

“العصا” أداة استخدام، بمعنى أنه انسلخ عن آدميته التي تمتاز بالفهم واتخاذ القرار، أو ما يسمى حرية الإرادة.

إن النقل من مرحلة العصا إلى مرحلة الآدمية، هي أن تشتغل الأجهزة النفسية الضامرة، كي يتحول من عبد يتلقى الأوامر فقط إلى سيد ينفذ ما يقتنع به.

حتى يتحرر الإنسان من مركب الاستضعاف عليه أن يتقدم وفق مراحل:

الأولى: في تعلم الإسلام.

والثانية: في الخروج من طاعة من يأمر بمعصية .

والثالثة: منع الآخرين من ممارسة الظلم .

ففي المرحلة الأولى والثانية: ينتقل الإنسان من مرحلة العصا إلى مرحلة الآدمية أي أنه لا يخضع ويطيع إلا بتفكير وقناعة. من المرحلة الثانية يمكن الوصول إلى تكوين المجتمع المسلم، وهذا يوصلنا إلى المرحلة الثالثة.

وليس من طبيعة الأحداث أن تحرق المراحل وإنما يتم سيرها كل حلقة توصل إلى الأخرى في علاقة جدلية، لأن كل حدث هو نتيجة لما قبله، وهو بنفس الوقت سبب لما يأتي بعده.

مرحلة العصا: هي مرحلة الرجل المرتزق الذي يتنازل عن إنسانيته لمن يعطيه قوت يومه، فهو كالعصاة يضرب بها الصالح والطالح، وهذا النوع هو المفضل للمستكبر لأنه يخدمه ويدعم وجوده.

مرحلة وجود فكرة: تخرج الإنسان من حالة العصا، بحيث يصبح له مقياسا على أساسه يقبل أو يرفض (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما). وهذا أول أساس ينبغي أن يغرس عند الطفل أي أنه لا يطيع إلا في الخير وأن تكون عنده القدرة على الرفض أو القبول حتى في علاقته مع والديه. أي مرحلة” أنا لا أفعله فليفعله غيري، وإن فعله غيري أمامي فلا اعتراض، ولكن أنا لا أفعله..” والوصول إلى هذا المستوى هو الذي يجعل الحاكم يفكر عشرين مرة قبل أن يصدر أوامره لأنه مضطر أن يأمر بما يحقق طاعته.

المرحلة الثالثة: هي لن تفعله وأنا على قيد الحياة، أي مرحلة المنع من الظلم أي لن أسمح لك بممارسة الظلم حتى أموت.

*****النقد الذاتي عملية مهمة في تكوين العقلية المنهجية

إن ضعف روح النقد الذاتي في صفوف الإسلاميين يرجع إلى ضعف في تركيب العقلية، وإن كانت هذه الظاهرة تشمل أيضا غير الإسلاميين.

إن العقل الإنساني يحتاج بالدرجة الأولى إلى نظام ومنهج يسير عليه أكثر من حشوه بالمعلومات. أي هي بناء العقلية “النقدية” وليس العقلية “النقلية” وفي جو العمل الإسلامي كانت الظاهرة الطاغية هي من النوع الثاني أكثر من الأول.

إن قيادة العقل وتوجيهه بطريقة صحيحة تشمل في أحد قطاعاتها الرئيسية جو المراجعة والنقد الذاتي وفي هذا الصدد أي الروح النقدية تميز ابن خلدون في مقدمته –كمثال- بعدم الاعتماد على مجرد النقل في الأخبار بل لا بد من إعادة النظر فيها وهي قاعدة ذهبية.

ولكننا نحن في الوسط الإسلامي حيثما نحاول إعادة النظر في المشاكل، يخرج علينا بعض الناس وهو يحمل نصا من القرآن أو الحديث من أجل لجم أي حركة عقلية وهو بهذا يقوم بما يشبه الإرهاب الفكري، لأن الذي يواجه به هو مفهوم تحت شعار النص، لذا كان لا بد من الفصل بينه و بين النص حتى يقابل المفهوم بالمفهوم، وبالتالي استحضار نص يواجه النص الذي جاء به، والمشكلة هي ليست في تناقض النصوص وتعارضها، وهذا ما أشار إليه بصراحة القرآن حينما قال عن النص (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا).

الفصل الثاني:في الإجابة عن كيف؟

إن البحث في “لماذا ” هو محاولة اكتشاف الجانب العقلاني في تبرير الحركة الواعية أي النشاط الإنساني الذي يمتاز بالوعي، خلافا للنشاط الغريزي كما في النمل أو النحل أما البحث في “كيف” فهي تبين وجه الممارسة لمبدأ أو فكرة ما، كما أنها في نفس الوقت عملية إكتشاف جديدة للنشاط الواعي، بمعنى أن فكرة ما قد تتعرض أثناء التطبيق لفشل في حصول النتائج مما يجعل الممارسة من خلال النقد الذاتي كما ذكرنا إلى إعادة النظر فيه، أي أن النقد الذاتي يدخل في دورة حلزونية باتجاه الداخل أي نقد النقد وهكذا.

