أردوغان والأكراد

بقلم: عبير بشير

أخفقت حكومات أنقرة المتعاقبة على امتداد عقود في التوصل إلى صيغة للتعايش مع الأكراد الذين يمثلون خمسة عشر بالمائة من سكان تركيا. وكان كمال أتاتورك قد قرر حل المشكلة الكردية،من خلال إنكارها،وقد تخلى عن النظام العثماني القائم على فكرة وحدة التنوع،لحساب فكرة الهوية التركية التي ابتكرها والتي تجاهلت الاختلافات الأثينية والعرقية والثقافية داخل المجتمع التركي الغني بتنوعه.وقادت سياسات أتاتورك إلى خلق أزمة أسفرت عن اشتعال حرب أهلية في تركيا حصدت أرواح أكثر من أربعين ألف شخص.

ولاحقا،أدت نتائج عاصفة الصحراء إلى تصدعات جيوإستراتيجية في شبكة المصالح التركية،وعلى ما كان يعتبره صانعي القرار في أنقرة من ثوابت الأمن القومي التركي،كما كشف الارتباك التركي في التعامل مع مخرجات حرب الخليج الثانية،وضعف الحكومة المركزية في بغداد،وغياب سلطتها عن كردستان العراق،عن خلل عميق في تعامل الدولة التركية مع القضية الكردية وتحولاتها،وظهر ذلك بعد تمسك الدولة التركية بجناحيها السياسي والعسكري بالقراءة الأمنية لمعالجة الملف الكردي.

الرئيس التركي الأسبق الراحل تورغوت أوزال هو أول من حذّر المؤسسة العسكرية والطبقة السياسية في بلاده سنة ألف وتسعمائة وواحد وتسعين ،من خريطة التحالفات الجديدة في المنطقة، وخصوصا بعد سقوط نظام صدام حسين، وطالب أوزال بتخلي الدولة التركية عن حذرها التاريخي المبالغ فيه من فكرة التعامل مع جماعة كردية خارج الحدود، في إشارة واضحة منه إلى أكراد العراق الذين اعتبرهم في تلك اللحظة ورقة تركيا الرابحة في خريطة التوازنات العراقية الجديدة،بعدما تم النظر على أن شيعة العراق سيكونون من حصة إيران،وأن دور سنة العراق سيضعف مع رحيل نظام البعث، فيما ليس لتركمان العراق قوة يمكن الاتكال عليها من أجل خلق التوازن،لذلك قام أوزال بالخطوة السياسية الأكثر جراءة في تاريخ تركيا الحديث، واستقبل في قصره الراحل جلال طالباني ومسعود برزاني.

وأدى موت أوزال إلى عودة أنقرة إلى ممارسة السياسات التقليدية تجاه القضية الكردية، حيث تمسكت الحكومات المتعاقبة، بمواقفها التاريخية،والتي أفقدت أنقرة موقعها في خريطة التوازنات العراقية الجديدة. مما شكل جرس إنذار لحكومة حزب العدالة والتنمية مع اندلاع الثورة السورية،وبررت القيادة التركية موقفها المؤيد للثورة السورية بالقول : “لا نريد أن نكرر الخطأ الذي ارتكبناه فيما مضى مع المعارضة العراقية”.

أما رجب أردوغان،فقد نظر في البداية،إلى التنوع التركي كأحد موروثات النظام العثماني الذي يحن إليه. ونجحت حكومته في إبطال مفعول القنبلة الكردية مؤقتا،عبر سلسلة من سياسات الاستيعاب والدمج. وفي مرحلة لاحقة،حاول أردوغان التغلب على المشكلة الكردية عبر تقسيم الأمة إلى هويات عرقية متنوعة يصبح في إطارها الأكراد مجرد هوية واحدة من هويات كثيرة، الأمر الذي تسبب في إخفاق السياسات الأولى الواعدة .

ما واجهت سياسات أردوغان الخارجية إخفاقات نتيجة السقوط المدوي للإسلام السياسي في مصر وتونس، والذي راهن عليه أردوغان بشكل هستيري، على اعتباره بوابة لعودة الخلافة العثمانية بنسخة جديدة. ونتيجة اندلاع الحروب الأهلية والفوضى التي ضربت الإقليم من مشرقه إلى مغربه. كلها عوامل أطاحت بأحلام أردوغان الإمبراطورية،والسياسية والاقتصادية. وألقت بشعار “تصفير المشكلات” في السياسة الخارجية، في سلة المهملات. وفتح أردوغان نيران رشاشاته قي جميع الاتجاهات. ومع الحلفاء التاريخيين، من الولايات المتحدة إلى أوروبا التي لم يتورع في ابتزازها ملوحاً بفتح حدوده الغربية أمام أمواج اللاجئين من سورية والعراق . ولم يتردد في استحضار تاريخ الحروب الصليبية مهددا دول أوروبية.

وسبب ظهور مأزق السياسة التركية في الأزمة السورية ،ردود فعل داخلية قوية من كيفية إدارة أردوغان للملف السوري،وكان “بكستنة”الحدود مع سورية أحد أوجه هذا المأزق،حيث اعتمدت المخابرات التركية على تسهيل مرور الإسلاميين الجهاديين إلى داخل الأراضي السورية،كما فعلت المخابرات الباكستانية في الحرب الأفغانية ضد الاحتلال السوفيتي،ثم ما تلا ذلك من تشجيع ظاهرة “طالبان” كقوة جيوبوليتيكية للسياسة الباكستانية داخل أفغانستان وبدعم من القادة الباكستانيين،رغم عدم وجود صلة أيديولوجية بينهم وبين “طالبان” مثل بنازير بوتو ونواز شريف وبرويز مشرف، ولكن تربطهم أهداف مشتركة معها.

كما شكل تفاقم الضغط الكردي على حدود تركيا الجنوبية،وانكشاف معظم حدودها مع سورية عن ظاهرة ديموغرافية كردية سيطرت عليها من الجهة السورية قوة مؤيدة لحزب العمال الكردي داخل تركيا ،وجه آخر للمأزق. كل ذلك، ومع عوامل إقليمية قاهرة،دفع أردوغان لإعادة مقاربته للملف الكردي،وإعادة تموضعه وفقا لحسابات الدولة المُسيرة ومنهجها التقليدي الذي إستفذته التحولات المواقف الأميركية من الموضوع الكردي.

وشكل ذلك، نقطة تحول عدائية في علاقة أردوغان مع الأكراد ،مبددا مبادرة السلام مع مواطنيه الكرد، ولاحقا موسعا نطاق المواجهة لتشمل أكراد سورية، حيث نقل المعركة إلى أراضيهم .

وبعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز ألفين وستة عشر، أنشأ أردوغان تحالفاً ضم زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، وزعيم الحزب الوطني دوغو بيرنجيك. هذا المثلث تأسس لمواجهة أعداء مشتركين: حزب الشعوب الديمقراطي – الكردي- فتح الله غولن، منافسو أردوغان في حزب العدالة والتنمية .

ويعد الحزب الوطني أصغر أحزاب تركيا،لكن قوته تكمن في أن زعيمه بيرنجيك،هو عراب العلاقات التركية مع روسيا، وصديق مقرب جداً من حليف بوتين -ألكساندر دوغين-،ويقود هذا الضلع – بيرنجنيك – المثلث الإسلامي القومي الأوراسي.ووفقاً لوجهة نظر بيرنجيك،تحتاج تركيا إلى تحالف مع روسيا،على غرار التعاون المناهض للإمبريالية مع السوفيات في أيام كمال أتاتورك.ويقود بيرنجيك دفة تركيا باتجاه روسيا ويعتبر السياسات الغربية ذات جذور صليبية. ولديه كتاب بعنوان “الرجعيون الصليبيون”.وقد قاد التحالف الثلاثي -أردوغان – بهجلي- بيرنجيك- الحرب التركية على عفرين كونه يملك رؤية مشتركة من العلاقة مع الأكراد.

وتعتبر الورقة الكردية الأكثر حساسية لأنقرة،فلا يمر أسبوع من دون تصريح لأردوغان يتناول حربه على الأكراد السوريين الذين يصفهم بالإرهابيين،ويعتبرهم فروعاً لحزب العمال الكردستاني .واحتاج الرئيس التركي وقتا ليصل مع الأميركيين إلى اتفاق حول مناطق كردية في شمال سورية ترعاها واشنطن،وصولاً إلى دوريات عسكرية مشتركة بين الجيش التركي والقوات الأمريكية.وعشية الانتخابات الرئاسية التركية،خاطب أردوغان الأكراد من ولاية ديار بكر قائلا :لا تحاولوا البحث عن دولة للأكراد،لأن دولتكم هي الجمهورية التركية!

شاهد أيضاً

زياد… أعطى الأرض عمره

بقلم: موفق مطرعاشق الأرض المقدسة، شجرة زيتون فلسطينية اصلها ثابت في الأرض وفرعها ينير السماء …

اترك رد