وهذا يعطي للعمل أعظم صور البلورة النقية وتركيز الكثافة. هناك علاقة جدلية بين “لماذا” و “كيف” أو بين المبرر والممارسة، فمن خلال الممارسة يحصل إنضاج وتعديل والصب في قوالب عملية لدفعات الفكر.

إن النقد بالدرجة الأولى عمل عقلي شاق بعيد عن العاطفة فهو في صلابة وبرودة الحديد، وهو عمل عقلي ممنهج، أي أن طريقة توجيه العقل أول عمله، وهذا بدوره يجب أن يتسلح بالعلم فهو مزيج العقل بالعلم أو قل عقل منهج مسلح بالعلم أن العلم يفترض بدوره البحث الموضوعي، فحركة العقل النقدية يجب أن تتسم بالموضوعيه وهو أمر صعب، ولكنه ليس مستحيلا مع التدريب الشاق، وبذل الجهد المكافئ، لأن الصعوبة تتطلب بذل الجهد المكافئ والاستحالة تعني أن لا فائدة من بذل الجهد.

بين العلم والعقل والظن والهوى

أعطى القرآن الثقة للعلم والعقل، وسحب الثقة من الظن والهوى، بمعنى أن العمل النقدي كما أنه تسلح بالعقل والعلم، يجب أن يتحرر من الهوى والظن.

هناك اعتراض يقول: إن العلم لا يقي من الضلال، فقد يضل على علم، ولكن الآية تبدأ بأنه اتخذ الهوى إلها فلم يعد يستفيد من العلم (افرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) فعندما سيطر الهوى ضاع العقل، وبضياع العقل إنهار العلم، فهي ليست شهادة ضد العلم.

إن أجواء المسلمين في قسم منها -لعله ليس بالقليل- قد سيطر عليه تأرجح بين أمرين، فلأن تناول الأحداث و المواقف والأشخاص و الجماعات و التاريخ بشكل عام يجعل البعض في حرج فلا بد إذا فيه من المجاملة، وهكذا لا تمس القضية وتترك بدون حل، أو في الطرف المقابل إذا حدث بحث فيها أدى إلى تكهرب الجو وتوتر الأعصاب والنزاع أو المهاترة وروح الانتقام والتحطيم من الأطراف المشتركة في الحديث، أي أن الموضوع يتحول من قضية موضوعية إلى قضية شخصية لكل فيها مزاجه فيجب أن لا يفكر ويترك كما هو.

عن الموضوعية:

وظيفة شاقة أثناء ممارسة النقد الذاتي وهي تتمثل في دعوة القرآن إلى العدل (اعدلوا هو أقرب للتقوى)، التقوى يفهم منها الكثير هو الالتزام الجامد بالنصوص، وهنا نراها بالانضباط بعد التحري من خلال أداة النقد الذاتي.

إن اختلاط النقد بمعنى التجريح يستدعي الفصل بين الأمرين من خلال التحري الموضوعي وهذا يعني عمل عقلي جاد، وهدوء، وضبط نفس، والقدوم على أمر ما بغير مقدمات. وفي بحث أمر ما لا يكون بأسلوب تبريري، إذا كان ممن نريد أو محاولة إضعافه إذا كان ممن لا نحب. وهنا يحصل تعارض شديد بين الفكر الحزبي والفكر الموضوعي، فالحزبي إنسان أعمى لأنه يفقد روح المراجعة وهو لا يمتلك هذه القدرة بالأصل، أو أنها على أحسن الأحوال قد أضعفت إلى حد كبير.

عن الشمولية:

إن النقد الذاتي حركة ديناميكية حية متطورة نامية وأداة إنضاج للوعي.

إن هذه الأداة سترافق الإنسان حيث أعمل عقله، سواء في رؤية برنامج تلفزيوني، قراءة قصة، تناول بحث، فك علبة، طبخة، ركب سيارة، إنها أداة نفض مستمرة للوعي لكي يبقى نشيطا حي. إنها أداة يقظة للوعي الداخلي، وتطهير أخلاقي في مستوى الفرد، وهي بناء أسرة متماسكة، والعيش في جو جماعة صحي، وتطهير للوسط السياسي من الإرهاب والتسلط وبناء علاقات حسنة بين الجماعات البشرية. إنها عقل يقظ، وصحة طيبة، وفراش صحي، وثياب نظيفة، وإعتدال في النفقة، وشامة بين الناس.

روح النقد الذاتي يجب أن تتسم بالشمولية لأنها أداة تنظيف للوعي والوجود الواعي ونموه متعلق بيقظة هذه الأداة، ويقظة هذه الأداة متعلق بنقدها الدائم.

في الاستمرار والصبر:

(يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانهى عن المنكر واصبر على ما أصابك). معنى المنهجية هي التكرار بدون ملل لقاعدة، وهذا هام في المعالجة، لأن القوانين لا يشعر الإنسان بملل من تكرارها وتأكيدها لوضوحها ووثاقتها ونتائجها في كل مرة خلاف الأعمال الأدبية أوالقطعة الموسيقية أو منظر الموبيليا والمفروشات.

أهمية هذا الأمر يجعلنا نصرّ على تسليح عقول الشباب بالفكر القانوني أكثر من أيديهم بالعصى والأسلحة.

إن العقل يميل إلى التفلت والقفز من مكان لآخر، والإنسان لو ترك بدائيا بدون إدخاله عجلة التكيف الحضارية لخرج لا يحسن أي شيء حتى اللغة وتنظيف نفسه ولكان منظره أشبه بالحيوان منه بالإنسان. كما أن تدريب وتكيف العقل الدائم يبني له عادات، وهذا معنى الصبر، أي حمل الإنسان من خلال تدريب على اتخاذ منهج. كما أن الاستمرار ينقل الفعالية من طبقة الوعي إلى طبقة اللا وعي بحيث تتحول في الأخير إلى ما يشبه الميكانيكية وهذا هام في تصرفات السلوك.

إن الثقافة بمعناها الواسع: هي تصرفات السلوك التي تنبثق من اللاوعي، أي تكيف الإنسان مع المحيط من خلال إنعكاساته التي تدرب عليها فيما سبق.

آلية “ميكانيكة” الدعاء:

الجهد الواعي يقابل عالم الشهادة ، والدعاء يقابل عالم الغيب.

الغيب: هو المستقبل الذي لا نعرفه (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء) كذلك هو أحداث الماضي التي مرت ولا سبيل لنا إلى معرفتها (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين)

كذلك هو حوادث الحاضر التي لا يعلمها الإنسان، ولو كانت أمام عينيه ، وهو لا يدرك حقيقتها بالضبط، كما غاب عن الجن الذين كانوا بخدمة النبي سليمان عليه السلام أنه لم يكن إلا جثة (فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين)

إذن يمكن تعريف الغيب على نحو ثلاثي: أن الغيب هو ما غاب عنا فلم ندركه أيا كان في مستوى الزمان أوالمكان.

(وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين)

وبالتالي عالم الشهادة يواجه بالجهد الواعي، أما عالم الغيب فهو افتقار وانكسار لله الخالق، بارئ الإنسان من العدم ويقابل بالدعاء للصلة بمنبع الوجود. وهكذا ففي اللحظة الواحدة يتأرجح الإنسان بين عالمي الشهادة والغيب، أو أولا عالم الغيب ثم الشهادة، ولتكون المواجهة صحيحة كان لابد من المزج الدائم بين العمل الواعي والدعاء. وكذلك تدخل عملية النقد الذاتي ضمن هذا الإطار الأخلاقي، فكما أنه حاسة وعي لمطاردة الأخطاء، كذلك هي التفات إلى الداخل للتطهير، وبالتالي التوجه بالدعاء إلى الله بوضع الذنوب، والتثبيت على الطريق، والنمو في الاكتمال الإنساني، وتذكير الإنسان نفسه دوما أًن الخطأ له أقرب من حبل الوريد.

من المهم إذًا إكتشاف علاقة الأفكار بالسلوك لأن الثاني مرتبط بشكل أساسي بالأول، والأفكار سواء منها البارز على السطح في عالم الوعي أو الآخر الغاطس في كيان اللاوعي، ويوّجه معظم أوجه النشاط، والسلوك اليومي وخاصة فيما يتعلق بمركب الفعالية، أو عكسها على النحو الذي أشار إليه القرآن: (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأتي بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم)

وما لم يتم إعطاء الأهمية لهذا الجانب، وتسليط الضوء عليه فلا فائدة من تراكم عمل جديد أو بدء مشروع جديد، أو إنشاء جماعة جديدة، أو القيام بتأسيس تنظيم جديد، أو تجديد تنظيم قديم، فكله أمر يجتر نفسه بنفسه، ويعيد نفسه بنفسه. وطالما كانت سوابق العمل الإسلامي حتى الآن فيها الكثير من التخبط وعدم الوضوح، وهو أمر طبيعي لكل مجتمع متخلف تحاول طليعة قيادية شق طريق جديد له، لكي يعيد بناء نفسه من جديد، ولكن بقدر اتقاد الوعي يخف التخبط.

الفصل الثالث

وهو يختص بالكثير من التطبيقات، نذكر منها على سبيل المثال:

الشخصانية – ما بين الشخص والفكرة

ومن مشاكل الفكر وانعكاسها على السلوك “الشخصانية” سواء مع أو ضد، ففي الصورة الأولى مازال روح الزعيم الملهم الذي يصنع المعجزات يسيطر على تفكيرنا فنحن إذن ما بين متأرجحتين.

خلاصته: ما عندنا لا يؤدي إلى المطلوب، والمطلوب ليس في استطاعتنا، فنحن إذن في إجازة مفتوحة.

وعندما يأتي قائد فذ، أو مفكر مبدع، فلا نرى إمكانية ولادته أمرا خاضعا لقوانين يمكن بواسطتها تكرار هذا النموذج، أو تصحيح، أو تنمية ما عنده؛ وهذا كله مؤشر إلى عدم تدخل الجهد الإنساني، بل انتظار عامل خارجي غير متوقع، وهي بكلمة أخرى مرض اللافعالية.

فإذا اغتيل هذا الزعيم، أو أعدم، أو مات لم نعرف كيف جاء، ولا كيف ذهب، ولا كيف تعويضه، وكل ما نفعله هو الذكرى الحزينة، وإجترار ذكرياته.

إن علاقة معادلة الشخص بمعادلة الأفكار ذات أهمية بالغة، وارتباط المعادليتن يجعل القائمين على لعبة الصراع الفكري يدركون جيدا إمكانية إزاحة فكرة أو تقديمها، وذلك وفق علاقاتها الشخصية. وقد يقول قائل ولكن ما يحدث في الفكرة دوما هو طبيعة علاقة عضوية بين الشخص والفكرة، ولكن القرآن سار في اتجاه آخر حين فصل بين الشخص والفكرة:

(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإيْن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم)

وهذه الظاهرة سواء التعلق بالشخص أو التعلق ضده هي ثقافة تسم الأمة التي لا تنضج بعد، فكما أن الطفل يمر أثناء تطوره العقلي في ثلاث مراحل :مرحلة الأشياء، ثم مرحلة الأشخاص، ثم مرحلة الأفكار، كذلك الأمة فإن هذا (المشعر أو الكاشف) يشير إلى عدم النضج، فمرحلة الأشخاص هي سمة الأمة التي لم تتفاعل مع الأفكار بعد.

نرى مثلا واضحا في هذا عند موت الزعيم حيث تنهار الأعصاب، وتذرف الدموع السخية، بل قد يصل الأمر إلى درجة الانتحار -في الوسط العربي أكثر من الإسلامي- في حين أن نفس هذه الظاهرة في بلاد أخرى تمر مرورا عابرا،ً ومع الإحترام اللائق بها، كما في موت ديغول في فرنسا، وهوشي منه في الهند الصينية، وقبل هذا من عندنا موت الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويأتي أبو بكر -رضي الله عنه- ليضبط الموقف ويطبع قبلة على جبين المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ويتلو الآية السابقة ويبني الخلافة قبل أن يدفن الجثة الكريمة.

من هو د.خالص جلبي

• ألف وكتب في مجال تنوير وتحرير العقل الإسلامي ونبذ العنف والانتقال إلى المعاصرة وضرورة العدالة. من أشهر كتبه كتاب “النقد الذاتي”، لكنه قد لا يكون أهم ما كتبه. لعل السمة البارزة في كتاباته إضافة إلى موسوعيته وإلمامه بحقول شتى في المعرفة هو تأثره الواضح بالقرآن الكريم فلا تخلو كتاباته من إشارات واقتباسات قرآنية متسقة مع سياق الفكرة التي يطرحها، إضافة لذلك؛ تميز قلم جلبي بقدرة فريدة على تطويع الكلمات وتوضيح المعاني.(ويستفيد في ذلك من تعدد اللغات التي يتقنها).

• خالص جلبي طبيب وجراح سوري المولد كندي الجنسية ومفكر إنساني ، من مواليد القامشلي شمال شرق سورية. يتكلم اللغتين الألمانية والإنكليزية بالإضافة إلى العربية، وتخرج من كلية الطب عام 1971 وكلية الشريعة 1974

• يقيم الآن في مدينة الجديدة في المغرب. وقد عرف نفسه مرة بقوله: (إنني سوري المولد، عربي اللسان، مسلم القلب، ألماني التخصص، كندي الجنسية، عالمي الثقافة، ثنائي اللغة (لغة التراث ولغة المعاصرة)، ويدعو إلى الطيران نحو المستقبل بجناحين من العلم والسلم).

• صدر له بحدود 30 كتابا، وهو يكتب الآن في صحيفة الاتحاد الاماراتية وغيرها.

(انتهى الملف)

شاهد أيضاً

النكبة في الوجود والذاكرة

في ذكرى النكبة التي نستحضرها كل عام يفِد إلى الذاكرة مجموعات من الصور وكأنها بحر …

اترك رد